أوروبا أمام مرحلة إعادة تشكيل: بين الهواجس الأمنية والتحديات الاقتصادية ومستقبل الدور الدولي

خاص “رأي سياسي” :
تمر القارة الأوروبية بمرحلة دقيقة تتجاوز حدود الأزمات التقليدية، إذ لم تعد التحديات التي تواجهها مرتبطة بالاقتصاد أو الأمن وحدهما، بل باتت تمس موقعها في النظام الدولي وقدرتها على حماية مصالحها والتأثير في مسار الأحداث. فالمتغيرات المتسارعة، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى التحولات في السياسة الأميركية وصعود قوى دولية منافسة، تفرض على العواصم الأوروبية إعادة النظر في أولوياتها وطريقة تعاملها مع محيطها.
على المستوى الأمني، فرضت الحرب في أوكرانيا واقعاً جديداً على أوروبا، وأعادت مسألة الدفاع المشترك إلى صدارة الاهتمامات. فالدول الأوروبية باتت تدرك أن الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية لا يوفر وحده ضمانة دائمة، خصوصاً في ظل اختلاف الأولويات بين ضفتي الأطلسي. ولهذا تتجه دول عدة إلى زيادة الإنفاق العسكري وتطوير قدراتها الدفاعية وتعزيز التنسيق فيما بينها. غير أن بناء منظومة أمنية أوروبية أكثر استقلالاً لا يزال مشروعاً معقداً، بسبب تفاوت الإمكانات العسكرية والاقتصادية واختلاف وجهات النظر بشأن طبيعة التهديدات وأولويات المواجهة.
أما العلاقة مع روسيا، فلا تبدو مرشحة للعودة سريعاً إلى مرحلة التفاهم السابقة. فحتى في حال التوصل إلى تسوية في أوكرانيا، ستبقى ملفات الحدود والأمن والنفوذ والعقوبات حاضرة في حسابات الطرفين. وفي المقابل، لا تستطيع أوروبا تجاهل كلفة استمرار المواجهة، سواء من ناحية الإنفاق الدفاعي أو انعكاساتها على الاستقرار الاقتصادي والتجاري. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الاعتبارات الأمنية أو تجاهل المخاوف التي تشعر بها دول شرق القارة.
اقتصادياً، تواجه أوروبا اختباراً لا يقل صعوبة. فارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج، والمنافسة الصناعية والتكنولوجية من الولايات المتحدة والصين، والضغوط التي تتعرض لها قطاعات التصنيع، كلها عوامل تضع قدرتها التنافسية أمام تحديات جدية. وتبرز ألمانيا، باعتبارها المحرك الاقتصادي الأبرز داخل الاتحاد، مثالاً على حجم الصعوبات التي تواجه الصناعة الأوروبية في التكيف مع التحولات العالمية. كما أن زيادة الإنفاق الدفاعي تطرح سؤالاً أساسياً حول كيفية التوفيق بين متطلبات الأمن وحاجات المواطنين إلى الخدمات الاجتماعية والاستقرار المعيشي.
ولا تنفصل هذه الضغوط عن الأوضاع السياسية الداخلية. ففي عدد من الدول الأوروبية، تتقدم قضايا الهجرة وارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة وتراجع الثقة بالمؤسسات إلى واجهة النقاش العام. وتستفيد التيارات الشعبوية والمتشددة من حالة الاستياء، مستثمرة شعور قطاعات من المواطنين بأن القرارات السياسية لا تعالج مشكلاتهم اليومية بالسرعة المطلوبة. وهذا الواقع قد يزيد صعوبة التوصل إلى سياسات أوروبية موحدة، خصوصاً عندما تتباين الحسابات الانتخابية والمصالح الوطنية بين الدول الأعضاء.
وفي ملف التوسع، يحاول الاتحاد الأوروبي الحفاظ على جاذبيته السياسية من خلال فتح آفاق جديدة أمام دول مرشحة للانضمام، وفي مقدمتها أوكرانيا ومولدوفا ودول من غرب البلقان. لكن هذا المسار لا يخلو من التعقيدات؛ فالتوسع يحتاج إلى إصلاحات مؤسساتية واقتصادية داخل الدول المرشحة، كما يفرض على الاتحاد نفسه معالجة أسئلة تتعلق بآليات اتخاذ القرار والتمويل وتوزيع المسؤوليات. لذلك، فإن الرغبة السياسية في التوسع لا تعني أن الانضمام بات قريباً أو مضموناً.
وتحظى دول البلطيق، ولا سيما ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، بأهمية خاصة في هذه المرحلة، نظراً إلى موقعها الجغرافي وحساسيتها تجاه التطورات الأمنية في شرق أوروبا. وهي تسعى إلى تعزيز حضورها داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بالتوازي مع تطوير قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية. غير أن مستقبل هذه الدول يبقى مرتبطاً إلى حد كبير بمدى قدرة أوروبا على بناء موقف أمني متماسك، وتجنب ترك الدول الأكثر تعرضاً للمخاطر أمام حسابات منفردة.
أما على صعيد الدور الدولي، فتجد أوروبا نفسها أمام معادلة دقيقة: فهي لا تريد خسارة شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى امتلاك مساحة أوسع من القرار المستقل. وهذا التوازن لن يتحقق بمجرد إطلاق التصريحات أو زيادة الموازنات العسكرية، بل يتطلب توافقاً سياسياً بين الدول الأعضاء، واقتصاداً أكثر قدرة على المنافسة، وسياسة خارجية تستند إلى رؤية واضحة ومصالح مشتركة.
في المحصلة، لا تبدو أوروبا أمام انهيار وشيك، كما لا يمكن اعتبارها قوة مستقرة بمنأى عن التحولات. إنها تمر بمرحلة إعادة تموضع، تتوقف نتائجها على قدرتها على معالجة انقساماتها الداخلية وتحويل إمكاناتها الاقتصادية والسياسية إلى نفوذ فعلي. فالاختبار الحقيقي ليس في حجم التحديات التي تواجهها، بل في قدرتها على إدارتها من دون التضحية بتماسكها الاجتماعي أو مكانتها الدولية.




