افتتاحية اليوم: الأخ الذي لم يتخلَّ عن لبنان

باسم المرعبي – ناشر موقع رأي سياسي :
برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا يودّع لبنان قائداً عربياً ترك بصمةً في تاريخ المنطقة فحسب، بل يودّع أخاً وقف إلى جانبه في أحلك الظروف، ومدّ له يد العون يوم كانت الحرب قد خلّفت دماراً هائلاً وأثقالاً إنسانيةً واقتصاديةً بدت أكبر من قدرة الدولة على احتوائها.
في الذاكرة اللبنانية، يحتل الشيخ حمد مكانةً خاصةً لا تُقاس بحجم المساعدات المالية فقط، بل بما حملته تلك المساعدات من رسائل سياسية وإنسانية. ففي أعقاب حرب تموز عام 2006، كانت قطر من أوائل الدول التي سارعت إلى ترجمة تضامنها إلى أفعال، فتكفلت بإعادة إعمار بلداتٍ جنوبيةٍ دمّرها العدوان الإسرائيلي، وأطلقت مشاريع إسكانيةً وبنى تحتيةً أعادت الحياة إلى مناطق كانت قد تحولت إلى ركام.
لم يكن الدعم القطري مجرد استجابةٍ طارئةٍ لكارثةٍ إنسانية، بل شكّل رؤيةً متكاملةً تقوم على إعادة الأمل قبل إعادة الحجر، فالمدارس عادت لتفتح أبوابها، والطرقات أُعيد شقها، والمنازل شُيِّدت من جديد، فيما شعر أبناء الجنوب بأن هناك من يقف إلى جانبهم بعيداً عن الحسابات الضيقة أو المصالح الآنية.
ولم تتوقف بصمات الأمير الراحل عند مرحلة إعادة الإعمار، بل امتدت إلى مختلف مراحل الأزمات التي مر بها لبنان. فقد حرص على أن تبقى قطر حاضرةً كلما احتاج اللبنانيون إلى دعم، سواء عبر المساهمة في المشاريع الإنمائية، أو دعم القطاعين الصحي والتربوي، أو الوقوف إلى جانب الجيش اللبناني، أو المساهمة في التخفيف من تداعيات الأزمات الاقتصادية والإنسانية التي تعاقبت على البلاد.
ولم يكن الحضور القطري مقتصراً على الجانب الإنساني، بل تعدّاه إلى الدور السياسي الذي لعبته الدوحة في تقريب وجهات النظر بين القوى اللبنانية في أكثر من محطةٍ مفصلية، انطلاقاً من قناعةٍ راسخةٍ بأن استقرار لبنان يشكل ركناً أساسياً في استقرار المنطقة، وأن الحوار يبقى السبيل الوحيد لتجنيب اللبنانيين الانزلاق نحو الفوضى والانقسام.
لقد أدرك الشيخ حمد أن لبنان لا يحتاج إلى الأموال وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى الثقة والأمل. لذلك جاءت السياسة القطرية قائمةً على بناء الجسور مع جميع اللبنانيين، بعيداً عن الاصطفافات الحادة، وهو ما منح الدوحة مكانةً خاصةً في وجدان اللبنانيين الذين رأوا فيها شريكاً حقيقياً في المحن قبل الأفراح.

واليوم، ومع رحيل الأمير الوالد، يستعيد اللبنانيون صورته وهو يجول في القرى الجنوبية المدمرة بعد الحرب، معلناً أن إعادة البناء مسؤوليةٌ أخلاقيةٌ قبل أن تكون التزاماً سياسياً. تلك الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل شكّلت رسالةً بأن لبنان لن يُترك وحيداً في مواجهة آثار العدوان، وأن التضامن العربي يمكن أن يتحول إلى مشاريع تعيد الحياة إلى الأرض والإنسان.
ورغم تبدّل الظروف السياسية وتغيّر موازين القوى في المنطقة، بقي اسم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مرتبطاً في الذاكرة اللبنانية بمرحلة إعادة النهوض بعد الدمار، وبصورة القائد الذي اختار أن يقف إلى جانب لبنان بالفعل لا بالقول، وأن يترجم الأخوة العربية إلى مبادراتٍ ملموسةٍ بقيت آثارها شاهدةً حتى اليوم.
إن لبنان، وهو يودّع الأمير الوالد، لا يرثي رئيس دولةٍ سابقاً فحسب، بل يودّع رجلاً آمن بأن الوقوف إلى جانب الشعوب في أوقات المحن هو أسمى أشكال القيادة. ولذلك سيظل اسمه حاضراً في ذاكرة اللبنانيين بوصفه أخاً صادقاً، وقائداً عربياً ترك إرثاً من العطاء والتضامن سيبقى عصياً على النسيان، لأن الشعوب لا تحفظ في ذاكرتها إلا أولئك الذين شاركوها آلامها وأسهموا في صناعة الأمل وسط الركام.




