افتتاحية اليوم: الجنوب بين ركام الحرب.. ونبض الحياة

في الجنوب اللبناني، تبدو الحرب وكأنها لم تغادر المكان بعد، حتى وإن صمتت المدافع، وتراجعت أصوات الغارات. فمدينة النبطية ما زالت تعيش تحت وطأة كارثة إنسانية وعمرانية غير مسبوقة، بعدما حولت الاعتداءات الإسرائيلية أحياءها إلى مساحات من الركام، فيما تحاول مدينة صور أن تنفض غبار الحرب عن شوارعها وأسواقها ومينائها، مستقبلةً أبناءها العائدين بإرادة الحياة، رغم قسوة المشهد.
في النبطية، لا يكاد الزائر يميز بين شارع وآخر، بعدما ترك الدمار بصماته على المنازل والمؤسسات وسوقها التجاري والبنى التحتية. أحياءٌ بكاملها فقدت ملامحها، فيما يقف السكان أمام منازلهم المهدمة، يستعيدون ذكريات عمرٍ طويل اختلطت فيه تفاصيل الحياة اليومية بصوت الانفجارات. فالمدينة التي كانت تعج بالحركة والأسواق والنشاط الاقتصادي، أصبحت اليوم عنوانًا لمعاناة تتجاوز الخسائر المادية إلى جراحٍ اجتماعيةٍ ونفسيةٍ عميقة.
ويزداد المشهد قسوةً مع غياب عمليات إعادة الإعمار، وغياب الإمكانات الكافية لإزالة آثار الدمار، الأمر الذي يضاعف من معاناة الأهالي، الذين وجدوا أنفسهم أمام تحدياتٍ معيشيةٍ كبيرة، تبدأ بتأمين المأوى، ولا تنتهي عند إعادة إطلاق دورة الحياة الاقتصادية. فالركام لم يعد مجرد حجارةٍ متناثرة، بل تحول إلى شاهدٍ دائمٍ على حربٍ تركت آثارها في كل زاويةٍ من المدينة.
في المقابل، ترسم مدينة صور مشهدًا مختلفًا، وإن لم يكن بعيدًا عن وجع الحرب، فالمدينة التي تعرضت بدورها لأضرارٍ واسعة، بدأت تستعيد شيئًا من حيويتها مع عودة سكانها، وفتح المؤسسات التجارية، والمطاعم، والأسواق أبوابها تدريجيًا، وتعود الحركة إلى الكورنيش البحري، والمقاهي، والمحال، في محاولةٍ واضحةٍ لكسر حالة الركود، وإعادة بث الحياة في مدينةٍ لطالما شكلت مركزًا اقتصاديًا وسياحيًا وثقافيًا للجنوب.
غير أن هذه العودة لا تخفي حجم التحديات، فالكثير من المنازل غير صالحةٍ للسكن، وعددٌ كبيرٌ من العائلات يعيش بين منزلٍ متضررٍ وآخر مستأجر، فيما يواجه أصحاب المؤسسات التجارية خسائرً كبيرةً نتيجة توقف الأعمال لأربعة أشهر. ومع ذلك، يصر أبناء صور على أن تكون العودة بدايةً جديدة، وأن تتحول المدينة إلى نموذجٍ للصمود واستعادة النشاط، مهما بلغت التضحيات.
ويعكس المشهد بين النبطية وصور صورة الجنوب اللبناني بأكمله، منطقةً أنهكتها الحرب، لكنها لم تفقد إرادة البقاء. ففي الوقت الذي تبدو فيه النبطية مدينةً منكوبةً تحتاج إلى خطة إنقاذٍ شاملةٍ وإعادة إعمارٍ واسعةٍ تعيد إليها مقومات الحياة، تواصل صور تقديم نموذجٍ لمدينةٍ تحاول النهوض من بين الأنقاض، مستندةً إلى تمسك أهلها بأرضهم، ورفضهم تحويل الحرب إلى قدرٍ دائم.
فالجنوب اليوم يقف عند مفترق طرقٍ بين ذاكرة الدمار وأمل التعافي، وبين مدينةٍ ما زالت تبحث عن بدايةٍ جديدة، وأخرى تخطو أولى خطواتها نحو استعادة نبضها، يبقى الإنسان الجنوبي هو العنصر الثابت في معادلة الصمود، مؤمنًا بأن البيوت يمكن أن تُبنى من جديد، وأن المدن، مهما أثقلتها الحروب، قادرةٌ على استعادة الحياة عندما يتمسك أهلها بالأمل والإرادة.



