أفريقيا بين تفجير الأزمات وتعديل نهج السياسة الدولية

د. خالد زغريت – العرب:
تجاهل أفريقيا وتحويلها إلى قطب سلبي يأكل نفسه ويبتلع مشكلاته ذاتيًا، خطأ إستراتيجي تنموي مؤثر في مسار النمو العالمي.
تكاد أفريقيا تكون ميدان العصر للجيوسياسية الدولية؛ فقد تسارعت الدول النافذة إلى الاستثمار السياسي والاقتصادي في القارة. فالولايات المتحدة تزج بقوى أمنية وعسكرية في أجزاء منها، وتبسط شبكة شركاتها في القطاعات التكنولوجية الحيوية، فيما تستثمر الصين اقتصادًا شموليًا، وتستأثر فرنسا بهيمنتها الموروثة من الاستعمار بدور تنافسي واسع. ومؤخرًا امتد إليها الروس وتركيا وإسرائيل وإيران وغيرها.
تنتمي هذه القوى التنافسية إلى مختلف أشكال سياسة النظام الدولي المتحكم بالعالم، وتنطلق في تنافسها من تجاهل مشكلات القارة الأفريقية، بل وتنميها لتسهيل الاستثمار في أزماتها. ولاسيما أن سياسة النظام الدولي منهكة بإطفاء الحرائق المتنقلة التي تشعلها بؤر التوتر والحروب في أطراف العالم. وهذا ما جعل السياسة العالمية تولي الأهمية الكبرى لأزمات أوكرانيا وفلسطين ولبنان وسوريا واليمن وإيران والهند والباكستان، فضلًا عن مراقبة أميركا لتنامي الصين. غير أن هذا الطيف الواسع من الصراعات لا يشغل أطراف التنافس عن مصالحها، مع تجاهل انفجارات توترات القارة الإفريقية التي تبدو براكين خاملة.
النظام الدولي، شاء أم أبى، معني أكثر من أي وقت باتقاء التحولات الدراماتيكية في القارة السوداء، ولاسيما أنها تمثل بؤر توتر تزعزع استقرار النظام الدولي الذي لا يملك إلا قدرة التكيّف الاضطراري مع سياسة إطفاء الحرائق العالمية المتنقلة. فالقارة الأفريقية تتحرك على رمال سياسية متحركة في بنية دولها العميقة، إذ ترزح تحت وطأة إرث كولونيالي ما زال يعطّل اتجاهها نحو بنية معاصرة للدولة، وتمثل تحديًا خطيرًا لاستقرار السياسة الدولية، لتأثيرها في قضايا التنمية والأمن والهجرة التي تقلق أوروبا بأسرها.
أفريقيا أصبحت ميدانًا للتنافس الدولي حيث تستثمر القوى الكبرى في أزماتها متجاهلة الإصلاح الحقيقي مما يجعلها بؤر توتر تهدد استقرار النظام العالمي
يرجع تفاقم مشكلات القارة وتعاظم تأثيرها السلبي على استقرار السياسة الأوروبية إلى التراكم التاريخي للصورة النمطية التي بنتها أوروبا الاستعمارية عن أفريقيا بوصفها كيانات هشة متخلفة، مستنقعًا للآفات الاجتماعية، وبؤرًا للاضطرابات والفقر والفساد، تشكل عبئًا كبيرًا على السياسة الدولية، وغير قابلة للإصلاح لأنه ذو كلفة باهظة على نمو أوروبا الاقتصادي.
في هذا السياق، تظهر دعوات أكاديمية مؤثرة في صنع السياسات الدولية إلى تبني سياسة إدماج أفريقيا في الحراك التنموي الشامل للعالم. ويعد أبرزها ما ذهب إليه كيفن سي. دن وبيير إنجلبيرت في كتابهما (السياسة الإفريقية من الداخل)، إذ أكدا أن دراسة السياسة الأفريقية ليست ضرورة أخلاقية أو معرفية فحسب، بل مدخلًا لفهم التفاعلات العالمية المعاصرة؛ حيث إن أزمات القارة وفرصها ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمصالح الأمن والاقتصاد والهجرة والطاقة في مناطق أخرى من العالم.
وأوصى المؤلفان بضرورة النظر إلى تجارب دول القارة الأفريقية باعتبارها مختبرًا لفهم قضايا الشرعية السياسية وبناء الدولة والهوية والتنمية. وكشفا أن السياسات التي تبنتها بعض الدول مثل التحولات الديمقراطية في بنين، والتجارب الأمنية في نيجيريا والكونغو، ومسارات العدالة في رواندا، تجسد إجراءات سياسية تقدم رؤى معمقة تعيد صياغة كثير من النظريات السياسية الكلاسيكية. وخلصا إلى أن دراسة السياسة الإفريقية لا تسهم فقط في تحسين نهج تعامل العالم مع القارة، بل تثري أيضًا علم السياسة نفسه.
إدماج أفريقيا في التنمية العالمية ضرورة فالتجارب الديمقراطية والأمنية فيها تقدم رؤى سياسية جديدة وتجاهلها خطأ إستراتيجي يفاقم الأزمات ويعرقل النمو الدولي
إن تجاهل التعامل مع دول أفريقيا من خارج صندوق الفكر الاستعماري الأوروبي هو تأجيل لتفجير الأزمات المؤثرة في نسق التحولات التنموية العالمية، والنظر إلى إصلاحها على أنه صندوق مصالح أوروبية خاسرة، قصور في التفكير بحيوية الحراك السياسي لهذه القارة.
والحقيقة أن إعادة صياغة سياسة تنطلق من فهم طبيعتها الاجتماعية والاقتصادية أقل كلفة من تحمل تفجير أزماتها. فمشكلات أفريقيا تفرض على النظام الدولي تعديل نهجه السياسي، والنظر إليها ليس كقطب فائض عن السيرورة السياسية المفيدة. إن تجاهل أفريقيا وتحويلها إلى قطب سلبي يأكل نفسه ويبتلع مشكلاته ذاتيًا، خطأ إستراتيجي تنموي مؤثر في مسار النمو العالمي.
ومن غير شك أن سياسة النظام الدولي مطالبة بتحويل أفريقيا إلى قطب تكاملي في نمو هذا النظام، وسينتج عن ذلك إلهام سياسي جديد يعدّل النهج السائد الأعرج الذي يفجّر أزمات ويديرها ولا يحلها، وفي ذلك كلفة أعلى بكثير من حلها.




