رأي

هل استُبعدت مصر من اتفاقية مكة؟

عصام شعبان – العربي الجديد:

تبدو اتفاقية مكّة للدفاع المشترك أكبر من مجرّد بيان سياسي، كما روّج بعضهم بهدف التهوين من شأنها، لكنّها في المقابل ليست تحالفاً عسكرياً صلباً بالمعنى المؤسّسي، إذ تفتقر إلى بروتوكول واضح وهيكلة تشغيلية معلنة، إضافة إلى عدم تحديد المخاطر والأهداف وتركها عمومية في ضوء توتّرات المنطقة، ما ترك باب التأويل واسعاً. واضطر وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى توضيح أنّها أقرب إلى المادّة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (ناتو). وقالت أطرافها إنّها ليست موجّهة ضدّ دولة بعينها. مع هذا، يظلّ الاتفاق خطوةً تتجاوز الحوار بين قوى المنطقة إلى محاولة لإيجاد إطار متعدّد الأطراف يعالج قصور آليات غير فاعلة إقليمياً، وتراجع أدوار القوى الدولية والمؤسّسات الأممية، وعجز كلّ طرف عن العمل منفرداً في إقليم يعاني اضطراباً وفراغاً في القيادة، في ظلّ متغيّرين: هيمنة إسرائيلية تتّسع، ومخاطر وتداعيات على المنطقة نتاج الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. ويمكن رؤيتها أيضاً ضمن مرحلة تعاون جديدة، في مسار بدأ قبل سنوات، تضمّن خطوات لتخفيض التوتّر بين قوى المنطقة وصولاً إلى الحوار والتنسيق، ويقوم على منطق ردع جماعي.

ويعود إعلان التحضير للتحالف الثلاثي إلى منتصف يناير/ كانون الثاني 2026، حين نقلت “رويترز” عن وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني، رضا حياة، أنّ الدول الثلاث، باكستان وتركيا والسعودية، أعدّت مسوَّدة اتفاقية دفاع مشترك بعد مفاوضات استمرّت نحو عام، فيما تحدّث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن بناء منصّة تعاون إقليمي لمواجهة الهيمنة والمخاطر، قائمةً على تعزيز الثقة بين أطراف المنطقة. أمّا في مارس/ آذار، كُثّف التنسيق الرباعي بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان، عبر اجتماعات متتالية وشبه دورية لوزراء خارجية الدول الأربع، بدأ أوّلها على هامش قمّة إسلامية في الرياض، وناقش إطاراً سياسياً للتشاور والتعاون الأمني لخفض التصعيد ومواجهة المخاطر المشتركة. لكن مع الإعلان الفعلي لـ”اتفاق مكّة” (7 أغسطس/ آب الجاري)، أثير التساؤل عن غياب القاهرة من التوقيع، على الرغم من انخراطها المباشر في المسار التشاوري، بل سبق الإعلان بيومَين اجتماع تنسيقي رابع في الرياض أيضاً.

وفي تفسير الغياب، ذهبت التكهنات في ثلاثة اتجاهات: الأوّل يخصّ مصر، فرآها شريكةً في الفكرة، لكنّها تحفّظت على صيغة الاتفاق النهائية، لأنّه يتّخذ طابعاً سُنّياً، ويضمّ دولاً آسيويةً تجمعها صلاتٌ ومصالح مشتركة وجغرافيا سياسية متقاربة، مع تباين أهداف كلّ منها ومكاسبها، ولا يتّخذ طابعاً عربياً كما طُرح سابقاً. وقد يكون الاتفاق ظرفياً، كما في تجارب سابقة، وجاء من دون حوار كافٍ يضمن وضع هيكلة وأدوات عمل وأهداف واضحة.

واتجاه ثانٍ ردّه إلى تحفّظات خليجية، سعودية خصوصاً، على انضمام مصر، بجانب تأثير التنافس مع الإمارات، ووضع مصر وعلاقتها بالبلدَين. ومن بين التفسيرات أيضاً انتقال الثقل العسكري والنفوذ الإقليمي إلى محور تركي سعودي باكستاني على حساب الدور المصري، الذي سيكون ضمن هذه المظلّة محدوداً.

اتسعت مساحة هذه التخمينات، مدعومةً بمواد صحافية استند بعضها إلى مصادر مجهّلة لا صلة لها بمتّخذي القرار، وتأثّرت مساحات من التحليل بالموقف المسبق أكثر من القراءة الموضوعية لمنطق أطراف الاتفاق الثلاثي ومواقفهم وطبيعة علاقاتهم بالقاهرة، وعلاقة الأخيرة بقوى المنطقة والأطراف الدولية، وطبيعة السياسة الخارجية المصرية ومحدّداتها.

من الصعب، بحسابات عسكرية وجغرافية سياسية، تجاوز مصر في ترتيبات أمنية إقليمية، وهي تطلّ على البحرين المتوسّط والأحمر، وتحوز قناة السويس، ويرتبط أمنها بباب المندب

وعلى الرغم من تفاوت وجاهة هذه القراءات، يظلّ القول باستبعاد مصر غير موضوعي؛ فمن الصعب، بحسابات عسكرية وجغرافية سياسية، تجاوزها في ترتيبات أمنية إقليمية، وهي تطلّ على البحرين المتوسّط والأحمر، وتحوز قناة السويس، ويرتبط أمنها بباب المندب، ما يجعلها طرفاً معنياً بأيّ ترتيبات تتعلّق بأمن الممرّات ومسار الطاقة. ويضاف إلى ذلك ثقلها العسكري والسياسي والديمغرافي، وتعدّد ارتباطاتها إقليمياً ودولياً، بما يجعل تجاهلها في أيّ تحالف يسعى إلى التأثير في الأمن الإقليمي أمراً غير مرجَّح، بصرف النظر عن توقيعها من عدمه.

غير أنّ هذا الاتجاه، الذي ركّز على استبعاد مصر، وله أسباب لدى القائلين به، تجاهل التصريحات التركية والباكستانية المرحّبة بوجودها، والتنسيق الفعلي القائم بين الأطراف، بما فيها السعودية، التي لم تُشر بعد الاتفاق، مباشرة أو عبر مصادر موثوقة، إلى استبعاد مصر، كما كان واضحاً في تصريحات وزير الخارجية، هاكان فيدان، الذي أعلن ترحيب أنقرة وحرصها على وجود القاهرة في التحالف، مؤكّداً أنّ الباب مفتوح أمام دول عربية وإسلامية أخرى، ونقل موقف مؤسّسة الرئاسة. ويتسق هذا مع تصريحات الرئيس أردوغان لاحقاً في حواره مع قناة الجزيرة، وترحيبه بوجود مصر إذا أرادت.

وقد التزمت الخارجية المصرية الصمت، مكتفية ببيان صحافي موجز ينفي ما تردّد عن أسباب عدم الانضمام أو فكرة الاستبعاد وما يروّج حولها في وسائل الإعلام، مؤكّدةً العلاقات المتميّزة والأخوية مع أطراف الاتفاق. لكن هذا الصمت لافت، خاصّةً أنّ الوزارة لا يغيب عنها إصدار بيانات بروتوكولية حيال أحداث أقلّ أهمية، منها أخيراً التعزية في حادثة نقل في النيجر مثالاً. وفي النهاية، لن يتحدّث طرف عن موقف رسمي بالإيضاح، ليكون بديلاً ومتحدّثاً عن دولة لا تريد الإفصاح عن موقفها وتترك مساحةً للتخمينات.

بعد أسبوع من هذا الجدل، كسر وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، هذا الصمت في مؤتمر صحافي مع نظيره التركي هاكان فيدان، موضّحاً، ردّاً على سؤال حول الاتفاقية، أنّ أيّ تعاون في المجالات الدفاعية ينطوي على التزامات تستوجب بالضرورة “دراسات معمّقة في ضوء الدستور المصري والالتزامات القانونية”. وأكّد أنّ مصر منخرطة في الإطار الرباعي، ولديها علاقات متميزة مع الدول الثلاث تتجاوز المجال السياسي، مضيفاً أنّ القاهرة على دراية بمبادرات الترتيبات الأمنية الإقليمية منذ البداية، ومنها مبادرة أمن البحر الأحمر، وتتعامل معها بجدّية، لكنّ اعتبارات فنّية تستوجب دراسةً معمّقةً قبل اتخاذ القرار المطلوب.

اتفاقية مكّة، في صورتها الراهنة، أقرب إلى تأطير سياسي لمواجهة مخاطر الإقليم وخلق ردع عسكري

هذا التوضيح ينفي فرضية الاستبعاد من أساسها، ويعيد تأطير المسألة باعتبارها مساراً مؤسّسياً أبطأ من إيقاع التوقيع والانضمام، لكنّه يكشف تحفّظاً وتردّداً حيال التحالف، وربّما تشكّكاً في أهدافه في ظلّ التوتّرات الحالية، ويضعه ضمن مشاريع إقليمية متعدّدة يجري بحثها. وكان بينها مشروع القاهرة بوجود مظلّة أمنية عربية؛ إذ سبق أن طرحت القاهرة (مارس 2015) مشروع القوّة العربية المشتركة، بالتزامن مع تشكيل تحالف تقوده السعودية لتنفيذ عملية عاصفة الحزم، وهي تعيد طرحه وتجدّد الدعوة إليه، مستندةً إلى إحياء اتفاقية الدفاع العربي المشترك وما يرتبط بها من قرارات ضمن أطر الجامعة العربية وميثاقها.

وعلى الرغم من هذا التحفّظ، يتّضح الموقف المصري في استمرار التنسيق الرباعي بعد إعلان مكّة بوتيرة أسرع، ظهر في ثلاثة اجتماعات ثنائية مع أطرافه ضمن لجان تعاون وتنسيق مع السعودية وتركيا، وتكرّر تأكيد الطابع الأخوي في العلاقات، إضافة إلى لقاء تشاوري مع باكستان، ولقاء خامس لمجموعة التشاور الرباعي في مدينة العلمين، شدّد على أهمية الآلية التشاورية التي تجمع وزراء الخارجية، وسعى إلى تحقيق أهداف مشتركة، منها ضمان حرّية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، ومتابعة تنفيذ مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، وتأكيد مركزية القضية الفلسطينية، ومعالجة تداعيات الحرب على قطاع غزّة. وهذا يؤكّد أنّ القاهرة ليست خارج صورة العمل الجماعي، لكنّها تتعامل مع المسار الرباعي بوصفه إطارها المفضّل للتشاور، بالتوازي مع صيغة مكّة الثلاثية. وهي تتّفق مع نهج التعاون السياسي، لكنّها تتعامل مع التحالف العسكري بتمهّل، وترغب في أن يسبقه حوار سياسي وإطار أوسع، ربّما عربياً.

ويتّسق هذا مع توجهات مصر في التحالفات، التي تفضّل التحوّط الاستراتيجي على الانخراط الكامل في التزامات جماعية ملزمة وطويلة، مع الحفاظ على علاقاتها متعدّدة الاتجاهات (بما فيها مع إيران وإسرائيل) وعلاقاتها مع الهند، وتعاونها الإقليمي مع اليونان وقبرص. ويبدو أنّ القاهرة تتحسّب من أن يُقرأ انضمامها إلى التحالف المستجِدّ اصطفافاً يُخلّ بالتوازن ودور الوساطة، ويلزمها بأدوار قد تفقدها هامش الاستقلال، أو يثير حساسيةً مع أطراف إقليمية تتعارض مصالح بعض أطراف التحالف معها.

تفضّل القاهرة التحوّط الاستراتيجي على الانخراط الكامل في التزامات جماعية ملزمة وطويلة

بجانب الارتباطات الخارجية، تفرض الأزمة الاقتصادية أولويات تجعل الدخول في التزامات دفاعية واسعة متعدّدة الأطراف خياراً يستدعي الحذر. ومع ذلك، تفضّل القاهرة التعاون العسكري الثنائي أو الجماعي المؤقّت لمهمة محدّدة، بصيغ تحقّق التوازن والمرونة من دون التزام طويل المدى. ويتجلّى ذلك في تكرار التدريبات واتساع برامج التعاون العسكري مع تركيا، والتعاون الاستخباري والأمني مع باكستان، خاصّةً في مكافحة الإرهاب، ومشاركتها في مناورات “السند 2024” في باكستان مع الدول الثلاث.

كما تتعاون مع السعودية في أطر التدريب العسكري، وهي شريك للرياض في ملفّات البحر الأحمر وباب المندب، وفي ترتيبات أوسع لحماية الممرّات، منها التحالف البحري الذي وقّعت بيانه التأسيسي. ويبدو أنّ القاهرة تعتبر هذا النمط أكثر مرونةً، ويحقّق لها مصالح سياسية واقتصادية وأمنية من دون تقييد حرّية القرار أو تحمّل التزامات جماعية في أطر مستجِدّة قد تفرض عليها أعباء.

وإجمالاً، اتفاقية مكّة، في صورتها الراهنة، أقرب إلى تأطير سياسي لمواجهة مخاطر الإقليم وخلق ردع عسكري. ولا تبدو مصر في موقع المعارضة أو التناقض معها، ولا يعني غيابها استبعاداً أو قطيعة بالضرورة، بل يترجم جانباً من نهج يقوم على التدرّج وتجنّب الاندفاع والحفاظ على هامش المناورة. وربّما كان سؤال القيمة المضافة لتوقيعها على الاتفاق قائماً ومحلّ تفكير، ما دام أنّ أطرها الثنائية القائمة مع أطراف الاتفاق تحقّق ما تحتاج إليه من تعاون أمني وعسكري من دون التزام جماعي دائم. ومع ذلك، يمكن أن تتحوّل هذه المسافة المحسوبة، مع تبلور آليات التحالف وتحديد أدواره، إلى انضمام مؤجَّل حالياً، سينتهي إذا زالت أسباب التحفظ، أو سيكون هناك تباين في المواقف بين مصر وشركائها الثلاثة في الإقليم.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى