رأي

يذهب ترامب وتبقى عُمان

الحبيب الأسود – العرب:

سلطنة عُمان أثبتت استقلالية قرارها الوطني ورفضت الانجرار وراء الصراعات العبثية لتبقى ركيزة للحوار والوساطة وحصنًا للرصانة السياسية في المنطقة.

يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استمرأ الثرثرة أمام وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، والعبث بالمفردات، وإخراج الحسابات السياسية والإستراتيجية عن سياقاتها، والنزوع نحو إلغاء مبدأ التحفّظ السياسي من قاموس عهدته الرئاسية. وهو ما تبيّن بالخصوص من تهديده المباشر لسلطنة عُمان بلغة من فقد السيطرة على موقعه من الأحداث، وفشل في إدارة التحولات الجيوسياسية على الأرض، وبات يلقي بسهامه جزافًا دون أن يضمن لها هدفًا يصيبه.

إن ما تحظى به سلطنة عُمان من تقدير واحترام في المنطقة والعالم لم يأتِ من فراغ، وإنما هو ناتج عن رصيدها الكبير من القدرة على تأمين استقلالية قرارها الوطني والحفاظ على سيادتها كدولة ذات تاريخ عريق في الدفاع عن مقدراتها وصد الغزاة وردع المعتدين، وكقوة فاعلة في محيطها الجغرافي والسياسي بما تتميز به من حكمة في قراءة الواقع والتعامل مع التحولات، وفي تحديد الأولويات ومواجهة التحديات. بالنظر إلى الشخصية العُمانية يمكننا أن نلاحظ ثقل التاريخ الذي تحمله على عاتقها، والذي يفرض عليها تلك الرصانة السياسية وتلك الثقة بالنفس والقوة الكامنة في داخلها. وهو أمر تدركه الأمم العريقة والضاربة في أعماق الحضارة الإنسانية، التي تكن أعلى درجات التقدير والاحترام للسلطنة وقيادتها الحكيمة ممثلة في السلطان هيثم بن طارق.

ترامب يرحل بخطايا سياسية وأخطاء أخلاقية فيما تبقى عُمان ثابتة بموقعها الاستثنائي تنتصر للحق وتؤمن بالحوار وتدافع عن العقل في زمن العواصف

أثبتت مجريات الأحداث في المنطقة والعالم أنه من غير الوارد جرّ سلطنة عُمان إلى المواقف الارتجالية والمتشنجة والقرارات المرتبكة والعشوائية. فهي ليست بالدولة الباحثة لنفسها عن دور على هامش الصراعات الإستراتيجية، بقدر ما هي دولة مؤثرة في التوازنات الجيوسياسية. وهي ليست تابعة لهذه القوة أو تلك، ولا يمكن استغلالها في لعبة تصفية الحسابات مهما كان حجمها. ولا يمكن ربطها بإيديولوجيا إقصائية متشددة أو بمشروع توسعي، كما لا يمكن اتهامها بالتدخل في الشؤون الداخلية لبقية الدول أو بالتآمر عليها أو بالانخراط في أجندات مشبوهة. سلطنة عُمان تعرف كيف تحمي مصالحها وتدافع عن أمنها القومي، وكيف تنتصر للمبادئ التي تعتنقها وتؤمن بها، وكيف تتعامل مع الدول الشقيقة والصديقة بلغة الاحترام المتبادل، وهو ما جعلها تحظى بذلك التقدير الواسع ليس فقط من الدول والأنظمة وإنما من الشعوب كذلك.

إن الاحترام الذي تحظى به سلطنة عُمان كدولة تعتمد الحكمة والرصانة والهدوء في اتخاذ مواقفها، هو الذي هيأها لتكون ركيزة أساسية للوساطة الدبلوماسية وحل النزاعات إقليميًا ودوليًا، وعنوانًا ثابتًا لفلسفة الحوار والوساطة من أجل الحفاظ على جسور التواصل بين الفرقاء بما يساعد على خفض التوتر في مواقع النزاع. وهو ما استفادت منه الولايات المتحدة نفسها في الدخول لأكثر من مناسبة بمفاوضات مع إيران والحوثيين وغيرهم، وجعلها تتوجه إلى القيادة العُمانية بالشكر على رحابة صدرها وقدرتها على تحريك المياه الراكدة في اتجاه حلحلة الأزمات وتغليب الجانب الإنساني على نزعات المواجهة المباشرة.

بفضل سياسة الحياد الإيجابي التي تعتمدها، عرفت سلطنة عُمان كيف تكون دولة بلا أعداء معلنين على الأقل، وقد رفضت دائمًا أن تكون جزءًا من أي تحالف يمكن أن يهدد الأمن الإقليمي والدولي. ولذلك فهي غير محسوبة على طرف ضد آخر، وإنما تعرف كيف تحافظ على علاقات متوازنة مع الجميع، من دون أن تتنكر للقضايا القومية والإنسانية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. يمكن القول هنا إن السلطنة دولة مكتفية بما لديها من ثراء ثقافي وحضاري وتشبع بالقيم الإنسانية الراسخة، انطلاقًا من “السمت العُماني” الذي أشار إليه السلطان هيثم بن طارق باعتباره ركيزة أساسية لبناء الشخصية الوطنية وحمايتها.

الثابت والمؤكد أن ترامب سيمضي في حال سبيله يجر وراءه رصيدًا ثقيلًا من الخطايا والأخطاء السياسية والتجاوزات الأخلاقية في حق الأصدقاء والحلفاء قبل الأعداء، وستبقى عُمان

أثبتت الأحداث والتجارب أنه ليس من اليسير جرّ سلطنة عُمان إلى الصراعات العبثية والمواجهات المختلقة في سياقات الحروب بالوكالة، وذلك لاعتبارات عدة من أهمها عراقتها كأقدم دولة عربية مستقلة تاريخيًا، حيث لم تخضع للاستعمار الخارجي المباشر لقرون طويلة، وتحتفظ بحكم سلالة آل سعيد منذ عام 1744، وباعتبارها تحمل إرثًا تاريخيًا كإمبراطورية بحرية وتجارية دخلت نادي القوى العالمية الكبرى بعد أن تأسست في القرنين السابع عشر والثامن عشر بالاعتماد على أسطول بحري ضخم مكّنها من منافسة القوى الاستعمارية الأوروبية، وامتدت أراضيها من سواحل شبه الجزيرة العربية والخليج العربي، مرورًا بسواحل المحيط الهندي وإيران وباكستان، وصولًا إلى عمق الساحل الشرقي لأفريقيا. تلك الحالة التاريخية والحضارية تعطي الشخصية العُمانية إحساسًا دائمًا باكتمال بنائها القيمي والأخلاقي، وبامتلاكها سجايا سمتها الروحي والثقافي كالوقار والأنفة والاعتزاز بالذات وتجنب الثرثرة واستعراض القوة في ساحات الجدل الإعلامي.

كان من المفترض على الرئيس ترامب أن يتجنب الإشارة إلى سلطنة عُمان بتلك العبارات التي أثبتت مرة أخرى أنه رجل متسرّع ولا يتقن فنون الاتصال، ولا يعرف كيف يجنّب نفسه حرج المواقف السخيفة، كأن يصدر أحكامه دون سند قانوني، ويعلن آراءه دون غطاء معرفي، ويطلق تهديداته من دون وعي بتبعاتها السياسية والاقتصادية والأخلاقية، ويتصرّف على أنه يمتلك إمرة العالم دولًا وأممًا وشعوبًا وحضارات. ولعل مفرداته العدائية ضد سلطنة عُمان تدخل في إطار جهله بقدرها، وعجزه عن تفكيك مفردات الخارطة الجيوسياسية، ورفضه الاستماع إلى مستشاريه ممن لا شك أنهم يدركون خصوصية تلك الدولة ورمزيتها السياسية والحضارية في عالم اليوم.

الثابت والمؤكد أن ترامب سيمضي في حال سبيله يجر وراءه رصيدًا ثقيلًا من الخطايا والأخطاء السياسية والتجاوزات الأخلاقية في حق الأصدقاء والحلفاء قبل الأعداء، وستبقى عُمان كما هي، وعلى ما هي عليه من موقع استثنائي في ضمير العالم كبلد ينتصر للحق ويؤمن بالحوار ويدافع عن مبدأ إعمال العقل في زمن العواصف.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى