رأي

إسرائيل” في المحافل الدولية.. الوحش بدور الضحية

رمزي بارود – موقع “Scheerpost”:

يتبع دانون نهجاً غريباً في الدفاع عن “إسرائيل”، معتمداً على الترهيب والتخويف ومحاولة سافرة لإسكات كل من يجرؤ على تحدي السردية الإسرائيلية.

جبل الدلائل التي لا يمكن تجاهلها عن استخدام “إسرائيل” المنهجي للعنف الجنسي وغيرها من الانتهاكات بحق الفلسطينيين، تبقي السؤال مطروحاً عن مدى إدراك الإسرائيليين يوماً ما للضرر الذي لا يمكن إصلاحه، والذي ألحقه سفيرهم لدى الأمم المتحدة داني دانون بسمعة كيانهم، من خلال تبرير ممارساته الوحشية التي يستحيل تجاوزها في فلسطين المحتلة.

“إسرائيل” تتبع الترهيب في وجه من يتحداها
يتبع دانون نهجاً غريباً في الدفاع عن “إسرائيل” داخل المؤسسات الدولية، معتمداً على الترهيب والتخويف ومحاولة سافرة لإسكات كل من يجرؤ على تحدي السردية الإسرائيلية الرسمية، ولا سيما القيادات النسائية. لكن ما يجعل سلوك دانون أكثر استهجاناً، هو استخدامه لهذه الأساليب العدائية لقمع قضية تتطلب أقصى درجات الشفافية عن استخدام “إسرائيل” الممنهج للعنف الجنسي، إضافة إلى انتهاكات حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين.

وكانت المواجهة التي وقعت الشهر الماضي خلال جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة، بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي خلال النزاعات، حيث عرض كبار المسؤولين الأمميين نتائج مروعة توثق حالات العنف الجنسي ضد المعتقلين فلسطينيين، حيث واظب دانون على عادته برفض الخوض في جوهر التقارير، لأن الدبلوماسية الإسرائيلية تعتبر العدو ليس مجرد الخصم المسلح، بل هو القاضي، ومراقب حقوق الإنسان المستقل، ومحقق الأمم المتحدة الذي تقتصر مهمته على توثيق انتهاكات القانون الدولي.

الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في النزاعات براميلا باتن كانت الهدف المباشر لغضب دانون بدلاً من التفكير في النتائج المروعة للتقرير. وقد طالب باستقالتها، واتهمها مع المجتمع الدولي عموماً بـ”هوس استهداف إسرائيل”.

وعندما حاولت الممثلة الخاصة للأمين العام لشؤون الأطفال والنزاعات المسلحة فانيسا فريزر التدخل ضمن نظام التحدث وفقاً للبروتوكول المتبع، هاجمها دانون بعبارات لاذعة أغرقت القاعة بصراخه، وأمرها بالصمت قائلاً: “عار عليك لأنك جزء من هذا الهوس باستهداف إسرائيل”.

رغم أن هذا السلوك الجامح كان يستوجب إخراج دانون فوراً من القاعة، إلا أن اختلال التوازن الدبلوماسي في الأمم المتحدة منع ذلك، إلى أن وجدت فريزر نفسها تحاول تهدئة الموقف، موضحة بأدب أن طلبها الإجرائي “ليس شخصياً”، فردّ دانون بتحد معهود: “لن يسمح لك بالتنمر علينا”.

يتبع دانون نهجاً غريباً في الدفاع عن “إسرائيل” داخل المؤسسات الدولية، معتمداً على الترهيب والتخويف لإسكات كل من يجرؤ على تحدي السردية الإسرائيلية
“إسرائيل” في قائمة العار العالمية
تكمن المفارقة الكبرى في علاقة “إسرائيل” الدبلوماسية مع الأمم المتحدة والقانون الدولي، وهي أكثر الدول انتهاكاً لحقوق الإنسان والقوانين الدولية في التاريخ الحديث، في النمط السلوكي المستمر منذ عقود دون عقاب، بحماية استخدام الغرب لحق النقض “الفيتو”، ما شجع “إسرائيل” على ارتكاب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة حتى هذه اللحظة.

ومع ذلك، يصر المسؤولون الإسرائيليون على ادعاء دور الضحية، زاعمين أنهم أهداف لـ”معاداة السامية” والتحيز غير العادل، والآن “التنمر” من قبل المؤسسات الدولية التي يتحدونها، بينما لا يمكن تجاهل الأدلة الكثيرة الموثقة، مثل التقرير المفصل الذي أصدره مكتب باتن عن الانتهاكات الممنهجة، والتحرش الجنسي، والتعذيب النفسي الذي تستخدمه “إسرائيل” كسلاح ضد الفلسطينيين من الرجال والنساء والأطفال المحتجزين في معتقلاتها من ضمنها معتقل “سدي تيمان”.

ولقد وصل وزن هذه الأدلة إلى عتبة لا يمكن إنكارها إلى درجة أن مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أضاف “إسرائيل” رسمياً إلى “قائمة العار” العالمية، وهي القائمة السوداء للدول التي ترتكب انتهاكات جسيمة ضد الأطفال في النزاعات المسلحة، لكن كل هذا الكشف والدلائل لا تقنع دانون أو المؤسسة السياسية الإسرائيلية عموماً بأن “إسرائيل” لا تملك حقاً سيادياً في انتهاك القانون الدولي. وفي رأيهم، مجرد الإشارة إلى هذه الجرائم يعتبر عملاً عدوانياً.

ويمتد هذا الإنكار الممنهج ليشمل جميع جوانب الصراع. وقد خلص تحقيق شامل للأمم المتحدة مؤخراً إلى أن “إسرائيل” استهدفت عمداً الأطفال الفلسطينيين في غزة كعنصر أساسي في حملتها العسكرية. والأمر المروع أنه منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى التاريخ ذاته عام 2025، قتلت “إسرائيل” ما يقدر بنحو 20,179 طفلاً فلسطينياً، أي ما يقارب 30% من إجمالي الضحايا الفلسطينيين.

منذ 7 أكتوبر 2023، قتلت “إسرائيل” ما يقدر بنحو 20,179 طفلاً فلسطينياً، أي ما يقارب 30% من إجمالي الضحايا الفلسطينيين.
“إسرائيل” تتعمد قتل الأطفال
قال رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة سرينيفاسان موراليدار إن السلطات الإسرائيلية استمرت بشكل منهجي في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، واستهداف الأطفال الفلسطينيين وقتلهم عمداً برصاص الجنود الإسرائيليين.

وفي حين أن هذه النتائج توفر طبقة أخرى من الأدلة القانونية القاطعة فيما يتعلق بنية الإبادة الجماعية، فإن الأهمية الحقيقية للتقرير تكمن في كشفه عن الأساس المنطقي وراء استهداف الشباب.

وعادة ما يتم تجاهل المذبحة للأطفال والنساء من قبل المدافعين الغربيين عن “إسرائيل”، باعتبارها “أضراراً جانبية”. لكن تقرير وتحقيق الأمم المتحدة قد حطم هذا الدفاع، وقدم استنتاجاً فاضحاً عن أن استهداف أطفال غزة هو جزء من استراتيجية إسرائيلية مدروسة لتدمير الاستمرارية البيولوجية ومستقبل وجود الشعب الفلسطيني في غزة، كما لخص موراليدار الأمر بوضوح، وقال إن “استهداف إسرائيل للأطفال، هو هجوم على قدرة الشعب الفلسطيني على الوجود”.

استهداف أطفال غزة هو جزء من استراتيجية إسرائيلية مدروسة لتدمير الاستمرارية البيولوجية ومستقبل وجود الشعب الفلسطيني في غزة
مع ذلك، لا يزال من دواعي خيبة الأمل العميقة أن المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، اللتين عادة ما تسرعان في إدانة جرائم الحرب المرتكبة في أماكن أخرى، ما زالتا تتحركان ببطء شديد فيما يتعلق بجرائم “إسرائيل”. ومن المأساوي أن الكارثة مستمرة دون هوادة لعدم وجود آلية دولية فعالة، ومستعدة لفرض العقوبات أو ممارسة ضغط حقيقي لوقفها.

ولهذا السبب تحديداً، يريد دانون من العالم التزام الصمت. فتصريحاته الحادة لا تستهدف دبلوماسيي الأمم المتحدة فحسب، بل تستهدف المجتمع المدني العالمي أيضاً، بينما يطلب دانون من كل من يرفض غض الطرف عن جرائم “إسرائيل” بصمت مطبق، في حين يُجوع الفلسطينيون ويغتصبون ويقتلون. فوفقاً لهذا المنطق الملتوي، فإن ارتكاب هذه الفظائع هو حق أصيل لـ”إسرائيل”، والاعتراض عليها هو عمل من أعمال الحقد.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى