أسطول الصمود وحلول القيود

غازي العريضي – العربي الجديد:
ليست تصرّفات إيتمار بن غفير مستغرَبةً، وهو المعروف بالحقد والكراهية والعنصرية، واستخدام أبشع وسائل التعذيب والترهيب النفسي والمعنوي ضدّ الفلسطينيين، وصولاً إلى التفاخر بإقرار “قانون إعدام الأسرى”. اللافت اليوم الموقف الأوروبي والغربي عموماً من تصرفات بن غفير، خصوصاً بعد ممارساته ضدّ معتقلي ناشطي “أسطول الصمود” الذين جاؤوا في مبادرة تضامن مع غزّة وأهلها، وإعلان دعمهم “حرّية فلسطين”. أمر بن غفير باعتقال كلّ من كان على متن السفينة، وطالب نتنياهو بتسليمهم له ليزجّوا في السجن، ويعاملهم بالطريقة ذاتها التي يُعامل بها الفلسطينيون. الرجل مهووس بالحقد والشراسة. كرّم من “يبصق في وجوه المسيحيين”، ومن “اعتدى على الراهبة في القدس”، ومن اقتحم معه باحات المسجد الأقصى واعتدى على المصلّين، ودافع (ويدافع) عن كل من يصادر أرض فلسطيني ويقتلعه منها ويقتله. هكذا عامل معتقلي “سفينة التعذيب” الذين قدّموا شهادات حيّة عن الضرب، وإطلاق الكلاب ضدّهم، والصعق بالصواعق الكهربائية، والاعتداءات الجنسية الوحشية، ولم يكتفِ بذلك، بل نشر صوراً وهو بينهم يتعرّضون للإهانات والإذلال قائلاً لهم: “أهلاً بكم في إسرائيل”. الصور أثارت ضجّةً كبيرةً داخل إسرائيل وخارجها.
اعتبر السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي أن بن غفير أساء إلى صورة وكرامة إسرائيل
قال وزير الخارجية جدعون ساعر: “تصرّفه أحرج إسرائيل في وقت أسعى فيه، وزيراً للخارجية، إلى الدفاع عن كلّ العسكريين وصورهم. نحن لا نتنافس حول الهدف، بل حول الخطط المرسومة لتنفيذه، والتوقيت والإدارة… لقد ألحق (بن غفير) الضرر عمداً بالدولة بهذا الأداء المشين، وهي ليست المرّة الأولى. بدّد جهوداً هائلة ومهنية وناجحة بذلها كثيرون. بن غفير ليس وجه إسرائيل”. فردّ الأخير: “يوجد في الحكومة من لم يفهموا بعد كيف يجب التعامل مع داعمي الإرهاب. من المفترض أن يدرك وزير الخارجية أنّ إسرائيل لم تعد دولةً ضعيفةً تُستغلّ. أيّ شخص يأتي إلى أراضينا لدعم الإرهاب سيتلقّى صفعة، ولن ندير له الخدّ الأيسر”، في إشارة إلى كلام السيد المسيح، وتأكيداً أنّ الإرهاب وكالة حصرية بامتياز لإسرائيل ورموزها وعسكرها، وكلّ من يرفع الصوت ضدّ إرهابها فهو مُدان ومعرّض للقتل. ولاقاه، وكالعادة، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بالقول: “إصدار مذكّرات توقيف ضدّ رئيس الحكومة وضديّ (يقصد المحكمة الجنائية الدولية) إعلان حرب. سأردّ ضمن صلاحياتي… وأوّل ردّ إخلاء منطقة الخان الأحمر. لستُ يهودياً خاضعاً”.
وأثارت الصور التي نشرها بن غفير السفير الأميركي في إسرائيل، القسّ هاكابي. حتّى هذا الرجل لم يتحمّلها، فاعتبر أنّ بن غفير “أساء إلى صورة وكرامة إسرائيل، وما قام به ممارسات مشينة ومرفوضة”. إنّها “معركة الوعي” التي قال نتنياهو منذ مدّة “إنّ إسرائيل خسرتها”. جاءت ممارسات وصور اليوم، وشهادات الذين تعرّضوا للاعتقال والاعتداء، لتؤكّد هذا الأمر، وتشعل موجة غضب كبيرة.
قال رئيس كوريا الجنوبية لي جيه ميونغ: “إسرائيل تجاوزت الحدود على نحوٍ صارخ باعتقال مواطنينا. لقد اعتقلت المواطنين لأسباب لا تستند إلى القانون الدولي”. وقال رئيس وزراء إيرلندا: “سلوك إسرائيل الشائن والمقزّز تجاه أسطول الصمود يستدعي موقفاً من الاتحاد الأوروبي كما تعامل مع روسيا وإيران”، أمّا نائبه فدعا إلى “تعليق الاتفاق التجاري مع إسرائيل”. وذهبت رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني إلى القول: “نطلب اعتذاراً عن معاملة النشطاء والتجاهل العام لمطالب الحكومة الإيطالية”. وزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس علّق: “ما تعرّض له أفراد أسطول الصمود على يد إسرائيل وحشي، ونطالب إسرائيل باعتذار علني”. وعبّرت وزيرة خارجية بريطانيا، إيفيت كوبر، عن شعورها بـ”بالصدمة من الفيديو الذي نشره بن غفير، ويسخر فيه من المشاركين في أسطول الصمود العالمي. هذا انتهاك لأبسط معايير الكرامة والاحترام في طريقة معاملة البشر”. وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو منع “وزير الأمن القومي الإسرائيلي بن غفير من دخول الأراضي الفرنسية”. وطالب، إلى جانب زميله الإيطالي، الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على بن غفير. واستاءت الخارجية الكندية من “المعاملة التي لقيها مواطنونا”، بينما استدعت الخارجية البولندية القائم بالأعمال الإسرائيلي، مطالبة باعتذار. أمّا السيناتور الأميركي كريس فان هولين فقال: “أبدى نتنياهو حزنه على حادثة تمثال السيّد المسيح في جنوب لبنان. فهل يشعر بالحزن تجاه الممارسات والضغوطات على المجتمع في القدس، وتصرّفات المستوطنين العنيفة ضدّ القرى المسيحية، وما يجري في الضفة؟”.
هذه عيّنات من ردّات الفعل والإدانات التي تضاعفت بعد تصريحات وشهادات لمعتقلين ومعتقلات عرضت فيها، بشجاعة كاملة، الانتهاكات التي تعرّضوا لها، فارتفع مستوى الإدانة، وعلت الأصوات الأوروبية والغربية المطالبة بفرض عقوبات على بن غفير، واقترح 29 نائباً في البرلمان الأوروبي إدراجه في “لائحة عقوبات حقوق الإنسان العالمي” التابعة للاتحاد الأوروبي. أمّا شقيقة الرئيس الإيرلندية مارغريت كونولي، العائدة من الاختطاف مرعوبةً بعد تعرّضها للتعذيب، فأعلنت: “بصفتي طبيبة ومواطنة إيرلندية، أدعو إلى تفكيك هذا النظام الوحشي والقاسي”… تزامن ذلك كلّه مع إطلاق العمل بمشروع “إي 1″ الاستيطاني في الضفة. بادرت إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى دعوة إسرائيل إلى وقف توسيع المستوطنات، محذّرةً من تقويض الاستقرار وحلّ الدولتَين، وطالبت بـ”محاسبة مرتكبي عنف المستوطنين والتحقيق بالانتهاكات المنسوبة إلى القوات الإسرائيلية”.
أمام الحملة الدولية التي تدين تعامل إسرائيل مع أسطول الصمود، ليس ثمّة موقف عربي فاعل ومؤثّر
كلّ ما يجري سيتفاعل، وستكون هناك اعتداءات أكبر ضدّ الفلسطينيين وكلّ من يؤيّدهم، خصوصاً عندما شعرت إسرائيل بالضيق والإرباك من صور الناشطين والناشطات بعد تحريرهم، وهم يهتفون لفلسطين وحرّيتها، ويفضحون إسرائيل مؤكّدين أنّهم سيعودون على متن أسطول آخر، وسيكون العدد أكبر، وإرادتهم لن تُكسر. المشكلة أنّ إسرائيل لم تُحاسَب على ما تقوم به حتّى الآن. لقد بدأت رحلة “حلول القيود” بعد الاعتداء على “أسطول الصمود”، على أمل أن تُترجم المواقف التي ذُكر قسم منها إلى حركة سياسية دبلوماسية إعلامية عالمية تؤدّي إلى محاسبة المسؤولين عن ممارسة الإرهاب ضدّ المطالبين بالحرّية في فلسطين ومن يؤيّدهم. ويكفي أن نستمع إلى رئيس المؤتمر اليهودي رونالد لاودر وهو يعلن “خسارة معركة الوعي”، بعد نتنياهو: “لقد دفعنا 600 مليون دولار لقاء دعايات وإعلانات دفاعاً عن صورة إسرائيل. والنتيجة: كلّ ما يجري تتحمّل مسؤوليته إسرائيل. لا نستطيع أن نغيّر قناعة من هو لا سامي”. وإذا كان يعتبر أن خلفية الموقف من إسرائيل هي “العداء للسامية”، فإنّه يعترف بأنّ الموجة العالمية ضدّ ممارسات جيش الاحتلال ووزرائه، والنقمة الداخلية التي بدأت تظهر، هي السبب الأساس في الحملة على إسرائيل. أمّا المشكلة الكُبرى فهي عربية. أمام هذه الحملة كلّها، والاندفاعة الغربية الأوروبية والأميركية في مواقع معيّنة، ليس ثمّة موقف عربي فاعل ومؤثّر. في الغرب ثمّة “حلول قيود” بعد الاعتداء على “أسطول الصمود”. في العالم العربي ثمّة، لدى بعضهم، “رهان بلا حدود” على العلاقة مع إسرائيل “الحامية”.



