وقف الحرب لا يريح «الناتو»: ترامب مُصمِّم على «العقاب»

سعيد محمد – الأخبار:
اتّهم دونالد ترامب شركاءه الأوروبيين في “الناتو” بالتقاعس عن القيام بما يلزم خلال حرب إيران. ومن شأن هذا الاتهام المتجدّد أن يعمّق فجوة الثقة بين ضفّتَي الأطلسي، ويدفع في اتجاه إعادة صياغة الالتزامات الأمنية والعسكرية المشتركة.
| شهدت واشنطن لقاءً اتّسم بالحدة والصراحة المطلقة بين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والأمين العام لـ»حلف شمال الأطلسي»، مارك روته، في خضمّ منعطف هو الأصعب في تاريخ العلاقات بين الولايات المتحدة والحلف. وجاء هذا اللقاء على خلفية تباين المواقف حيال العدوان العسكري الأميركي – الإسرائيلي على إيران، والذي عكس فجوة عميقة في الرؤى الاستراتيجية والالتزامات المشتركة بين ضفّتَي الأطلسي. كما يأتي فيما يواجه الأعضاء الأوروبيون اتهامات مباشرة بالفشل في اختبار الولاء للهيمنة الأميركية خلال الأزمة الراهنة.
اللقاء الذي استمرّ قرابة ساعتين، أعقبته تصريحات لترامب عبر منصّة «تروث سوشيال» حملت نبرة هجومية غير مسبوقة، اعتبر فيها أن الحلف «غاب وقت الحاجة»، مضيفاً أن الحلفاء خذلوا الشعب الأميركي الذي يتحمّل العبء الأكبر لتمويل الدفاع المشترك. ونقلت المتحدّثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، بدورها، عن الرئيس قوله إن «الناتو خضع للاختبار وفشل»، مشيرة إلى خيبة أمل عميقة من الموقف الأوروبي تجاه الحرب على إيران.
في المقابل، حاول روته احتواء الأزمة عبر الإشادة بقيادة ترامب، واصفاً المحادثات بأنها «منفتحة جداً». ورغم إقراره بوجود فوارق في وجهات النظر، أبرز جوانب الدعم اللوجستي الأوروبي للمجهود الحربي الأميركي في العدوان على إيران، ومن بينها فتح القواعد العسكرية وتسهيل العبور الجوي. كما أكّد أن غالبية الدول الأعضاء دعمت مبدأ إضعاف القدرات النووية والباليستية الإيرانية، معتبراً أن الولايات المتحدة أظهرت قدرة منفردة على تنفيذ ذلك.
ومرّت العلاقات بين ضفّتَي الأطلسي بعدّة محطات خلاف منذ بداية ولاية ترامب الثانية، لكنّ العملية العسكرية الأميركية المشتركة مع إسرائيل ضدّ إيران أصبحت نقطة الخلاف المركزية التي فجّرت الأزمة. فبينما رأت الولايات المتحدة أن تأمين مضيق هرمز وممرّات الطاقة مسؤولية جماعية، تمسّكت دول أوروبية كبرى – ومنها بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والنمسا وهولندا – بموقف حذر، رافضةً الانخراط المباشر في العمليات الهجومية، مكتفيةً بتقديم دعم دفاعي أو لوجستي محدود.
وفي هذا السياق، أثارت قرارات دول من مثل إسبانيا (إغلاق أجوائها أمام الطائرات الأميركية) وفرنسا (تقييد استخدام قواعدها الجوية للطائرات المتّجهة إلى إسرائيل) غضب البيت الأبيض، الذي اعتبر ذلك تنصّلاً من روح التحالف. وكان تسبّب إغلاق مضيق هرمز في أزمة طاقة عالمية، ما دفع دولاً كألمانيا إلى البحث عن حلول تفاوضية تجنّباً لانهيار اقتصادي، وذلك رغم الضغوط الأميركية لاتخاذ موقف عسكري أكثر حزماً.
بات واضحاً أن «الناتو» يمرّ بالفعل بأخطر أزمة في تاريخه الممتدّ 77 عاماً
واستغلّ ترامب الاجتماع مع روته لإعادة طرح ملفّ جزيرة غرينلاند، واصفاً الأخيرة بأنها «قطعة جليد تفتقر إلى الإدارة الجيدة» – في إشارة إلى ضغوطه على الدنمارك (العضو في «الناتو») للاستيلاء على الجزيرة التي تزعم الولايات المتحدة أنها ضرورية لأمنها القومي في القطب الشمالي -. ويعكس الربط المتكرّر بين أداء «الناتو» في حرب إيران وملفّ غرينلاند رغبة أميركية في إعادة تقييم جدوى التحالفات التي تعارض طموحات الولايات المتحدة الجيوسياسية.
وفي هذا الإطار، كشفت تقارير، استناداً إلى مصادر في الإدارة الأميركية، عن خطة لمعاقبة الدول «غير المتعاونة»، تشمل نقل القوات الأميركية من مواقع في أوروبا (كألمانيا وإسبانيا) إلى دول أظهرت دعماً قوياً للسياسات الأميركية كبولندا وليتوانيا ورومانيا واليونان. ويمثّل هذا القرار، في حال تنفيذه، تغييراً بنيوياً في خريطة الانتشار العسكري الأميركي. فبينما ترحّب دول شرق أوروبا بذلك لتعزيز أمنها ضدّ روسيا، تراه دول غرب أوروبا وسيلة ضغط لإخضاع قرارها السيادي للرغبات الأميركية. والجدير ذكره أن عدد القوات الأميركية حالياً في أوروبا يبلغ نحو 84 ألف جندي، ليس من بينهم الموظفون المدنيون ومنسوبو الاستخبارات، في ما يمنح واشنطن نفوذاً كبيراً.
اللافت أن التهديد الأميركي المستمرّ بالانسحاب من «الناتو»، أدّى إلى توحيد القادة الأوروبيين بشكل غير مسبوق، لكن في اتجاه الابتعاد عن الاعتماد المطلق على واشنطن. وشهدت هلسنكي اجتماعاً لعشرة قادة أوروبيين لمناقشة مستقبل التحالف في ظلّ سياسة ترامب الأحادية. وطُرحت في الاجتماع أفكار لـ»قوة استطلاع مشتركة» (بقيادة بريطانية) وشراكة «نورديفكو» بين الدول الإسكندنافية كبدائل دفاعية مرنة. كما خصّص الاتحاد الأوروبي نحو 150 مليار يورو كقروض للاستثمار الدفاعي، فيما تجري نقاشات جادّة حول تفعيل المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي (بند الدفاع المتبادل) كركيزة أمنية موازية لـ»الناتو». ويأتي ذلك في ظلّ اعتقاد بعض العواصم أن استمرار الهجوم اللفظي من البيت الأبيض يحتّم على أوروبا تسريع خطوات الاستقلال الاستراتيجي.
وهكذا، فإن الهدوء النسبي بعد اتفاق وقف إطلاق النار لأسبوعين بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لم يخفّف من التوتر السياسي بين جانبَي «الأطلسي»، إذ أكّد ترامب أن فكرة الانسحاب من «الناتو» قائمة على الرغم من العوائق التشريعية التي وضعها الكونغرس عام 2023 (موافقة ثلثَي أعضاء مجلس الشيوخ). ويجيء هذا التهديد في وقت تضغط فيه بلاده على الحلفاء لزيادة إنفاقهم الدفاعي إلى مستوى 5% من الناتج المحلّي الإجمالي، وهو مطلب يواجه معارضة في برلمانات أوروبية عدّة بحكم أنه يخدم أساساً مصالح شركات التصنيع العسكري الأميركية.
وفي خضمّ ذلك، يواجه الأمين العام لـ»الناتو» انتقادات متصاعدة من عواصم أوروبية بسبب أسلوبه الذي يراه البعض متذلّلاً ومهادناً بشكل مبالغ فيه أمام ترامب، بينما يدافع مؤيّدوه عن ضرورة اتّباع هذا الأسلوب للحفاظ على تماسك الحلف وتجنّب القطيعة مع واشنطن. واعتبر روته، في مقابلاته الأخيرة، أن العالم أصبح «أكثر أماناً» بفضل القيادة الأميركية في الأزمة الإيرانية، محاولاً بهذه الطريقة كسب ثقة ترامب واستمالته للبقاء ضمن «الناتو»، رغم المعارضة الدولية التي تصف الحرب بأنها تفتقر إلى الشرعية.
في النتيجة، بات واضحاً أن «حلف شمال الأطلسي» يمرّ بالفعل بأخطر أزمة في تاريخه الممتدّ 77 عاماً؛ إذ بينما تسعى الولايات المتحدة لتحويل الحلفاء إلى مجموعة مقاولين لتنفيذ مشاريع هيمنتها، تحاول أوروبا الحفاظ على أمنها وما تبقّى من مستوى رفاهيتها بمنأى عن التورّط في صراعات لا تمسّ مصلحتها الوطنية المباشرة. وفي ظلّ إصرار واشنطن على تحويل التكتّل الدفاعي إلى أداة للمشاركة في حروب هجومية خارج جغرافية «الناتو»، والذي يمثّل تحدّياً لمبادئ الأخير التأسيسية، قد تشهد المرحلة المقبلة خطوات تصعيدية أكبر في ما بين الأعضاء، ليس مستبعداً من بينها انسحاب بعضهم من الحلف.




