رأي

أزمة الناتو المزمنة

80 عاماً من الخلافات لم تكسر الحلف… ولن تكسره اليوم

فلورنس غاوب, وجوناثان هايست – اندبندنت عربية:

على رغم موجات التشاؤم المتكررة والخلافات الحادة بين ضفتي الأطلسي، يؤكد تاريخ حلف الناتو أن الأزمات ليست استثناءً بل جزءاً من طبيعته منذ تأسيسه. فمن نزاعات تقاسم الأعباء إلى الخلافات حول الحروب والتدخلات الخارجية، نجا الحلف دائماً لأن كلفة الانقسام أعلى من كلفة الخلاف. بالتالي فالتوترات الحالية، على رغم خطورتها، لا تهدد بقاء الناتو بقدر ما تعكس نمطاً تاريخياً متكرراً يدفعه إلى التكيف والتجدد.

تظهر كل بضعة أشهر دفعة جديدة من إعلانات النعي الخاصة بحلف شمال الأطلسي (الناتو). يعلن المعلقون أنه قد انتهى، ويتحدث المحللون عن حصول انقسامات بين أعضائه لا يمكن إصلاحها، ويلجأ أصحاب الخبرة الطويلة في السياسة الخارجية إلى لغة تشي بوجود أزمة غير مسبوقة. وإن اجتماعات مجموعة السبع، التي عقدت هذا الأسبوع في ظل تهديدات جديدة من ترمب وتباينات في الرأي قائمة منذ وقت طويل بين أوروبا وواشنطن حول الحرب في أوكرانيا والحرب الأميركية – الإسرائيلية في إيران، قد أثارت موجة جديدة من التشاؤم.

ومن الممكن تفهم القلق الذي ينتابهم. فمنذ مباشرته مهامه رئيساً للولايات المتحدة مرة أخرى، اعترض دونالد ترمب على الوضع الراهن في العلاقات الأميركية – الأوروبية. واستهل ولايته الثانية بانتقاد أوروبا بسبب ضعف إنفاقها الدفاعي، وبالتشكيك في التزام واشنطن تنفيذ المادة الخامسة، وهي البند الذي يعد حجر الأساس لتوفير الدفاع المشترك في الحلف. ومنذ ذلك الحين، اشتكى بمرارة من رفض الدول الأعضاء الانضمام إلى الجهود الأميركية في إيران أو منح القوات الأميركية إمكانية الوصول إلى قواعدها وعبور مجالها الجوي. وقد مضت إدارته كذلك في تقليص القدرات العسكرية المخصصة لتنفيذ الضربات بعيدة المدى داخل القارة، ولا سيما تقليص انتشار القاذفات الاستراتيجية طويلة المدى.

وتبدو هذه اللحظة بالنسبة إلى عدد من المراقبين وكأنها شيء جديد تماماً. بيد أنها ليست كذلك. فحلف الناتو يعيش أزمة منذ لحظة تأسيسه. لقد نجح في التغلب على أكثر من 12 أزمة حادة بين أعضائه حول المال والاستراتيجية والعمليات العسكرية والأسلحة النووية، والقضية الأساس المتعلقة بتقاسم الالتزامات. وأدت بعض هذه الأزمات إلى حدوث انقسامات جذرية، إذ انسحبت فرنسا واليونان من تركيبة القيادة العسكرية للحلف، ونشطت الولايات المتحدة وأقرب شركائها الأوروبيين على نحو فعال ضد بعضهم بعضاً في مجلس الأمن الدولي، وهددت واشنطن بخفض قواتها بصورة كبيرة أكثر من مرة. غير أن أياً من هذه الأزمات لكن لم تكن عصية على الإصلاح.

على رغم مدى حدة الأزمة الراهنة، فهي تتبع نمطاً معروفاً، إذ تنبع من مصدرين للتوتر شأنها شأن كل الأزمات السابقة التي واجهت الحلف تقريباً. ويتعلق المصدر الأول بتقاسم الأعباء، إذ يشكو الأميركيون على الدوام من أن الحلفاء الأوروبيين ينفقون قليلاً جداً على دفاعهم ويستفيدون من القوة الأميركية من دون أن يدفعوا حصتهم من الكلفة. أما الثاني فيتصل بالعمليات خارج منطقة الحلف، وهو يمثل خلافاً مستمراً بالقدر ذاته حول ما يتعين على الحلف أن يفعله ما وراء الحدود المنصوص عليها في معاهدته، وما إذا كانت حماية المصالح الأمنية لأحد الحلفاء ملزمة للحلفاء الآخرين. وفي كل خلاف سابق، وجد حلف الناتو مخرجاً بفضل المصالح الأمنية المشتركة للأعضاء، وبسبب كلفة الانفصال. إن بقاء تلك المصالح المشتركة قائمة حتى اليوم يشير إلى أن التحالف سيسلم بجلده مجدداً.

الشكوى والناتو… صنوان
ليست الشكاوى الأميركية من انخفاض الإنفاق الدفاعي الأوروبي نتاج عهد ترمب، بل تعود إلى عمر الحلف نفسه. ولقد سعى الأوروبيون على الدوام إلى الحصول على التزام أميركي قوي حماية أمنهم، في حين سعت واشنطن باستمرار إلى وجود حلفاء أقوياء وذلك للحد من التزاماتها ودعم سياستها الخارجية على المستوى العالمي. وقد تكرس هذا التوتر في صلب الوثيقة التأسيسية للحلف، إذ تتيح المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي لكل دولة حرية تقدير شكل المساعدة التي تقدمها، “بما تراه ضرورياً، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة”، في حين تلزم المادة الثالثة الحلفاء بأن “يحافظوا ويطوروا، عبر المساعدة الذاتية المستمرة والفعالة والتعاون المتبادل، قدراتهم الفردية والجماعية على مقاومة أي هجوم مسلح”.

في عام 1949، لعبت فكرة أن المعاهدة ستدفع الأوروبيين إلى تعزيز قدراتهم الذاتية دوراً حاسماً في إقرارها داخل مجلس الشيوخ الأميركي. فقد قدم وزير الخارجية دين أتشيسون تطمينات بارزة للسيناتور الجمهوري بورك هيكنلوبر بأن الولايات المتحدة “لن تضطر إلى إرسال أعداد كبيرة من القوات إلى هناك كالتزام دائم تقريباً لبناء قدرة تلك الدول على الدفاع عن نفسها”. في المقابل، أثار غياب ضمانات أمنية أميركية صلبة شكوك رئيس الوزراء البريطاني إرنست بيفن، الذي تساءل عما إذا كان “اتفاق بهذا القدر من الضعف يستحق التوقيع”. ومنذ ذلك الحين، لم يختف هذا النمط: شعور أميركي بالاستغلال في مقابل شعور أوروبي بانعدام الأمان.

سرعان ما اندلعت الأزمة الأولى التي اتصلت بالإنفاق عام 1950، بعد نجاح تجربة القنبلة الذرية السوفياتية في العام الذي سبقه وغزو الشيوعيين لكوريا الجنوبية، مما أظهر الحاجة إلى بناء قوة دفاعية كبيرة. وفي معرض دفاعه عن نشر أربع فرق أميركية إضافية في أوروبا، قال الرئيس الأميركي هاري ترومان للرأي العام الأميركي المتشكك، إن حجم مساهمات الولايات المتحدة في مثل هذا التعزيز الدفاعي يعتمد على “مدى قيام أصدقائنا بمضاهاة خطواتنا”. وبينما كان الكونغرس يناقش اقتراح ترومان، أثار أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، الذين التقوا الجنرال دوايت أيزنهاور، وهو أول قائد أعلى في حينها لقوات الحلف، موضوع مخاوفهم من أن وجود قيادة أميركية دائمة قد يقلل من حافز أوروبا للدفاع عن نفسها. وأخيراً عندما وافق الكونغرس على حزمة حلف شمال الأطلسي الموسعة عام 1951، كان يتوقع أن ينتهي نشر القوات الأميركية بمجرد أن يكتمل تعافي الحلفاء الأوروبيين الاقتصادي. غير أن هذا الأمل تبدد على الفور تقريباً.

الشكاوى الأميركية من انخفاض الإنفاق الدفاعي الأوروبي ليست نتاج عهد ترمب

كان أيزنهاور نفسه يعتقد أن وجود القوات الأميركية في أوروبا إجراء موقت. وقال عام 1951 لأحد المقربين منه إنه “إذا لم تعد جميع القوات الأميركية المتمركزة في أوروبا لأغراض الدفاع الوطني إلى الولايات المتحدة خلال 10 أعوام، فسيكون هذا المشروع برمته قد فشل”. وعندما غادر منصبه في حلف الناتو من أجل الترشح للرئاسة عام 1952، كانت مستويات القوات الأوروبية آخذة في الازدياد، وكان واثقاً من استمرار هذا الاتجاه بالتصاعد. ولكن بحلول عام 1953، كان مسار هذه الاتجاهات قد انعكس سلفاً. لقد تلاشى الشعور بالتهديد السوفياتي الوشيك بعد وفاة ستالين، وبدأ الرأي العام الأوروبي ينظر إلى حلف الناتو على أن أهميته تتراجع بصورة متزايدة. انخفض الإنفاق الدفاعي، ثم بدأ إطلاق الاتهامات المتبادلة بعد ذلك.

أصبح هذا هو النموذج الذي تكرر في كل خلاف لاحق تقريباً. طلب الرئيس الأميركي جون أف. كينيدي من الدول الأوروبية توسيع قواتها التقليدية بغية دعم إجراءات الدفاع التي يمكن اتخاذها من دون بلوغ عتبة استخدام السلاح النووي. ومن جانبهم، جادل الأوروبيون بأن المظلة النووية الأميركية تجعل القيام باستثمارات كبيرة في الأسلحة التقليدية غير ضروري. ومع حلول أواسط ستينيات القرن الماضي، كانت أوروبا قد أكملت تعافيها الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب، إلا أنها كانت ترصد حصة متناقصة بصورة مطردة من دخلها القومي للدفاع، مما أدى إلى عكس التصاعد في الانفاق الدفاعي الذي شهدته الأعوام الأولى من الحرب الباردة. وقاد السيناتور من ولاية مونتانا مايك مانسفيلد جهوداً متكررة بهدف خفض عدد القوات الأميركية المنشورة في أوروبا إلى النصف. وقد أوضح سفير الرئيس ليندون جونسون لدى حلف الناتو هارلان كليفلاند المنطق الذي كان يبث الحياة في حملات مانسفيلد، بصراحة غير مألوفة، قائلاً “إذا لم يبد الأوروبيون اهتماماً متحمساً بدفاعهم، سيصبح من المستحيل سياسياً على أي حكومة في واشنطن أن تصور لشعبها أننا شركاء في مهمة أمن جماعي”.

وفي عام 1977، تعهد الحلفاء برفع قيمة الإنفاق الدفاعي بنسبة ثلاثة في المئة سنوياً بالقيمة الحقيقية. وفي غضون أعوام، كانت الزيادة في الإنفاق الدفاعي لدى معظمهم لا ترقى إلى المستوى الذي تعهدوا به، مما دفع السيناتور سام نان من ولاية جورجيا إلى طرح تعديل على مشروع قانون تفويض الدفاع لعام 1984، والذي كان من شأنه أن يفرض خفضاً للقوات الأميركية المتمركزة في أوروبا بمقدار الثلث ما لم يلتزم الحلفاء بتعهداتهم. فشل التعديل، بيد أنه سبب صدمة للأوروبيين بصورة كافية لدفعهم إلى القيام بزيادات طفيفة. وحددت قمة ريغا لحلف الناتو عام 2006 هدفاً ثابتاً للإنفاق بنسبة اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وبحلول عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، لم تكن سوى قلة من أعضاء الحلف الذين يبلغ عددهم 28 عضواً تحقق هدف الإنفاق الدفاعي المتفق عليه. وفي عام 2011، ألقى وزير الدفاع روبرت غيتس خطاب وداعياً صريحاً في بروكسل، ردد فيه ما طرحه كليفلاند قبل أربعة عقود، حين قال إن “الحقيقة التي لا مواربة فيها أن استعداد الكونغرس الأميركي وصبره، وكذلك المجتمع السياسي الأميركي عموماً، على المضي في إنفاق أموال ثمينة بصورة متزايدة نيابة عن دول تبدو غير مستعدة لرصد الموارد اللازمة، سيتضاءلان بمرور الوقت”. لم يكن غيتس يخرج بذلك عن تقاليد السياسة الخارجية الأميركية، وإنما كان يعيد تأكيدها.

إن ما يكشفه هذا التاريخ هو أن الشكاوى الأميركية في شأن تقاسم الأعباء سمة ثابتة للحلف، بيد أنها لم تكن على الإطلاق صفة تهدد بقاءه. وقد تمخضت كل أزمة حول الإنفاق عن تحرك أوروبي كان كافياً من أجل منع حصول قطيعة تامة بين أطرافه، وذلك حتى عندما كان هذا التحرك محدوداً أو متأخراً، أو يمكن التراجع عنه لاحقاً. لقد أثبت التحالف أنه قادر على احتواء قدر هائل من الإحباط الأميركي من دون أن ينهار، لأن كلا من الجانبين كان يحتاج الآخر بما يكفي من أجل الحفاظ على العلاقة خلال الخلافات. ولم تتغير هذه الديناميكية الأساس.

التحرك منفرداً
كان المصدر المزمن الآخر لأزمات حلف شمال الأطلسي، وهو الخلاف حول العمل العسكري خارج منطقة معاهدة الحلف الرسمية، معطلاً بالدرجة ذاتها. تنص المادة السادسة من معاهدة شمال الأطلسي على إلزام الحلفاء بالدفاع ضد الهجمات التي تحصل فقط في المحيط الأطلسي شمال مدار السرطان، وأوروبا، وأميركا الشمالية، والبحر الأبيض المتوسط، وتركيا. هكذا، لم يتفق الأعضاء عملياً قط على مكان هذه الحدود بدقة، ولا على أي التزامات تترتب عليها، إن وجدت أساساً.

لا تيأسوا من النظام الدولي
حدث أول شرخ كبير في عام 1956. فمن دون استشارة واشنطن، نسقت فرنسا والمملكة المتحدة مع إسرائيل للاستيلاء على قناة السويس، التي كانت مصر قد قامت بتأميمها حديثاً. وعلى نحو سبب صدمة لأقرب حلفائه الأوروبيين، رأى أيزنهاور أن من شأن العملية أن تؤدي إلى نفور الشركاء المحتملين في الشرق الأوسط وتقويض استراتيجية الاحتواء التي تتبناها واشنطن، فوقف إلى جانب الاتحاد السوفياتي في الأمم المتحدة من أجل إجبار البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين على الانسحاب بصورة مهينة. وقال رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، أنتوني إيدن، “إن مثل هذا الارتياب [في نيات] الحلفاء يهدم الشراكة الحقيقية”… ولا يترك [لهم] سوى خيارين، إما الانفصال، أو علاقة سيد وتابع في السياسة الخارجية”. كان الضرر الذي نجم عن ذلك شديداً إلى درجة أن مجلس شمال الأطلسي قام بتشكيل فريق عمل من أجل تحديد كيفية إعادة بناء التوافق في الآراء. وأقر الفريق في تقريره الذي أعده وزراء خارجية كندا وإيطاليا والنرويج، بأن “المصالح المشتركة للمجموعة الأطلسية يمكن أن تتأثر على نحو خطر بالتطورات خارج منطقة المعاهدة”. إلا أن الإقرار بالمشكلة لم يحلها.

بعد 10 أعوام، كانت فرنسا تختبر نسخة مختلفة من الشكوى ذاتها. فقد تولى الرئيس الفرنسي شارل ديغول السلطة في وقت كانت بلاده تشعر بالإحباط من عدم دعم حلف الناتو لعملياتها الخاصة بمكافحة التمرد في الجزائر، ولا تزال تعاني تبعات اضطرارها للتخلي عن خطة الاستيلاء على قناة السويس. وإذ كانت إدارة جونسون، الغارقة آنذاك في فيتنام، تتوسل للحلفاء لكي يدعموها سواء مادياً أو فقط سياسياً، سحب ديغول فرنسا من القيادة العسكرية المتكاملة لحلف الناتو. وأثارت المبادرة الفرنسية غضب الأميركيين، الذين رأى كثر منهم في غياب دعم الحلفاء في فيتنام، على حد تعبير المؤرخ لورانس كابلان، “جحوداً استفزازياً” و”ذروة سلسلة طويلة من الاعتداءات الأوروبية على روح الدفاع المشترك وكلفته”.

بحلول أواخر عام 1973، بدا مرة أخرى وكأن التحالف قد انتهى

نتيجة لانسحاب فرنسا، اضطر الناتو إلى نقل مقره من باريس إلى بروكسل. اتخذت القيادة العليا لقوات الحلفاء في أوروبا من مونس في بلجيكا مقراً جديداً لها، فيما انتهى الأمر بكلية الدفاع التابعة لحلف الناتو في روما. ونقل أكثر من 100 ألف فرد من القوات الأميركية وقوات الناتو، إضافة إلى ما يزيد على مليون طن من المعدات، في عام واحد. وقد هددت هذه الاضطرابات، إلى جانب نزاع مالي بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا حول نشر القوات، بهدم الوضع الدفاعي للناتو بصورة كاملة في لحظة صعود القوة العسكرية السوفياتية، غير أن الحلف صمد.

كانت الأزمات المتداخلة التي شهدتها أوائل سبعينيات القرن الماضي، من بعض النواحي، هي الأشد حدة في تاريخ حلف شمال الأطلسي. فعندما هاجمت مصر وسوريا إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 1973، سارعت الولايات المتحدة إلى إعادة تزويد جيش الدفاع الإسرائيلي بالإمدادات اللازمة، وسعت إلى الحصول على دعم الحلفاء. إلا أن فرنسا والمملكة المتحدة امتنعتا عن تأييد دعوة واشنطن لوقف إطلاق النار. ورفضت كل من فرنسا واليونان وإيطاليا وتركيا الاستجابة للطلبات الأميركية بالسماح [لقواتها وطائراتها] بالوصول إلى قواعدها وعبور مجالها الجوي. أما البرتغال فوافقت على تلبية طلبات واشنطن، ولكن بعدما هددت الأخيرة بالتراجع عن التزامها الدفاع عن لشبونة بموجب المادة الخامسة من معاهدة الناتو. وبعد أسبوع من بدء الحرب، أعلنت الدول العربية الأعضاء في منظمة “أوبك” حظر النفط، مما أدى إلى انهيار الاقتصادات الغربية وإطلاق جولة جديدة من الاستياء عبر الأطلسي. وفتحت الحكومات الأوروبية حواراً رسمياً للتفاوض على إنهاء الحظر. ورداً على هذا التحرك الذي أثار غضبه، هدد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون علناً بسحب القوات الأميركية من أوروبا.

ثم نشبت حرب بين اليونان وتركيا بسبب قبرص في يوليو (تموز) 1974. وإذ انسحبت اليونان من التركيبة العسكرية لحلف الناتو، فإن تركيا علقت العمليات الأميركية في قواعدها. وفي وقت لاحق من ذلك العام، شهدت البرتغال انقلاباً عسكرياً بقيادة ضباط ذوي ميول يسارية وأتى رداً على حربها الاستعمارية التي استمرت 13 عاماً في أفريقيا، مما أدى إلى دفع الولايات المتحدة إلى التفكير صراحة في استبعاد البرتغال من حلف الناتو وضم جزر الأزور، التي كانت تستضيف قاعدة أميركية. ولم يكد عام واحد يمر بعد ذلك الذي وصفه مستشار الأمن القومي آنذاك، هنري كيسنجر، بأنه “عام أوروبا” بالنسبة إلى أميركا، حتى بدا لعدد من المراقبين أن الحلف قد انتهى عملياً مرة أخرى.

أنتجت فترة ما بعد الحرب الباردة نسخة جديدة من مشكلة التدخل خارج نطاق منطقة الناتو. فقد كشف انهيار يوغوسلافيا السابقة في تسعينيات القرن الـ20 عن وجود خلاف عميق حول مسؤولية الحلفاء، إذ رفضت الولايات المتحدة بادئ الأمر التدخل، بينما شجعت بعض الدول الأوروبية تفكك يوغوسلافيا، ثم وجدت أنها لا تملك الوسائل العسكرية اللازمة من أجل إدارة الحروب الناجمة عن ذلك التفكك. وكانت الحملة الجوية التي شنها حلف الناتو عام 1999 ضد صربيا، من دون تفويض من الأمم المتحدة، أول عملية قتالية ممتدة للحلف، وكادت تمزق الناتو إلى أشلاء. وإن مزيجاً من التدخلات السياسية المفرطة في أبسط التفاصيل، والقيود أو “التحفظات” الوطنية التي تحد من كيفية استخدام قوات الدول المختلفة، والفجوة المتنامية من حيث القدرات بين الجيش الأميركي والجيوش الأوروبية، قد أسهمت معاً في دفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ رد فعل أحادي إلى حد كبير على هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001.

وإن التفعيل السريع للمادة الخامسة من معاهدة الناتو في أعقاب تلك الهجمات أدى في البداية إلى توحيد صفوف الحلف، غير أن هذا التوافق الموقت ما لبث أن تصدع بفعل الخلاف المرير حول الغزو الأميركي للعراق. ومع حلول عام 2003، كانت “عملية حرية العراق” قد أنتجت ما وصفه كيسنجر بأنه “أخطر أزمة في تاريخ الحلف”. وعبر المعلق تشارلز كراوتهامر عن رأي أميركي شائع حين قال إن غياب دعم الناتو للعملية مثَّل “نهاية الحياة العملية للناتو”.

بعد ثمانية أعوام، حين تحركت فرنسا والمملكة المتحدة ضد الديكتاتور الليبي معمر القذافي إثر قمعه بصورة وحشية الاحتجاجات عام 2011، جاء دور واشنطن لكي تتردد في المشاركة. وقالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سوزان رايس للدبلوماسيين الفرنسيين “لن تقوموا بجرنا إلى حربكم المقرفة”. وقد قاوم الرئيس باراك أوباما المناشدات الأوروبية للتدخل، إلا أنه وافق في نهاية المطاف على شن غارات جوية أدت إلى إطاحة القذافي، لكنها خلفت فراغاً في السلطة فتح الباب على حرب أهلية استمرت عقداً من الزمن، مؤكدة بذلك حدس أوباما الأولي.

وطفت الخلافات على السطح من جديد عام 2019، عندما صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الغاضب من الغزو التركي المدعوم من الولايات المتحدة لشمال سوريا، بأن حلف الناتو يعاني “موتاً دماغياً”. وعلى رغم أن ملاحظته هذه صُورت على أنها جاءت تعبيراً عن القلق في شأن مدى التزام الولايات المتحدة تجاه أوروبا، فإن مصدر قلقه الرئيس كان يتمثل في أن الغزو قد يفضي إلى عواقب وخيمة على أوروبا وعلى بقية دول الشرق الأوسط. وقد اقترح ماكرون، إلى جانب السيناتور ليندسي غراهام من ولاية كارولاينا الجنوبية، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب إليوت إنغل، ووزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، تعليق عضوية تركيا في حلف الناتو أو طردها منه، وذلك على رغم عدم وجود آلية في معاهدة شمال الأطلسي (الناتو) تسمح بذلك.

وأدت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران هذا العام إلى موجة جديدة من التوتر. وقد عبر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن رأي غالبية القادة الأوروبيين عندما أعلن أن الصراع “ليس حربنا”، ورفض دعم الجهود الرامية إلى إعادة فتح مضيق هرمز، مما أثار غضب ترمب الذي هدد بسحب القوات الأميركية من القارة رداً على ذلك.

نتشاجر… ثم نتصالح
عندما يسعى حليف، أو مجموعة من الحلفاء، إلى تحقيق مصلحة أمنية يعدها الآخرون غير شرعية أو هامشية أو ضارة بصورة فعالة، فإن الجدل الناتج لا يقتصر إطلاقاً على العملية ذاتها فحسب، بل يعيد دوماً طرح التساؤلات الأعمق حول الغرض من حلف الناتو وما إذا كان أعضاؤه يتشاركون مصالح تتجاوز الالتزام الرسمي بالمعاهدة. لم تُحسم هذه التساؤلات بصورة كاملة على الإطلاق، بيد أنها لم تدمر التحالف أيضاً.

على رغم التوترات التي برزت على السطح في الأعوام الأخيرة، فإن الصدمة المستمرة جراء الغزو الروسي لأوكرانيا وضغوط إدارة ترمب قد أجبرت أخيراً الدول الأعضاء على تغيير آلية تقاسم الأعباء. ويتجه معظم الحلفاء الأوروبيين نحو تحقيق عتبة اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي أو أنهم قد تجاوزوها، بل إن بعضهم يخطط لزيادة الانفاق بأكثر من ثلاثة في المئة. إن الطريقة التي أضرت بتماسك الحلفاء أكثر من غيره، وتمثلت في تشكيك ترمب علناً في ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبادر فعلاً إلى الدفاع عن أحد حلفائها، قد أدت إلى أكبر زيادة في الاستثمار الدفاعي الأوروبي منذ عشرات الأعوام. لقد وجد حلف الناتو، مرة أخرى، سبيلاً لتحويل الأزمة إلى حركة.

يعد البعد الخاص بالعمليات خارج منطقة الحلف أكثر تعقيداً. فأوكرانيا ليست عضواً في الناتو، بالتالي لم يقم الحلف بتفعيل المادة الخامسة من معاهدته. إلا أن الحرب مثلت التحدي الأكبر الذي يحصل خارج منطقة الناتو في تاريخه كله. وقد قدمت دول الحلفاء أسلحة ومعلومات استخباراتية وتدريبات ودعماً مالياً لدولة لا تنتسب للحلف وتحارب خصماً نووياً، من دون أي توافق في الآراء في شأن المدى الذي يمكن أن يبلغه هذا الدعم أو حول حال نهاية معقولة للصراع. إن الخلافات حول عتبات التصعيد، وتوقيت التفاوض وشروطه، ودور القيادة الأميركية مقابل الأوروبية خلافات حقيقية، لكنها لا تتميز بصورة قاطعة عن الخلافات حول السويس أو فيتنام أو العراق. يتجادل الحلفاء بخصوص مصالح تتباين في بعض الجوانب الهامشية، بينما تظل متفقة في جوهرها. وإذا ما فُهم الأمر على نحو صحيح، فإن الخفض الأخير للقوات الأميركية التي نُشرت في إطار خطط الدفاع لحلف الناتو، يشكل تطوراً آخر في التحول الذي أشارت إليه واشنطن منذ فترة طويلة نحو تحديات ومسارح عمليات عالمية أخرى، بدلاً من قطيعة مفاجئة مع الحلف. حتى مع وجود عدد أقل من الطائرات المقاتلة في القواعد الأوروبية، تظل الولايات المتحدة ملتزمة الهدف الأساس لحلف الناتو، وهو منع عدوان روسي آخر.

إن الأسباب البنيوية لبقاء حلف الناتو اليوم هي نفسها التي كانت قائمة على الدوام. يجادل أعضاء التحالفات الديمقراطية بأن سياساتهم الداخلية تخلق تفضيلات وقيوداً مختلفة. وإن الغموض المتعمد للالتزام المنصوص عنه في المادة الخامسة، والذي يقتضي من كل دولة عضو اتخاذ “الإجراء الذي تراه ضرورياً”، وليس النشر التلقائي للقوة، قد صُمم هكذا من أجل الحفاظ على مرونة الولايات المتحدة، وهو قد أحبط مرة تلو أخرى الحلفاء الأوروبيين الذين أرادوا شيئاً حاسماً بصورة أشد وضوحاً. إلا أن هذا الغموض هو أيضاً ما سمح لحلف الناتو أن يخرج سالماً من حالات جدال ربما لم يكن سينجو منها تحالف تحكمه معاهدة ذات تركيبة أكثر صرامة. إن الغموض المزعج الذي يكتنف الوثيقة التأسيسية للناتو هو أحد الأسباب التي تجعله متيناً وقادراً على البقاء.

ثمة تفسير أبسط أيضاً. يظل حلف الناتو قائماً لأن أعضاءه، عندما يجبرون على الاختيار، يقررون دوماً أن البديل أسوأ منه. وخلافاً لما يعتقده أولئك الذين يرون في كل خلاف بسيط نهاية محتملة للعلاقة عبر الأطلسية، فإن الحلف لا يقوم على العاطفة أو القيم المشتركة أو ذكرى الحربين العالميتين، مع أن كل هذه العوامل تلعب دوراً في تعزيز تماسكه. بل يقوم تماسكه على حسابات مفادها أن الكلفة الأمنية المترتبة على التخلي عنه تفوق الأثمان السياسية المترتبة على استمراره. وقد ثبتت صحة هذه الحسابات في سياق الأزمات العديدة التي شهدها العقدان الماضيان، وهي لا تزال قائمة حتى الآن. لا يعني هذا أن الأزمة الحالية تافهة، أو أن مستقبل الناتو مضمون. إلا أن الاستجابة المناسبة لحال عدم اليقين لا تكمن في الخلط بين صراع مألوف وصراع قاتل.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى