رأي

موسكو– برلين .. حروب الظلّ وساحات الوغى

إيميل أمين – العربية:

هل الماضي لا يموت، وحزازت الصدور تبقى كما هي، حتى لو نَبَتَ المَرْعى على دِمَن الثَّرَى، كما قال الشاعر الأموي”زفر بن الحارث” ذاتَ مرّة؟
يكاد المرء يقطع بأن هذا هو دَيْدَن العلاقات بين روسيا وألمانيا، حيث لم ينس الروس محاولات النازيّ لغزوهم، تلك التي سقط بسببها ما يُقَدَّر بنحو 23 إلى 27 مليون شخص، وهي أعلى نسبة خسائر بشريّة حدثت لدولة من الدول التي شاركت في تلك الحرب الكونية، وقد عانى الروس وبقية جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، معاناةً شديدة من جراء تلك الحرب، وأكلافها سواء الإنسانية أو المادية.

على الجانب الآخر، لم ينس الألمان، وطوال ثمانية عقود ما فعله الجيشُ الأحمر في بلادهم غداة سقوط النازية، بدءًا من الانتهاكات الإنسانية الصارخة، والتي خلفت جيلًا كاملًا من الأطفال من غير نسب معروف، وصولًا إلى تقسيم ألمانيا بشكل غير مسبوق إلى شرقية وغربية، ما اعتُبِر امتهانًا كبيرًا لوحدة الألمان، الأمر الذي دام زهاء أربعة عقود، ولم ينته إلا بعد سقوط حائط الفصل في التاسع من نوفمبر من عام 1989.

نهار الاثنين 20 أبريل/ نيسان الماضي، استدعت الحكومة الألمانية السفيرَ الروسي في برلين، بعدما نشرت وزارة الدفاع الروسية عناوين شركات تصنيع الأسلحة التي تتخذ من ألمانيا مقرًا لها.

اعتبرت العاصمة الألمانية أن إذاعة أسرارها العسكرية على هذا النحو، هو نوع من التهديد العسكري الروسي، غير المقبول، وكأن الأمر مفاده إننا نعرف أين توجد كبريات تلك الشركات، وربما ما هو أبعد من ذلك، أي وضعها في مرمى الأهداف، سواء عبر الاختراقات السيبرانية، أو حال القارعة، وإستهدافها بشكل ملحوظ، وفي الحالتين يبدو التصعيد واضحًا من جانب موسكو، ولا يمكن مواراته أو مداراته.

بينما الروس يرون أنفسهم ضحيةً لمؤامرات عسكرية ألمانية لا تنقطع، وبخاصة بعد زيارة الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي لألمانيا الأخيرة، والتي تمت قراءتُها في موسكو على أنها نوع من التشجيع غير المباشر من الألمان للأوكرانيين، والهدف واضح لا يغيب عن الأعين: مواصلة الحرب ضدّ روسيا، وإحداث أكبر قدر من الخسائر في الجيش الروسي، ناهيك عن الاتّفاق غير المعلن في أغلبه على تزويد كييف بصفقات جديدة من الأسلحة.

والمعروف أن الحكومة الألمانية كانت قد أعلنت عزمها تزويد أوكرانيا بطائرات مسيرة وأسلحة بعيدة المدى جديدة، أو إنتاجها محليًّا بالتعاون مع شركات تصنيع الأسلحة الألمانية، ما يُعتَبَر من جانب القيصر بوتين، نوعًا من العداء الواضح وغير المبطَّن، من برلين لجهة موسكو، وهو أمر حكمًا ستكون أكلافه عالية وغالية بالنسبة للروس، وعليه يمكن أن تضحى التدابير العقابيّة التي تفكر فيها موسكو، مخيفة تجاه الألمان دون أدنى شكًّ.

استدعاء السفير الروسي، هو أكثر الإجراءات الدبلوماسية إثارة للمواجهة، وفي ظلّ الدور المحوري الذي تلعبه برلين في حرب الناتو بالوكالة ضدّ روسيا في أوكرانيا، يشكّل هذا الإجراء إشارة سياسية بالغة الأهمية، ذلك لأنه يرمز إلى أن قنوات الحوار قد وصلت إلى طريق مسدود، وينذر بخطوات لاحقة قد تصل إلى حد قطع العلاقات.

لكنّ الحقيقة المؤكدة، هي أن الألمان لا يمكنهم فعل ما هو أكثر من ذلك، أي مجرد استدعاء السفير الروسي، إذ لا يملكون في واقع الأمر، أدنى إمكانيات لتصعيد عسكريّ، في مواجهة روسيا الاتّحادية، والتي لم تنفكّ تهدّد أوكرانيا مرارًا وتكرارًا على لسان نائب رئيس مجلس الأمن القومي، ديمتري ميدفيديف، باللجوء إلى السلاح النووي، حال تعرُّض الأمن القومي الروسي للخطر المحدق.
هل الروس متحفّزون بالفعل للمُضِيّ قُدُمًا عسكريًّا عند لحظة معينة من سخونة الرؤوس ضد الألمان؟

بعض المواقف تشي بإمكانية حدوث ذلك، فعلى سبيل المثال، في مارس 2024، أثارت تسريباتٌ صوتية لضباط ألمان جدلًا واسعًا، حيث ناقشوا إمكانية تزويد أوكرانيا بنحو 20 صاروخ تاوروسTaurus بعيدة المدى لتدمير جسر القرم، وقد كانت كافية، بإحداث أضرار جسيمة أو تدمير الجسر برُمَّته، الأمر الذي لو حدث، لربما كان الردّ الروسيّ مخيفًا وفي قلب ألمانيا عينها، ما يعني إمكانية انفلاش المشهد العسكري، ليتحول من حربٍ إقليمية إلى مواجهة عالمية.

التوتّر الروسي الذي خلفته هذه الحادثة، دفع الكثير من الجنود الروس لإعلاء صوتهم بالقول: “ستَرَوْنَنا في برلين قريبًا مرَّةً ثانية”، والمعنى لا تُخطئه الذاكرة التاريخيّة للبلدين، وبخاصة حين تم رفع علم الإتحاد السوفيتي على مبنى الرايخستاغ في 30 إبريل عام 1945 بعد سقوط النازيّ.

هنا السؤال: “هل يمكن أن تنزلق برلين وموسكو من “حرب الظلّ” إلى ساحات “الوغى المباشرة”؟.
يقول الألمان إن الروس يمارسون بالفعل في الوقت الحاضر ضدّهم، نوعًا من الحرب الهجينة، فهم يشنّون عمليات تخريبية، ويرسلون طائرات مسيرة، ويدبرون مخطّطات اغتيال.
في هذا الصدد يصرح “هاوكه فريدريتش” مراسل الشؤون الأمنية في صحيفة “دي تسايت”، ومؤلف كتاب “ماذا لو اندلعت الحرب لدينا غدًا”، بأن روسيا تخترق المجال الجوي لحلف الناتو بطائرات مقاتلة، وترسل طائرات مُسَيَّرة عسكرية إلى بولندا، وأكثر من ذلك تستهدف البنية التحتية الحيوية، ويضيف: “لم يعد ينقصنا سوى القليل جدًّا لتتحول مثل هذه الأفعال إلى حرب حقيقية”.
أترى الصراع العسكري المسلّح طرحًا واردًا؟

المعروف أن المانيا هي عصب من أعصاب حلف الناتو، وعليه فإن أيّ هجوم عسكري مباشر عليها، أمر يقتضي تفعيل المادة الخامسة من الميثاق، ما يعني دخول الولايات المتّحدة مباشرةً في المواجهة، وجريان حرب عالميّة ثالثة.
لكنّ الواقع هو أن الروس أذكى من الانجرار في هذه السرديّة، ولهذا يخوضون حربًا بدون إعلان، كما يقول الألمان.
الحرب الروسية المستقبليّة ضدَّ ألمانيا سيكون قوامها، طرودًا مفخَّخةً، وخوادمَ حكوميَّةً مخترقة. أنظمة مُتلاعب بها، وانقطاعات كهرباء.

أكثر من ذلك، فإن روسيا قد لا تعلن حربًا مباشرة على ألمانيا، كما فعل الفوهور في الحرب العالمية الثانية، لكنّ ذلك لا يعني أن القيصر رجل الكي جي بي، ليست لديه أدوات مرعبة ضد ألمانيا وعموم أوربا.
على سبيل المثال ، يمكنه إغراق ناقلة نفط متهالكة من “أسطول الظل”، قرب السواحل الأوروبية، والنتيجة ستكون حكمًا كارثية، ودون أن يُعَدَّ ذلك هجومًا يستدعي تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو.

هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحًا لهجوم روسي في السنوات المقبلة، ومعه نتساءل: “هل ألمانيا هي كعب أخيل الناتو، حال قررت روسيا الدخول في مواجهة مسلَّحة؟”

بحسب “مارتن ياغر” رئيس الاستخبارات الألمانية BND تبدو موسكو مصمِّمةً على توسيع نطاق نفوذها غربًا إلى أوروبا، ولتحقيق هذا الهدف لن تتوانى عن المواجهة العسكريّة المباشرة مع حلف الناتو إن لزم الأمر.
الخلاصة: هي أنّه بعد ما يقرب من مرور 85 عامًا على غزو النازي لم ينسَ الروسُ ثأرَهم رغم انتصارهم المكلِّف، فيما الألمان يجدون أنفسهم في حربٍ فعليّة مع روسيا، لا علاقة لها بالدفاع عن الحريات والديمقراطيات.. أهو ذوبان السلام الجليديّ؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى