شؤون دولية

إعادة تسليح ألمانيا مع صعود اليمين المتطرف تثير مخاوف أوروبية

تُثير وتيرة إعادة التسلّح الألمانية المتسارعة مخاوف متزايدة لدى عدد من حلفاء برلين وجيرانها الأوروبيين، فيما تبدو ألمانيا عازمة على بناء قدرات عسكرية كبيرة لمواجهة “التهديد الروسي”، وتعزيز الدور الأوروبي في الدفاع عن القارة، بعد عقود من تقييد إنفاقها العسكري، والاعتماد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأميركية.

ويعيد هذا التحوّل إلى الواجهة نقاشاً يعود إلى قرن مضى بشأن الحجم الذي ينبغي أن تبلغه القوة العسكرية الألمانية، في وقت تواجه فيه برلين مهمة مزدوجة تتمثل في تعزيز قدرتها على “ردع روسيا” وطمأنة جيرانها إلى أن تنامي قوتها لن يخل بالتوازن الأوروبي، وفق صحيفة “وول ستريت جورنال”.

وتزداد المخاوف حدة مع تصدر حزب “البديل من أجل ألمانيا” AfD بعض استطلاعات الرأي، وهو حزب يميني متطرف يتبنى مواقف مؤيدة للتقارب مع موسكو، ويدعو إلى وضع حد لما يسميه “ثقافة الشعور بالذنب” المرتبطة بجرائم ألمانيا خلال الحقبة النازية.

وقال وزير الخارجية البولندي، رادوسلاف سيكورسكي، الذي أيد منذ فترة طويلة تعزيز القدرات العسكرية الألمانية، لصحيفة ألمانية: “نتذكر جيداً إلى أين يمكن أن يقود تسليح ألمانيا مجدداً إذا أصبح في أيدي حزب يميني متطرف موالٍ لروسيا”.

وقبل ذلك بأيام، قال السياسي الفرنسي اليساري جان لوك ميلانشون: “إنهم يريدون بناء أكبر جيش تقليدي في أوروبا. ولو كنت رئيساً، لقلت لهم إنني لا أعتقد أن هذه فكرة جيدة”.

إعادة التسلّح تثير مخاوف أوروبية
وأشارت الصحيفة إلى أنه قبل سنوات قليلة فقط، كان يُنظر إلى ألمانيا على نطاق واسع باعتبارها تستفيد من الإنفاق الدفاعي لحلفائها الأميركيين والفرنسيين والبريطانيين، دون أن تتحمل نصيباً مماثلاً من أعباء الدفاع. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أبرز القادة الغربيين الذين ضغطوا على برلين لتعزيز إنفاقها العسكري بما يتناسب مع ثقلها الاقتصادي.

لكن المستشار الألماني فريدريش ميرتس خصص منذ ذلك الحين، أكثر من نصف تريليون دولار للقوات المسلحة خلال العقد المقبل.

وبدأ بعض المسؤولين الأوروبيين يشعرون بالقلق من أن يؤدي هذا التوسع العسكري إلى تغيير ميزان القوى في القارة. ويخشى بعضهم من أنه حتى في غياب حزب “البديل من أجل ألمانيا”، قد تصبح ألمانيا وروسيا القوتين الأكبر في أوروبا، وأن تعود برلين في مرحلة ما إلى تبني سياسة أكثر تصالحاً مع الكرملين لتجنب الصدام.

بحث وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث مع وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس تعزيز التعاون الدفاعي والصناعي بين البلدين، ودعم الردع الجماعي في إطار “الناتو 3.0”.

وتتزايد المخاوف أيضاً مع استفادة شركات صناعة الأسلحة الألمانية من الجزء الأكبر من المشتريات العسكرية الحكومية، فيما يقول مسؤولون ألمان إنهم يدركون هواجس الدول المجاورة، لكن ذلك لم يترجم حتى الآن إلى تغيير في نهج برلين.

ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان ما يطلق عليه مؤرخون “المسألة الألمانية”، وهو نقاش دار بين القوى الأوروبية خلال القرن التاسع عشر بشأن الحد الذي يمكن أن تبلغه قوة ألمانيا الموحدة قبل أن تتحول إلى تهديد للسلام في القارة.

وبعد أن خاضت ألمانيا حربين عالميتين، جاءت الإجابة العملية من جانب القوى الأوروبية بضرورة عدم السماح بعودة قوة ألمانية مهيمنة.

إرث الحرب العالمية الثانية
وذكرت “وول ستريت جورنال” أن ألمانيا اندمجت بعد الحرب العالمية الثانية في منظومة حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة. ومع انتهاء “الحرب الباردة”، ركزت ألمانيا الموحدة على النمو الاقتصادي، وتجنب الانخراط في صراعات عسكرية خارجية.

لكن الغزو الروسي لأوكرانيا غيّر هذه المعادلة، وأطلق أكبر عملية لإعادة التسلّح تشهدها القارة منذ سقوط جدار برلين.

تعهّد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ببناء أقوى جيش في أوروبا، حيث تأمل الحكومة الائتلافية أن يساعد مشروع القانون الجديد.

وفي العام الماضي وحده، أبرمت الحكومة الألمانية عقوداً دفاعية تزيد قيمتها على ثلاثة أمثال تلك التي أبرمتها بريطانيا، بحسب معهد كيل للاقتصاد العالمي IFW Kiel، وهو مركز أبحاث مستقل.

وقال لوكاش ياسينسكي، الخبير في العلاقات الألمانية البولندية لدى المعهد البولندي للشؤون الدولية: “هذه ثورة، وستكون لها بالتأكيد تداعيات على جيران ألمانيا والاتحاد الأوروبي والعلاقة عبر الأطلسي (أوروبا وأميركا)”. وأضاف: “ألمانيا دولة حاسمة بالنسبة إلى الأمن الأوروبي، لكنها لا يمكن أن تصبح أكبر من أن تستوعبها أوروبا”.

قلق من صعود اليمين الألماني
ولفتت الصحيفة الأميركية إلى أن “السياسيين الشعبويين كانوا من بين الأكثر وضوحاً في التعبير عن هذه المخاوف”؛ إذ قال الرئيس البولندي كارول نافروتسكي، إن ألمانيا “لم تكن بحاجة إلى هتلر لكي تكون معادية لبولندا”.

واعتبرت ليانا فيكس، وهي باحثة متخصصة في شؤون أوروبا في مجلس العلاقات الخارجية، ومقره نيويورك، أن الترحيب الذي قوبلت به خطة إعادة التسلّح الألمانية في عام 2022 دفع برلين إلى الاعتقاد بأن أمامها هامشاً واسعاً للتحرّك.

وزادت المخاوف مع النتائج التي حققها حزب “البديل من أجل ألمانيا” في شرق البلاد، حيث سجل أفضل نتيجة له على الإطلاق. ويدعو الحزب إلى خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبي، ورفع العقوبات المفروضة على موسكو، واستئناف شراء الطاقة الروسية، فيما شكك بعض قادته في جدوى عضوية ألمانيا في حلف الناتو.

يكشف فوز حزب “البديل من أجل ألمانيا” في ساكسونيا-أنهالت، تصاعد الانقسام حول سياسة عزل اليمين المتطرف، ويضع استراتيجية “جدار الحماية” أمام اختبار غير مسبوق.

وتخشى بولندا أن تساهم حكومة ألمانية يقودها اليمين المتطرف في إحياء مطالب إقليمية قديمة. فبعد الحرب العالمية الثانية، فقدت ألمانيا مساحات واسعة من أراضيها في الشرق، وطُرد أكثر من 12 مليون ألماني من مناطق في أوروبا الشرقية.

وتخلت ألمانيا رسمياً عن المطالبة بهذه الأراضي عند إعادة توحيدها في عام 1990، لكن بعض قيادات حزب “البديل من أجل ألمانيا” استحضرت مشاعر الفقد المرتبطة بعمليات طرد الألمان.

وفي عام 2023، استخدمت زعيمة الحزب أليس فايدل مصطلح Mitteldeutschland، ويعني “ألمانيا الوسطى”، للإشارة إلى شرق ألمانيا، وهو ما اعتبره بعض السياسيين البولنديين إشارة مبطنة إلى مطالب إقليمية.

ربط القوة الألمانية بأوروبا
وطيلة عقود عمل المستشارون الألمان السابقون على الحفاظ على دعم الحلفاء. فعندما دفع المستشار الراحل هيلموت كول باتجاه إعادة توحيد ألمانيا، عرض في المقابل الحد من حجم القوات المسلحة الألمانية.

لكن هذا النهج تغير لاحقاً؛ فبعد أزمة منطقة اليورو فرضت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل سياسة مالية صارمة على اليونان مقابل حزمة إنقاذ مالي. وعندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014، مضت حكومتها في مشروع “نورد ستريم 2” رغم تحذيرات أوكرانية وبولندية من زيادة اعتماد ألمانيا على الطاقة الروسية.

وترى الباحثة ليانا فيكس، أن برلين يمكنها معالجة مخاوف شركائها عبر ربط إعادة التسلّح بصورة أوثق بالمشروع الدفاعي الأوروبي، من خلال المشتريات العسكرية المشتركة، وتعزيز التنسيق ودمج الصناعات الدفاعية، وإنشاء هياكل قيادة مشتركة داخل الناتو. لكن ألمانيا انسحبت مؤخراً من مشاريع بمليارات اليورو مع فرنسا وهولندا.

article image
اقرأ أيضاً
ألمانيا: بناء قوة عسكرية تحمي أوروبا يحتاج عقوداً
قالت وزيرة الدفاع الألمانية أنيغريت كرامب كارينباور، الثلاثاء، إن أوروبا لن تكون قادرة على بناء قوة عسكرية تقليدية ونووية في الوقت الراهن.

ووفق معهد “كيل”، ذهب نحو ثلثي الإنفاق العسكري الألماني في عام 2025 إلى شركات ألمانية، فيما ذهب نحو 30% إلى إنتاج أنظمة معظمها أميركية داخل ألمانيا، ونحو 10% إلى جهات خارج أوروبا. وتزداد أهمية هذه المسألة مع استعداد الولايات المتحدة لتقليص وجودها في القارة.

وقالت ريم ممتاز، الباحثة لدى “كارنيجي أوروبا”، إن فرنسا تخشى أن تحل ألمانيا محلها كقوة رائدة في الصناعات العسكرية، وسط قلق في الأوساط السياسية والدبلوماسية والعسكرية الفرنسية بشأن الدور الذي تريد برلين أداءه.

من جانبه، اعتبر الأمين العام المساعد السابق للناتو، كاميل جراند، أن بعض الانتقادات مبالغ فيها، مشيراً إلى أن ألمانيا كانت ستنفق 400 مليار دولار إضافية منذ 1990 لو التزمت بهدف الناتو البالغ 2% من الناتج المحلي. وقال: “ألمانيا تريد أن تتولى القيادة، لكنها لا تبذل دائماً جهوداً كبيرة لإرضاء شركائها”.

بدوره، قال رئيس مؤتمر ميونخ للأمن والدبلوماسي الألماني السابق، فولفجانج إيشنجر، إن المخاوف من إعادة التسلّح حتمية بالنظر إلى تاريخ ألمانيا، داعياً برلين إلى طمأنة حلفائها بأن الهدف هو الوفاء بالتزاماتها تجاه الناتو وأمن أوروبا. وأضاف: “الأمر لا يتعلق بجعل ألمانيا عظيمة مجدداً”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى