أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: النازحون يبتكرون سبل الحياة

في زوايا مراكز الإيواء، وعلى أطراف الطرقات القريبة منها في أكثر من منطقة، تتشكل يومياً مشاهد صغيرة تختصر معنى البقاء؛ رجال ونساء، وحتى شبان لم يعتادوا سابقاً على هذا النوع من العمل، يفرشون ما تيسر من طاولات أو صناديق بسيطة، يعرضون عليها عصيراً بارداً، أو سجائر، أو سندويشات متواضعة. ليست هذه مجرد تجارة عابرة، بل محاولة جدية لاستعادة السيطرة على الحياة في زمن الحرب.

مع تزايد أعداد النازحين من الجنوب، برز واقع قاسٍ مفاده أن المساعدات، على أهميتها، لا تكفي لتغطية الاحتياجات اليومية المتراكمة؛ فالغذاء، والدواء، ومستلزمات الأطفال، وحتى أبسط متطلبات العيش الكريم، تفوق ما يمكن أن توفره الإغاثة. هنا، لم يعد الانتظار خياراً واقعياً لكثيرين، فكان القرار بالتحرك، ولو بإمكانات محدودة.

هذه المبادرات الفردية تعكس، قبل كل شيء، ذهنية متجذرة لدى أبناء الجنوب، وهي الاعتماد على الذات ورفض الاستسلام. فالنازح الذي كان مزارعاً أو عاملاً أو موظفاً، لم يقبل أن يتحول إلى متلقٍ دائم للمساعدة، بل سعى إلى خلق فرصة، مهما بدت صغيرة؛ كأن بيع كوب عصير أو سندويش بسيط يتحول إلى فعل مقاومة من نوع آخر، مقاومة الفقر والعوز والفراغ.

اقتصاد الظل هذا، الذي ينشأ سريعاً في محيط الأزمات، ليس مجرد وسيلة لتأمين الدخل، بل يخلق أيضاً دينامية اجتماعية داخل مراكز الإيواء؛ إذ تبدأ العلاقات بين النازحين تأخذ طابعاً تبادلياً، حيث يشتري أحدهم من الآخر، فتدور عجلة اقتصادية مصغرة تساهم في تخفيف الاحتقان وتعزيز الشعور بالكرامة.

لكن هذه الظاهرة، على إيجابيتها، تطرح في الوقت نفسه أسئلة عميقة. فهي تكشف فجوة واضحة بين حجم الحاجات المتزايدة وقدرة الاستجابة الإغاثية، كما تبرز الحاجة إلى تنظيم هذه المبادرات، بما يضمن سلامة الغذاء، ويمنع الاستغلال، ويوفر الحد الأدنى من الدعم اللوجستي لمن قرروا خوض هذا المسار.

إن ما يجري أمام مراكز الإيواء وفي محيطها ليس مجرد نشاط اقتصادي بسيط، بل تعبير حي عن إرادة الحياة. فحين تطول الحرب وتضيق الخيارات، يصبح العمل، مهما كان متواضعاً، وسيلة للحفاظ على الكرامة قبل أن يكون وسيلة للعيش. هؤلاء النازحون لا ينتظرون نهاية الأزمة ليبدأوا من جديد، بل يبدؤون من قلبها، مؤكدين أن القدرة على الابتكار قد تكون أحياناً أقوى من قسوة الواقع نفسه.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى