رأي

اجتماع صلالة: فرصة ضائعة أم ضرورة مؤجلة؟

حسن نافعة – الميادين:

ليس من الواضح بعد ما إذا كان اجتماع صلالة يمثل فرصة ضاعت وانتهت بسبب العجز عن اغتنامها، أم أن الفرصة ما تزال سانحة وأن التأجيل قد يساعد على إنقاذها، بإتاحة ظروف أفضل لإنضاجها وضمان أن تؤتي أكلها في الوقت المناسب.

أدلى المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية، في نهاية الأسبوع الماضي، بتصريح مفاده أن عباس عراقتشي، وزير الخارجية، سيلتقي نظراءه في دول مجلس التعاون الخليجي، في اجتماع يعقد بمدينة صلالة في عمان يوم الاثنين 14سبتمبر/أيلول 2026، وأن الدعوة وجهت إلى وزير الخارجية العراقي لحضور هذا الاجتماع المخصص لبحث ومناقشة ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، ما شكّل مفاجأة للعديد من المراقبين، خصوصاً أنه جاء في وقت لم تكن فيه العلاقات الإيرانية- الخليجية في أفضل حالاتها.

بعد أقل من يومين، أعلنت البحرين أنها لن تشارك في هذا الاجتماع، ما أوحى على الفور بأن السعودية بدورها قد لا تكون متحمسة للمشاركة فيه أيضاً. وقبل أقل من 24 ساعة من الموعد المحدد لانعقاد اجتماع صلالة، أعلن بدر البوسعيدي، وزير خارجية سلطنة عمان، تأجيله “حرصاً على التوافق”، من دون تحديد موعد جديد، ما أوحى بأن هذا الاجتماع قد لا يعقد أبداً.

ولصعوبة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية من دون اتفاق إيراني- عماني، من ناحية، وتوافق أميركي- خليجي، من ناحية أخرى، استنتج البعض مما جرى خلال الأسبوع المنصرم أن الظروف الموضوعية لوضع نهاية دائمة للحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران لم تنضج بعد، وأن الأوضاع في المنطقة تتجه نحو التصعيد، وليس التهدئة، خلال الأسابيع القليلة القادمة، وأن أي بحث جدي عن تسوية دائمة لأزمات المنطقة قد لا يبدأ قبل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية القادمة، التي ستعقد في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول وبداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني القادمين.

تجدر الإشارة هنا إلى أن التحركات الإيرانية والعمانية التي استهدفت التوصل إلى اتفاق حول إدارة مشتركة لمضيق هرمز تحظى بموافقة دول الخليج العربية، تتسق تماماً مع نص وروح “مذكرة التفاهم” التي وقع عليها الرئيسان الأميركي والإيراني في 17 يونيو/حزيران 2026.

فالبند الخامس منها يقول: “عند توقيع هذه المذكرة، ستبذل إيران قصارى جهدها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، من دون أي رسوم ولمدة 60 يوماً فقط، بين الخليج العربي وبحر عُمان وبالعكس. وستبدأ حركة السفن التجارية فوراً، على أن تُستكمل بالكامل خلال 30 يوماً، مع الأخذ في الاعتبار الحاجة إلى إزالة العوائق التقنية والعسكرية وعمليات إزالة الألغام التي ستنفذها إيران.

كما ستجري إيران حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد آليات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الأخرى المطلة على الخليج، وبما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على المضيق”. ويتضح من هذا النص أن مذكرة التفاهم أوكلت لإيران حصراً مسؤولية “تحديد الآليات المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز”، لكن بشروط محددة، أهمها:

1- إجراء حوار مع سلطنة عمان للتوصل إلى اتفاق على شكل ومضمون هذه الآليات.

2- التشاور مع الدول الأخرى المطلقة على الخليج لاعتماد هذه الآليات.

3- عدم تعارض ما يتم الاتفاق عليه مع أحكام القانون الدولي والحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على المضيق.

ولأن ترامب تعرض لهجوم حاد من داخل الولايات المتحدة نفسها عقب التوقيع على هذه المذكرة، بسبب حجم التنازلات التي اضطر إلى تقديمها، فقد حاول التملص من بعض ما تضمنته من تنازلات، حين سعى لنزع ورقة المضيق من يد إيران عبر فتح ممر بحري جديد بالقرب من السواحل العمانية، ما أدى إلى اشتعال الصراع من جديد وإلى تجميد مذكرة التفاهم، غير أن إيران تمكنت، رغم ذلك، من مواصلة سيطرتها على مضيق هرمز، ولم يثنها تجدد المواجهات العسكرية مع الولايات المتحدة عن الدخول في مفاوضات مع سلطنة عمان للتوصل إلى اتفاق حول إدارة مشتركة للملاحة في هذا المضيق، وهو اتفاق يبدو أنه اكتمل فعلاً وكان يفترض أن يطرح للمناقشة في اجتماع صلالة.

أسباب ثلاثة حالت دون عقد هذا الاجتماع. الأول يتعلق بمضمون الاتفاق الذي توصلت إليه إيران مع سلطنة عمان. إذ تردد أنهما ترغبان في التوصل إلى ترتيبات مؤقتة تضمن لهما معاً إدارة وتأمين الملاحة في مضيق هرمز إبان المرحلة الراهنة، أما بقية دول الخليج العربية فتردد أنها تخشى من احتمال أن تؤدي هذه الترتيبات إلى اعتراف ضمني بنفوذ إيراني دائم على المضيق، السبب الثاني يتعلق بتباين مواقف دول مجلس التعاون الخليجي من مستوى العلاقة المرغوب فيه مع إيران، خصوصاً وأن بعضها ما تزال لديه شكوك عميقة حول نوايا إيران التي يعتقد أنها ما تزال تصر على التدخل في شؤونها الداخلية.

أما السبب الثالث فيعود إلى تزامن التوقيت المقترح لاجتماع صلالة مع عمليات تصعيد أدت، من ناحية، إلى تمكين أنصار الله من السيطرة على الساحل الغربي لليمن، ما يتيح لها التحكم في مضيق باب المندب، كما أدت، من ناحية أخرى، إلى إصابة خط الأنابيب الذي ينقل النفط السعودي من مناطق إنتاجه في شرق المملكة إلى ميناء ينبع في غربها، بعد تعرضه للقصف، ما أدى إلى توقفه مؤقتاً.

ويعتقد أن العامل الأخير كان الأكثر حسماً وتأثيراً في قرار التأجيل، خصوصاً وأن السعودية لم تكن تريد الاعتراف بوضع يمنح إيران ميزة تتيح لها هيمنة منفردة دائمة على مضيق هرمز، وكانت تأمل في الوقت نفسه أن تعالج مختلف أزمات المنطقة بشكل متزامن وألا يقتصر الأمر على أزمة مضيق هرمز وحدها. ولأن الولايات المتحدة لم تكن بدورها متحمسة لانعقاد اجتماع صلالة في الوقت الحالي، خشية أن تصب مخرجاته لصالح الموقف الإيراني المطالب بإنهاء النفوذ الأميركي في المنطقة، يعتقد أنها لعبت دوراً مؤثراً للحيلولة دون انعقاده.

ليس من الواضح بعد ما إذا كان اجتماع صلالة يمثل فرصة ضاعت وانتهت بسبب العجز عن اغتنامها، أم أن الفرصة ما تزال سانحة وأن التأجيل قد يساعد على إنقاذها، بإتاحة ظروف أفضل لإنضاجها وضمان أن تؤتي أكلها في الوقت المناسب.

الشيء المؤكد أن الحاجة أصبحت ماسة إلى اجتماع يعقد على مستوى وزراء خارجية إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق، ليس لأنه يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية فحسب، ولكن أيضاً وعلى وجه الخصوص لأنه يمكن أن يشكل نقطة انطلاق جديدة نحو إعادة صياغة العلاقات العربية- الإيرانية، وفي القلب منها العلاقات الخليجية- الإيرانية، على أسس صحيحة ومستدامة، خصوصاً وأن الأحداث التي عصفت بالمنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، وبالتحديد منذ عملية “طوفان الأقصى” وحتى الآن، تتطلب مراجعة شاملة للأسس التي تقوم عليها هذه العلاقات، وإعادة تشكيلها على أسس جديدة في ضوء الدروس المستفادة.

لا شك أن مياهاً كثيرة جرت في نهر العلاقات العربية- الإيرانية منذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، وأنها لم تكن دائماً نقية لأن أنواعاً مختلفة من السموم تسربت إليها عبر الأحداث الجسام التي شهدتها المنطقة.

من هذه الأحداث، على سبيل المثال وليس الحصر: حرب عراقية- إيرانية استمرت ثماني سنوات ومهدت الطريق أمام احتلال أميركي للعراق، فرض عليه نظاماً طائفياً قد يصعب الانعتاق من شروره وآثامه في المدى المنظور، وتدخل دولي وإقليمي في سوريا استمر لأكثر من 13 عاماً وأفضى إلى سقوط الدولة، وليس نظام الأسد فحسب، وفتح طريقاً وعراً نحو تغلغل الكيان الصهيوني في أحشاء المجتمع السوري، وعملية “طوفان الأقصى” التي أحدثت زلزالاً هائلة في المنطقة من أقصاها إلى أقصاها وأشعلت سلسلة متتالية من الحروب على الجبهات الفلسطينية واللبنانية والسورية واليمنية، كان آخرها حرب أميركية- إسرائيلية على إيران ما تزال مشتعلة حتى الآن، ولدت من رحمها حرب إيرانية على الدول العربية التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية على أراضيها.

وقد سلكت هذه الأحداث، على اختلاف أنواعها وأهدافها، مساراً يمكن أن نستخلص منه حقيقتين على جانب كبير من الأهمية، الحقيقة الأولى: وجود تباين في الرؤى والمصالح بين إيران والدول العربية، خصوصاً الخليجية، ما يستدعي إقامة آليات وأطر مؤسسية لمعالجتها بعيداً عن أي تدخلات خارجية، الحقيقة الثانية: وجود أخطار مشتركة، خصوصاً أميركية وإسرائيلية، تهدد أمن إيران الوطني كما تهدد في الوقت نفسه الأمن الوطني والقومي للدول العربية، ما يستدعي تعاوناً عربياً- إيرانياً وثيقاً لمواجهتها.

من الواضح أن القضايا الخلافية بين إيران والعالم العربي، ودول الخليج العربية في القلب منه، لن تحل بين يوم وليلة، خصوصاً وأنها تراكمت على مدى عقود طويلة، ما أدى إلى تشابكها وتعقدها في الوقت نفسه. غير أن الأخطار والتهديدات المشتركة التي يواجهانها معاً في المرحلة الراهنة تستدعي منهما أن يتسلحا باليقظة التامة وأن يمسكا معاً بطرف الخيط الذي يساعد على تحديد المسار الصحيح نحو حل هذه القضايا وفق ترتيب الأهمية على سلم الأولويات.

وفي تقديري أن الأولوية القصوى في هذا السياق يجب أن تعطى للجهود المشتركة التي تستهدف الوقف النهائي للحروب المشتعلة في المنطقة. ولأن مذكرة التفاهم التي وقّع عليها الرئيسان الأميركي والإيراني هي الوثيقة الوحيدة التي تنص على وقف متزامن للحرب على جميع الجبهات، يتعين أن يتركز الجهد الإيراني والعربي المشترك في المرحلة الحالية على بحث السبل الكفيلة ليس بعودة مختلف الأطراف إلى مذكرة التفاهم فحسب وإنما العمل أيضاً على أن يفضي الالتزام بهذه المذكرة إلى تسوية نهائية للحرب في المنطقة على جميع الجبهات. ومن الطبيعي، في سياق كهذا، أن يحظى اجتماع صلالة بأهمية قصوى وأن تتركز الجهود الحالية على تذليل العقبات التي تحول دون انعقاده.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى