رأي

هذه “التفاهمات” السورية الإسرائيلية

كتب توفيق شومان في صحيفة العربي الجديد.

انتهت جولة المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية في باريس قبل أيام إلى مجموعة من تفاهمات عامة، بينها مشروع المنطقة الاقتصادية والسياحية. وعلى ما قال الراعي الأميركي توم برّاك لقناة “آي 24” الإسرائيلية في 6 يناير/ كانون الثاني الحالي، إن المفاوضين تطرّقوا “إلى مناقشة قضايا مدنية مثل الطبّ والزراعة والطاقة والازدهار الاقتصادي”. وذكر موقع أكسيوس الأميركي (6/1/2026) أن الولايات المتحدة “قدّمت خلال محادثات باريس بين سورية وإسرائيل مقترحاً بشأن اتفاقية أمنية بينهما، تتضمّن إنشاء منطقة اقتصادية مشتركة في جانبي الحدود”. وعلى ما يظهر، هذه المنطقة التي ينتعش الحديث عنها مع كل جولة تفاوضية سورية ـ إسرائيلية محفوظة في خزائن التفكير في واشنطن وتل أبيب، ويُصار إلى استدعائها من ذاكرة المفاوضات الإسرائيلية غير الرسمية مع سورية بين الأعوام 2004 و2006، حين تولّى رجل الأعمال السوري إبراهيم سليمان المسار التفاوضي مع تل أبيب عبر ما عُرفت بـ”القناة السويسرية”، بعدما شهدت القناة التركية انسداداً.

بالعودة إلى تلك الفترة، يطل إلى الواجهة تقرير مطوّل كتبه عكيفا ألدار في صحيفة هآرتس العبرية (16/1/2007) كشف فيه تفاصيل المفاوضات السرّية بين دمشق وتل أبيب، إذ أفضى إطارها العام إلى ما يسمّيه المفاوض السوري سليمان والإسرائيلي ألون يائيل تفاهماً مبدئياً حول تحويل مرتفعات الجولان السورية المحتلة إلى “حديقة سياحية دولية”. وجاء في افتتاحية “هآرتس” في اليوم التالي لنشر التقرير، أن المفاوضين توصّلوا إلى وثيقة في صيف 2006 “تضمّنت أفكاراً خلّاقة” تراعي المطلب السوري بانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان إلى خطوط 5 يونيو1967، وتُقرّ بمطلب إسرائيل بإبقاء سيطرتها على طبريا وعلى مياه نهر الأردن الجبلية. وفي المنطقة الفاصلة على امتداد طبريا تُقام حديقة للاستخدام السوري ـ الإسرائيلي تمتدّ على جزء معقول من مرتفعات الجولان. كما اتفق المفاوضون غير الرسميين على نزع السلاح، وعلى أن تكون المساحة السورية المنزوعة السلاح أكبر بأربعة أضعاف من مساحتها في الجانب الآخر.

سبق وأن حدّد المفاوض السوري الانسحاب التدريجي من الجولان السوري المحتل بخمس سنوات، والمفاوض الإسرائيلي طالب بخمس عشرة سنة، وفقاً للمتداول في الإعلام العبري

وفي 19 يناير/ كانون الثاني 2007 نشرت صحيفة الأخبار اللبنانية حواراً معرّباً أجراه إبراهيم سليمان مع صحيفة يديعوت أحرونوت، أكّد فيه ما أوردته “هآرتس”، وقال إن تلك المفاوضات جرت مع مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية ألون يائيل، فاجتمعا ثماني مرّات في عامَين. أما يائيل، فقد حاورته صحيفة الجريدة الكويتية (11/4/2008) فشرح التصوّرات التي توصّل إليها مع المفاوض السوري غير الرسمي إبراهيم سليمان، فقال: “تفاهمنا على إقامة حديقة سياحية وصناعية على ثلث من هضبة الجولان إلى الشرق من طبريا، يكون دخول السوريين والإسرائيليين إليها من دون الحاجة إلى تأشيرات، والسيادة والسلطة عليها لسورية، والمناطق الباقية التي ستخليها إسرائيل فتبقى خالية من السكّان وتقام فيها مرافق سياحية وترفيهية، وإسرائيل تتعهّد بعدم هدم القرى والمدن التي ستخليها لجعلها أرضية المتنزهات والفنادق، والثلث المتبقّي يبقى منزوع السلاح، والجولان يعود إلى السيادة السورية تدريجياً”. وأوضحت “الأخبار” البيروتية (8/3/2007) أن المفاوض السوري حدّد الانسحاب التدريجي من الجولان السوري المحتل بخمس سنوات، والمفاوض الإسرائيلي طالب بخمس عشرة سنة، وفقاً للمتداول في الإعلام العبري.

وعلى ما بدا لاحقاً، بقي رئيس الطاقم الإسرائيلي المفاوض، يائيل، مصرّاً على مواقفه المشيرة إلى إطلاع المستوى السياسي في تل أبيب على الجولات التفاوضية مع إبراهيم سليمان. ففي محاضرة ألقاها في واشنطن، بحسب صحيفة الرأي الكويتية (23/2/2008)، أكّد حصوله على موافقة وزارة الخارجية الإسرائيلية، وبيّن أن الاتفاق مع نظيره السوري انطوى على “إنشاء ما يسمّيها السوريون حديقة دولية تغطّي ثلث مساحة الجولان واستعادة سورية سيادتها عليه، وتحويل المنشآت السورية في الهضبة المحتلة إلى استثمارات أجنبية في سورية”. أما سليمان فقال لصحيفة الجمهورية اللبنانية (31/10/2012) إن “الاتفاق” الذي توصّل إليه مع ألون يائيل “موثّق ومكتوب ومزوّد بالخرائط عن نقاط الانسحاب والانتشار الجديد والعلاقة بين الجانبَين، وسيعمد إلى نشر كتابَين، أحدهما باللغة العربية والآخر بالإنكليزية، ويروي فيهما التفاصيل كلّها”.

ينتعش الحديث عن منطقة اقتصادية مشتركة في الجولان مع كل جولة تفاوضية

بعد هذا العرض، لعل السؤال الذي يهيمن على النتيجة الخاوية لمفاوضات تلك المرحلة يبدأ وينتهي بالبحث عن أسباب فشلها. وتنطلق الإجابة عنه من إعادة استحضار الأزمات العميقة التي غطّت المنطقة آنذاك؛ فالعراق كانت أثقلته إحدى أخطر مراحله الدموية التي أعقبت إسقاط نظام صدّام حسين، وما تلاها من تشظّيات داخلية رهيبة أدخلته في مسار حالك سياسياً وأمنياً. وجاءت عملية اغتيال رفيق الحريري عام 2005 لتُدخل لبنان في متاهة شبيهة بالمتاهة العراقية، وازدادت الأمور سوءاً واضطراباً مع العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو/ تموز 2006. وإذا أضيفت إلى هذه المفاصل اتهامات واشنطن دمشق بتسهيل دخول أعوان التنظيمات الجهادية إلى العراق لمواجهة القوات الأميركية، تغدو قائمة الأسباب معروفة.

وعن ذلك، يقول ألون يائيل لـ”الجريدة” الكويتية إن الرئيس الأميركي جورج بوش (الابن) ونائبه ديك تشيني لم يكونا جاهزين للدفع نحو تسوية سورية ـ إسرائيلية. وفي محاضرته تلك، أفصح أن الرئيس بوش أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت أن “لتل أبيب الحرية في المفاوضات مع دمشق، ولكن الولايات المتحدة لن تشارك فيها”، فأقفل الباب على المفاوضات. لكن مشروع “الحديقة الدولية” بقي حاضراً في غرفة الأفكار وفي حجرة التصوّرات والمخططات. وعلى ما يظهر، حان الوقت لإخراجها بعد طول احتجازها، ولكن من دون أن يُعرف كم توسّعت مساحة الحديقة وإلى أين امتدّت وانبسطت… والله أعلم!

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى