رأي

استشراف أمريكي لمستقبل الصين

كتب د. منصور جاسم الشامسي, في الخليج:

الولايات المتحدة تستشرف صيرورات المستقبل الصيني، متوقعة انهيار الحزب الشيوعي الحاكم منذ 1949، وتُبلور عمليات تغيير سياسية اقتصادية عسكرية ثقافية اجتماعية تُضعف أسس النظام السياسي الصيني، ما يفتح الطريق أمام ظهور «صين جديدة» مُنسجمة مع «القيم والقواعد السياسية الليبرالية–الديمقراطية – الاقتصادية – الرأسمالية الغربية»، وتكون حَليفة للولايات المتحدة (مثل نماذج اليابان وكوريا الجنوبية).
نَشر معهد هدسون للأبحاث الأمريكي الذي تُموله الحكومة الأمريكية، ويترأس مجلس إدارته، حالياً، وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ومدير المعهد الدكتور مايلز يو، من ضِمن دائرة الرئيس ترامب، دراسة أو وثيقة بعنوان: «الصين بعد الشيوعية: الاستعداد لصين ما بعد الحزب الشيوعي»، تتوقع «سقوط الحزب الشيوعي الصيني الحاكم»، وتَضع «الخطوات الأولية التي تُتخذ في أعقاب انهياره». كَتَب فصول الدراسة باحثون أمريكيون، وغيرهم، في الشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستخبارات وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والحوكمة الدستورية.
تقول الدراسة إن الصين تواجه مشكلات جَمة: تراجع النمو الاقتصادي، وتأثير ارتفاع معدلات الشيخوخة السكانية وانخفاض معدلات المواليد على العمالة والاستهلاك ونظام الضمان الاجتماعي في البلاد، ويشهد سوق الإسكان أزمةً خانقةً، إذ لا تزال ملايين الشقق غير مبيعة، ويُفلس مُطوّرو العقارات، ويُفاقم ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب حالة عدم الاستقرار. والفساد السياسي في الحزب الحاكم، وانعدام الكفاءة البيروقراطية، يُعيقان التقدم الاقتصادي وثقة الجمهور. دولياً، تُهدد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة ودول غربية الصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر في الصين. كما تُعَقِّد سياسات الصين القسرية علاقاتها مع دول الجنوب العالمي، حيث غالباً ما تكون دولها مَدينة للصين. ويتزايد تشكك الدبلوماسيين والمسؤولين في المنظمات الدولية في نفوذ الصين العالمي.
ورغم أن الصين الشعبية قد تجاوزت أزماتٍ سابقة، إلا أن انهيار نظامها السياسي الحاكم فجأةً ليس مستبعداً. وعلى صانعي السياسات أن يفكروا في ما قد يحدث والخطوات التي سيتعيّن عليهم اتخاذها في حال زوال نظام الحُكم في الصين التي تُعَدّ ثاني أكبر اقتصاد عالمي. الدراسة ترى الانهيار الصيني في قطاعات رئيسية في البلاد، والتَحول في المؤسسات السياسية الصينية، وكيفية تحقيق الاستقرار في بلد ظل «مكبوتاً لفترة طويلة بعد انهياره»، واكتشاف القوى المحلية، التي سَتُشكل مستقبل الصين.
وتشرح الدراسة دور قوات العمليات الخاصة الأمريكية داخل الصين بعد انهيار الحزب الحاكم، في تحقيق استقرار الصين، ومساندة السلطات المؤقتة، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتسهيل الظهور السلمي للحكومة الصينية الجديدة، مع العمل «بواسطة، ومع، ومن خلال» الجهات الفاعلة الصينية المحلية. والتركيز على الأهمية الثقافية للسرديات والذاكرة التاريخية والشرعية الرمزية في مرحلة الانتقال بعد الشيوعية. وكذلك كيفية «استهداف منشآت الأسلحة البيولوجية بدقة» و«الأبحاث البيولوجية ذات الاستخدام المزدوج التي يُجريها جيش التحرير الشعبي الصيني التي تُشكّل تهديداً استراتيجياً». وهناك خيارات لتحييد مختبرات الأسلحة البيولوجية: (1) التركيز على العمليات المتزامنة (2) السيطرة على محيط المنشآت (3) الاستخراج الآمن أو تدمير المواد الخطرة (4) تعطيل البرامج بشكل كامل لمنع الانتشار والكوارث.
وهناك خطة «إعادة هيكلة النظام المالي الصيني بعد سقوط النظام السياسي الصيني»، من خلال معالجات للديون، وخصخصة أصول الدولة، وتطبيق اللامركزية، وصنع بنية مالية متحررة للازدهار المحلي والتكامل مع الأسواق العالمية. وفي فصل «تأمين الأصول الصينية في أمريكا»، توصي الدراسة بإخراج الشركات والمواطنين الأمريكيين من الصين، وإزالة الكيانات الصينية من قطاعات مهمة في الاقتصاد الأمريكي.
كما تناولت الدراسة مسألة «تأمين وإعادة هيكلة جيش التحرير الشعبي، وشرطة الشعب، والميليشيات الشعبية» وخطة تسريح وتأهيل جهاز الأمن الصيني الضخم، مع توصية بالحفاظ على قوة عسكرية أصغر حجماً وأكثر خضوعاً للمساءلة، تُركز على الدفاع الوطني والإغاثة من الكوارث، مع تفكيك الوحدات المرتبطة بالقمع السياسي. ومن ثم، يُمكن لقوة عسكرية صينية خالية من طموحات الهيمنة أن تُساعد الحكومة الجديدة على الاندماج في عمليات حفظ السلام وشراكات استكشاف الفضاء
الصراع الأمريكي – الصيني يقوم على التضاد (التناحر)، الولايات المتحدة تُفكر للأمام، وتُواجه، وتضغط على الصين باعتبارها خصماً ومُنافساً وتهدد، وتستكشف ظروفاً مؤاتية لسقوط النظام السياسي الصيني، وترسم استراتيجية التغيير الجذري في الصين على مستوى البنية الفوقية (الدولة والأيديولوجيا) والبنية التحتية (الاقتصاد والمجتمع)، وإعادة تشكيل وصياغة الصين، وفقاً للنموذج الأمريكي – الغربي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى