ميثاق الحكومة في العام الجديد

كتب د. أحمد مختار في صحيفة الأهرام.
على الرغم من الشعور بالتفاؤل الذي يتولد داخل النفس عند قراءة توقعات المؤسسات الدولية باستمرار تحسن أداء الاقتصاد المصري خلال العام الجاري، وتحقيق معدل نمو يتراوح من ٤ ٪ إلى ٤.٥٪، مع تراجع تدريجي في التضخم، وتجاوز الاحتياطي من النقد الأجنبي خمسين مليار دولار لأول مرة في تاريخ مصر؛ يبقى التساؤل الذي يشغل المواطن البسيط حول موعد انعكاس هذا التحسن على مستوى معيشته بالفعل.
نعم، تحسن المؤشرات الاقتصادية لا ينتقل تلقائيًا إلى حياة الناس سريعًا، فالتجربة المصرية، كما في دول كثيرة، تؤكد أن الفجوة بين الاقتصاد الكلي ومعيشة المواطن قد تستمر سنوات إذا لم تُدار هذه المرحلة بقرارات دقيقة وموجهة.
المؤشرات الإيجابية يمكن أن تحجم التضخم، لكنها لا تصنع التحسن الملموس سريعًا، والمؤسسات الدولية نفسها تشير ضمنيًا إلى هذه الحقيقة؛ فالنمو المتوقع يعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات مثل السياحة، والصادرات، والصناعة، وهي قطاعات توفر فرص عمل للبعض، لكنها لا ترفع دخول جميع الفئات، كما أن تراجع التضخم المتوقع لا يعني انخفاض الأسعار، بل تباطؤ وتيرة زيادتها، وهو فرق لا يشعر به المواطن بسهولة.
الفترة الزمنية اللازمة لانعكاس هذا التحسن على مستوى معيشة المواطنين تحتاج من الدولة جهدًا مضاعفًا وقرارات تنفيذية مباشرة تشد عضد المواطن ليبقى صامدًا ممسكًا بخيوط الأمل مؤمنًا بأنه شريك في بناء مستقبل أفضل سوف يجني ثماره قريبًا.
شراكة الحكومة مع المواطن لعبور هذه الفترة الانتقالية، سواء كانت الحكومة الحالية أو المقبلة، تستوجب عليها التحرك بجدية وفاعلية لكبح أسعار السلع الغذائية الأساسية عبر رقابة حقيقية على الأسواق وسلاسل التوزيع؛ فالغذاء هو العبء الأكبر على الأسر، وليس هناك ما يمنع من اتفاق ملزم بين الحكومة والاتحاد العام للغرف التجارية على أسعار عادلة للسلع الأساسية المرتبطة بمعيشة المواطنين يتم تثبيتها لمدة عام، خاصة أن هذه السلع لا يتجاوز عددها ١٢ سلعة.
الأمر نفسه يمكن تطبيقه على أدوية الأمراض المزمنة بعدم زيادة أسعارها خلال هذه الفترة اعتمادًا على استقرار سعر الجنيه أمام العملات الأجنبية وانتفاء المبرر الذي كانت الشركات تستند إليه لزيادة الأسعار، أيضًا يجب ضبط تكلفة الخدمات، مثل التعليم والصحة والنقل، وهي البنود التي تستنزف دخل الطبقة المتوسطة.
تحسن الاقتصاد شرط لازم للبقاء والنمو لكنه غير كافٍ إذا لم تترجم المؤشرات الإيجابية إلى أسعار مستقرة، ودخول أفضل، وخدمات أقل تكلفة، والحكومة قادرة على ذلك.
أرقام النمو والتقارير الدولية تظل بعيدة عن حياة المواطن مهما بدت واعدة، إلا أنه يفقد الثقة عندما تبرق الأرقام دون أن يلمس أثرها في حياته اليومية؛ فهل تتحرك الحكومة وتقدم ميثاقها للمواطن بأنها لن تتركه وحيدًا خلال هذه الفترة الصعبة؟




