وقود الطائرات المستدام يجذب الخليج ومصر.. هل ينجح الرهان؟

حرب إيران أعادت تسليط الضوء على الوقود النظيف كخيار لتعزيز أمن الإمدادات وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي
بدأ الاهتمام بوقود الطيران البديل منذ أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، لكن لم يكتسب وقود الطيران المستدام بصورته الحالية زخماً تجارياً وتنظيمياً سوى منذ العقد الماضي مع تصاعد الضغوط لخفض الانبعاثات الكربونية في قطاع الطيران.
ويُعدّ وقود الطيران المستدام (SAF) بديلاً منخفض الانبعاثات لوقود الطائرات التقليدي، ويتميز بإمكانية استخدامه في الطائرات الحالية دون الحاجة إلى تعديلات جوهرية على المحركات أو البنية التحتية. ويُنتج هذا الوقود من مصادر تشمل زيوت الطهي المستعملة، والمخلفات الزراعية، والنفايات البلدية، والدهون الحيوانية.
وأعادت التقلبات التي شهدتها أسواق الطاقة مؤخراً بفعل حرب إيران تسليط الضوء على هذا الوقود بوصفه خياراً استراتيجياً لتعزيز أمن الإمدادات وتقليل الاعتماد على مصادر الوقود التقليدية. ويأتي ذلك في وقت يُعد فيه الشرق الأوسط أحد أهم مراكز إمداد وقود الطائرات عالمياً، إذ استحوذت المنطقة على نحو 70% من واردات أوروبا من هذا الوقود قبل الأزمة، وفقاً لـ”رويترز”.
في هذا التقرير نقف على واقع سوق وقود الطيران المستدام وآفاق نموها، كما نستعرض التحركات المتسارعة في الخليج ومصر لبناء موطئ قدم في هذه الصناعة الناشئة، وفرص تحول المنطقة إلى مركز إقليمي لإنتاج وتجارة وقود الطيران المستدام، إلى جانب أبرز التحديات التي ما تزال تعترض توسع القطاع والحلول المطروحة لتجاوزها.
من يقود سوق وقود الطيران المستدام؟ وما حجمها؟
تقود الولايات المتحدة وأوروبا حالياً سوق وقود الطيران المستدام، لكن من زاويتين مختلفتين. فالولايات المتحدة تتصدر التوسع في الإنتاج، إذ ارتفعت طاقتها الإنتاجية من مستويات محدودة مطلع 2024 إلى نحو 1.5 مليون طن سنوياً حالياً، بدعم من الحوافز الضريبية والاستثمارات الحكومية. ومع ذلك، لا تزال بعيدة عن مستهدفاتها البالغة 3 مليارات غالون سنوياً بحلول 2030 و35 مليار غالون سنوياً بحلول 2050.
أما أوروبا، فتقود نمو الطلب بفضل التشريعات الملزمة. إذ تفرض لائحة “إعادة تزويد قطاع الطيران الأوروبي بالوقود” (ReFuelEU Aviation) على موردي الوقود في مطارات الاتحاد الأوروبي خلط 2% من وقود الطيران المستدام، على أن ترتفع النسبة إلى 6% بحلول 2030 و70% بحلول 2050. وتبلغ الطاقة الإنتاجية التشغيلية في الاتحاد الأوروبي نحو 1.4 مليون طن سنوياً، فيما توفر هذه التشريعات طلباً مضموناً لعقود مقبلة، ما يشجع الاستثمار في مشروعات إنتاج جديدة.
اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي يعزز إجراءات مواجهة خطر نقص وقود الطائرات
رغم هذا الزخم، لا تزال الصناعة العالمية في مراحلها الأولى. فبحسب الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا”، بلغ إنتاج وقود الطيران المستدام نحو 1.9 مليون طن في 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 2.4 مليون طن خلال 2026، بما يمثل 0.8% فقط من استهلاك وقود الطائرات عالمياً. كما يؤكد الاتحاد أن الوقود المستدام لا يزال نادراً وباهظ التكلفة نتيجة محدودية الإنتاج وعدم اكتمال سلاسل الإمداد.
وفي تعليق على ذلك، قال مصطفى الشربيني، خبير وإستشاري الطاقة والتنمية المستدامة وعضو بالمجلس العربي للطاقة المستدامة وأيضاً عضو لجنة البحث العلمي وريادة أعمال الطاقة بجامعة الدول العربية لـ”الشرق بلومبرغ”، أن تقييم “إياتا” يعكس واقع السوق الحالي بدقة، إذ إن الإنتاج العالمي لا يزال أقل من 1% من إجمالي استهلاك وقود الطيران، فيما تبقى سلاسل الإمداد غير مكتملة والقدرات الإنتاجية محدودة.
وفي مقابلة مع “الشرق”، قالت كبيرة الاقتصاديين في الاتحاد الدولي للنقل الجوي “آياتا” ماري أوينز تومسن، إن العالم سيحتاج إلى 500 مليون طن من وقود الطيران المستدام بحلول عام 2050، كما يوضح الفيديو التالي:
في المقابل، تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن القطاع يحتاج إلى رفع الإنتاج إلى نحو 250 مليون طن سنوياً بحلول 2050 لتحقيق أهداف الحياد الكربوني، مقارنة بنحو 2.4 مليون طن فقط متوقعة خلال 2026.
وتعكس هذه الفجوة الكبيرة بين الإنتاج الحالي والمستهدف حجم الاستثمارات المطلوبة والفرص المتاحة أمام اللاعبين الجدد في السوق.
الخليج ومصر يبنيان موطئ قدم في سوق وقود الطائرات المستدام
في مواجهة هذا السباق العالمي، بدأت دول الخليج بناء موطئ قدم لها في القطاع عبر الاستثمار في سلاسل الإمداد والإنتاج، ودعم القطاع الذي يُتوقع أن ينمو بمعدلات تتراوح بين 20% و30% سنوياً حتى عام 2035، بحسب تقديرات المجلس العربي للطاقة المستدامة.
تُعدّ “إينوك” (ENOC) الإماراتية من أبرز الشركات الإقليمية نشاطاً في هذا المجال، إذ تعمل مع “مينا بيوفيولز” (MENA Biofuels) على تطوير مشروع في الفجيرة باستثمارات تبلغ 300 مليون دولار، يستهدف إنتاج 125 مليون لتر سنوياً في مرحلته الأولى مع خطط لرفع الطاقة إلى 250 مليون لتر سنوياً. كما عززت الشركة حضورها في سلاسل الإمداد العالمية عبر اتفاق مع “ألايد للوقود الحيوي القابضة” (Allied Biofuels Holding) لدراسة توريد وقود الطيران المستدام والوقود الاصطناعي من مشروع قيد التطوير في أوزبكستان.
وفي السعودية، بدأت “البحر الأحمر الدولية” (Red Sea Global) خلال فبراير 2025 إتاحة وقود الطيران المستدام لجميع شركات الطيران العاملة في مطار البحر الأحمر الدولي، عبر مزيج يحتوي على 35% من الوقود المستدام و65% من الوقود التقليدي.
أما مصر، فتتقدم بمشروعين رئيسيين؛ الأول للشركة المصرية لوقود الطيران المستدام (ESAF) في الإسكندرية لإنتاج ما يصل إلى 120 ألف طن سنوياً من وقود الطيران المستدام من زيوت الطعام المستعملة، والثاني بالشراكة مع شركة المانع القابضة القطرية في منطقة السخنة المتكاملة باستثمارات 200 مليون دولار، مع طاقة إنتاجية مستهدفة تبلغ 200 ألف طن سنوياً في مرحلته الأولى.
طالع أيضاً: مصر تسعى لاقتراض 400 مليون دولار لتمويل مشروع وقود الطائرات المستدام
هل يصبح الشرق الأوسط مركزاً لوقود الطيران المستدام؟
يمتلك الشرق الأوسط مقومات تنافسية مهمة تؤهله لأن يصبح لاعباً رئيسيا في هذه السوق، مع ذلك لا يزال القطاع يفتقر إلى الأطر التنظيمية والحوافز الداعمة التي أسهمت في تسريع نمو سوق وقود الطيران المستدام في الولايات المتحدة وأوروبا.
ويرى الشربيني أن فرصة تحول الشرق الأوسط إلى مركز رئيسي لإنتاج وتصدير وقود الطيران المستدام “حقيقية، لكنها مشروطة بتسريع بناء منظومة متكاملة للقطاع”.
ويشير إلى أن المنطقة تمتلك عدداً من المزايا التنافسية المهمة، في مقدمتها وفرة موارد الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي بين أسواق أوروبا وآسيا، فضلاً عن امتلاك العديد من دولها بنية تحتية متطورة في مجالات الطاقة والتكرير والبتروكيماويات.
وأضاف الشربيني أن هذه المقومات تمنح المنطقة فرصة للتحول إلى مركز إقليمي وربما عالمي لإنتاج وقود الطيران المستدام خلال العقدين المقبلين، إلا أنها ما تزال متأخرة مقارنةً بالولايات المتحدة وأوروبا اللتين تمتلكان أطر دعم أكثر تطوراً تضمن وجود طلب مستقبلي واضح على المنتج.
وأوضح أن الوصول إلى مرحلة تنافسية يتطلب تبني سياسات تحفيزية واضحة تشمل الدعم المالي أو الإعفاءات الضريبية، إلى جانب بناء شراكات دولية مع شركات الطيران والتكرير العالمية، وتأمين المواد الأولية اللازمة للإنتاج، والتوسع في مشروعات الهيدروجين الأخضر التي تمثل أساس إنتاج الوقود الاصطناعي المستدام (E-SAF).
كما شدد على أهمية إنشاء سوق محلية للطلب عبر فرض نسب مزج إلزامية على شركات الطيران، بما يوفر حافزاً استثمارياً طويل الأجل للمطورين والمنتجين. وحذر من أن غياب هذه العناصر قد يبقي الإنتاج في المنطقة محدوداً وغير قادر على المنافسة من حيث التكلفة أمام الأسواق الأكثر تقدماً.
ما أبرز عقبات إنتاج وقود الطيران المستدام؟ وكيف يمكن تجاوزها؟
يواجه وقود الطيران المستدام تحديات جوهرية تتعلق بتوافر المواد الأولية والقدرة على التوسع في الإنتاج والفارق بينه وبين الوقود التقليلدي من حيث السعر، كالآتي:
ندرة المواد الأولية: فزيوت الطهي المستعملة تبقى محدودة الإمدادات عالمياً ولا تلبي سوى جزءاً ضئيلاً من احتياجات القطاع المستقبلية، بحسب تقرير لـ”إندبندنت عربية”.
كما أن الأنواع الأخرى من الوقود المستدام، المنتجة من النفايات الخشبية، والمخلفات الزراعية، والكحول المخمر، لا تزال في مراحل التطوير المبكرة ولم تصل بعد إلى الإنتاج التجاري واسع النطاق، فضلاً عن حاجتها إلى مساحات كبيرة من الأراضي واستثمارات ضخمة لتوسيع طاقتها الإنتاجية.
طالع أيضاً: غلاء وقود الطائرات يزيد الضغوط على الرحلات الجوية عالمياً
الفارق السعري مع الوقود التقليدي: يتمثل أحد أكبر التحديات أمام انتشار الوقود المستدام في الفجوة السعرية الكبيرة مقارنة بوقود الطائرات التقليدي. فبحسب تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا”، بلغ متوسط سعر وقود الطيران المستدام نحو 4.2 أضعاف سعر وقود الطائرات التقليدي خلال 2025، نتيجة محدودية الإنتاج وارتفاع تكاليف المواد الأولية وعدم اكتمال سلاسل الإمداد، ما يفرض أعباء إضافية على شركات الطيران ويحدّ من وتيرة التوسع في استخدامه.
ويبرز هذا التحدي بوجه خاص في الوقود الكهربائي المستدام للطيران “إي-ساف” (E-SAF)، الذي يُنتج عبر دمج الكربون المحتجز مع الهيدروجين الأخضر باستخدام الكهرباء المولدة من مصادر متجددة، نتيجة الحاجة إلى كميات كبيرة من الكهرباء النظيفة وبنية تحتية صناعية متطورة، بحسب تقرير “إندبندنت عربية”.
وتبرز عقبة إضافية تتمثل في محدودية التزامات الشراء المسبق من شركات الطيران، ما يضعف الحوافز الاستثمارية ويؤخر اتخاذ قرارات التمويل النهائية للمشروعات الجديدة.
إذاً، ما الحلول؟ يرى الشربيني أن معالجة تحديات الوقود المستدام التقليدي (SAF) تتطلب توسيع قاعدة المواد الأولية عبر التوسع في زراعة المحاصيل غير الغذائية المخصصة لإنتاج الوقود الحيوي، وزيادة الاعتماد على النفايات الزراعية والبلدية، إلى جانب تطوير مصادر جديدة للإنتاج والاستثمار في تقنيات التحويل المتقدمة مثل التغويز لرفع الكفاءة وتعزيز الجدوى الاقتصادية للمشروعات وخفض تكاليف الإنتاج على المدى الطويل.
وأضاف أن الفجوة السعرية الحالية تعكس مشكلة مرتبطة باقتصاديات الحجم أكثر من ارتباطها بالتكنولوجيا، إذ لا يزال الإنتاج التجاري محدوداً عالمياً. ومن المتوقع أن تنخفض التكاليف تدريجياً مع توسع القدرات الإنتاجية واستكمال سلاسل الإمداد وارتفاع حجم الطلب.
وبالنسبة إلى “E-SAF”، فيؤكد أن الأولوية تتمثل في خفض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر، وتطوير تقنيات التخزين والنقل، بما في ذلك الهيدروجين السائل والأمونيا، وإنشاء مجمعات صناعية متكاملة للهيدروجين (Hydrogen Hubs) تجمع بين إنتاج الهيدروجين واحتجاز الكربون وتصنيع الوقود، فضلاً عن تحسين كفاءة عمليات التحليل الكهربائي والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة لتوفير كهرباء منخفضة الكلفة تدعم الإنتاج التجاري على نطاق واسع.
هل يقدم الإيثانول حلاً للشرق الأوسط على غرار البرازيل؟
تُعدّ البرازيل من أبرز النماذج العالمية في توظيف الإيثانول ضمن استراتيجية أمن الطاقة، إذ بنت على مدى عقود صناعة متكاملة تعتمد على قصب السكر لإنتاج الوقود الحيوي. كما برز الإيثانول بوصفه مادة أولية مهمة لإنتاج وقود الطيران المستدام عبر تقنية “الكحول إلى وقود طائرات” (Alcohol-to-Jet)، ما منح البرازيل ميزة تنافسية في سباق تطوير بدائل الوقود منخفضة الانبعاثات لقطاع الطيران.
وفي هذا الصدد، يرى الشربيني أن تجربة البرازيل قابلة للتطبيق من الناحية التقنية، لكن نجاحها في الشرق الأوسط يواجه تحديات هيكلية مختلفة. فالبرازيل تستند إلى وفرة الأراضي الزراعية وإنتاج ضخم لقصب السكر، في حين تعاني دول المنطقة محدودية الموارد الزراعية وندرة المياه، ما يجعل الاعتماد على المحاصيل لإنتاج الوقود الحيوي أقل جدوى من الناحية الاقتصادية والبيئية.
وأضاف أن البديل الأكثر ملاءمة للشرق الأوسط يتمثل في تطوير وقود الطيران المستدام المعتمد على النفايات والمخلفات بدلاً من المحاصيل الزراعية، إلى جانب الاستثمار في الوقود الكهربائي المستدام (E-SAF) القائم على الهيدروجين الأخضر.




