أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: الثلثان… ممر الاتفاق أو إسقاطه

لم يعد النقاش الدائر حول الاتفاق الإطاري الموقَّع بين لبنان وإسرائيل محصورًا في مضمونه السياسي أو تداعياته الاستراتيجية، بل انتقل إلى ساحة دستورية بامتياز، حيث تتحدد فرص إقراره أو تعطيله من خلال الآليات التي رسمها الدستور اللبناني، والتي تمنح المؤسسات الدستورية أدوارًا متكاملة في صناعة القرار الوطني.

فبموجب المادة 52 من الدستور، يتولى رئيس الجمهورية التفاوض في عقد المعاهدات والاتفاقات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، إلا أن هذه المهمة تنتهي بمجرد التوصل إلى الاتفاق أو إلى مسودة نهائية له. ومن تلك اللحظة، ينتقل الملف من الإطار التفاوضي إلى الإطار الدستوري، إذ يصبح من صلاحية مجلس الوزراء النظر في الاتفاق واتخاذ القرار بشأنه.

وهنا تبرز المادة 65 من الدستور، التي تشكل الحلقة المفصلية في هذا المسار، إذ إن الموافقة على المعاهدات الأساسية تستوجب أكثرية الثلثين من أعضاء مجلس الوزراء، أي تأييد ستة عشر وزيرًا من أصل أربعة وعشرين. وهذا الشرط يمنح القوى السياسية الممثلة داخل الحكومة قدرةً حقيقيةً على التأثير في مصير الاتفاق، سواء عبر تأمين الأكثرية المطلوبة أو الحؤول دون بلوغها.

وانطلاقًا من هذا الواقع، تبدو أمام رئيس مجلس النواب نبيه بري والثنائي الشيعي مساحة دستورية واضحة للتحرك، ليس من خلال الشارع أو التصعيد الميداني، وإنما عبر العمل السياسي داخل مجلس الوزراء، والسعي إلى منع تأمين أكثرية الثلثين اللازمة لإقرار الاتفاق. وفي حال نجح هذا الخيار، فإن الاتفاق يتوقف عمليًّا عند هذه المرحلة، ولا ينتقل إلى الخطوة التالية، مهما كانت الظروف السياسية المحيطة به.

أما إذا تمكن رئيس الجمهورية، بالتعاون مع رئيس الحكومة والقوى المؤيدة للاتفاق، من حشد الأصوات الستة عشر المطلوبة، فإن مجلس الوزراء يكون قد منح موافقته الدستورية على الاتفاق، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة تتمثل في إحالته إلى مجلس النواب.

وفي البرلمان، يخضع الاتفاق لاختبار سياسي وتشريعي مختلف، إذ يحتاج إلى موافقة الأكثرية العادية من النواب الحاضرين، ما يعني أن المعركة تنتقل من ميزان القوى داخل الحكومة إلى ميزان القوى داخل المجلس النيابي، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الاعتبارات الوطنية والدستورية.

ومن هنا، يصبح الدور الذي يؤديه رئيس المجلس النيابي محوريًّا، ليس فقط من خلال موقعه السياسي، بل أيضًا من خلال موقعه الدستوري في إدارة الجلسات النيابية وتنظيم آلية مناقشة الاتفاق والتصويت عليه وفق الأصول المرعية.

وعليه، فإن المواجهة المرتقبة حول الاتفاق الإطاري تبدو مرشحة لأن تدور داخل المؤسسات الدستورية أكثر مما تدور خارجها. فالثلثان داخل مجلس الوزراء يشكلان العقبة الأولى أمام نفاذ الاتفاق، فيما تمثل الأكثرية النيابية العقبة الثانية. وبين هاتين المحطتين، يتحدد مصير الاتفاق وفق قواعد الدستور وآليات العمل الديمقراطي، بما يجعل المؤسسات الدستورية الساحة الفعلية للحسم، ويؤكد أن أي اتفاق من هذا النوع لا يكتسب شرعيته النهائية إلا بعد استكمال جميع مراحله الدستورية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى