افتتاحية اليوم: إيران ـ أميركا استنزاف مفتوح

رغم كل الحديث عن تهدئة أو مفاوضات أو رسائل متبادلة عبر الوسطاء، إلا أن الواقع السياسي والعسكري في المنطقة يقول شيئًا مختلفًا تمامًا: لا هدنة حقيقية بين إيران والولايات المتحدة، ولا وقف إطلاق نار بالمعنى التقليدي، بل حرب استنزاف طويلة تُدار بأدوات متعددة، وتمتدّ من الخليج إلى لبنان، مرورًا بالبحر الأحمر.
هذه الحرب لا تُشبه الحروب الكلاسيكية التي تُحسم بجبهة واحدة أو بمعركة فاصلة، بل تقوم على إنهاك الخصم تدريجيًا، اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا، مع إبقاء باب الانفجار الكبير مفتوحًا من دون الوصول إليه بالكامل. فواشنطن تدرك أن أي مواجهة شاملة مع طهران ستشعل المنطقة بأكملها، وتهدد أسواق الطاقة والممرات البحرية والقواعد الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط، وتحديدًا في الخليج، فيما تعرف إيران بدورها أن الدخول في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة قد يعرّض بنية النظام نفسه لخطر وجودي. لذلك اختار الطرفان نموذج “الاشتباك المضبوط”، حيث النار مشتعلة دائمًا، ولكن تحت سقف معيّن.
فالظاهر إلى الآن أن الولايات المتحدة تعتمد سياسة الضغط المركّب: عقوبات اقتصادية خانقة، حصار مالي، تضييق على صادرات النفط، انتشار عسكري واسع، واستهداف غير مباشر لنفوذ إيران الإقليمي. وفي المقابل، تستخدم طهران استراتيجية النفس الطويل عبر ساحات متعددة، من خلال حلفائها الإقليميين، والضغط على المصالح الأميركية، وإرسال رسائل ميدانية مدروسة تؤكد أن أي محاولة لخنقها ستكون مكلفة للجميع.
من المعلوم أن المنطقة تحولت، منذ سنوات، إلى مسرح لهذه الحرب الرمادية، فكل تصعيد في البحر الأحمر، وكل استهداف لقواعد أميركية في العراق أو سوريا، وكل غارة إسرائيلية في لبنان، يحمل في داخله جزءًا من المواجهة الأميركية ـ الإيرانية. حتى المفاوضات النووية نفسها لم تعد مسارًا منفصلًا عن الصراع، بل أصبحت أداة من أدواته، تُستخدم لكسب الوقت أو تحسين شروط التفاوض أو تخفيف الضغوط.
واللافت أن الطرفين يبدوان في حالة استنزاف متبادل، فواشنطن تُنفق مليارات الدولارات للحفاظ على وجودها العسكري وردع خصومها، فيما تواجه انتقادات داخلية متزايدة بسبب تورطها المستمر في أزمات الشرق الأوسط. أما إيران، فتعاني اقتصاديًا بشكل قاسٍ تحت وطأة العقوبات، لكنها تراهن على قدرتها على الصمود وعلى تبدّل الموازين الدولية مع صعود قوى دولية منافسة للولايات المتحدة، كالصين على سبيل المثال.
إن المشهد الحالي يوحي بأن المنطقة دخلت مرحلة “اللا حرب واللا سلم”، فلا اتفاق نهائيًا يطفئ النار، ولا مواجهة شاملة تحسم الصراع. إنها حرب استنزاف مفتوحة، تتبدل أدواتها باستمرار، لكنها تحافظ على جوهرها: صراع طويل على النفوذ والهيمنة وشكل الشرق الأوسط المقبل.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو المنطقة بأسرها معلّقة على حافة اشتعال دائم، حيث يكفي خطأ واحد أو ضربة غير محسوبة لتحويل حرب الاستنزاف الباردة إلى انفجار إقليمي واسع، لا يمكن لأحد توقّع حدوده أو نتائجه.



