من مواجهة «داعش» إلى جيش الفصائل.. اندماج يحقق طموحات الكرد أم صفقة رهينة الوعود؟

إلهامي المليجي – الميادين:
هل تعيد واشنطن تدوير القوة التي استخدمتها ضد «داعش» داخل جيش ترسم له وظيفة إقليمية تتقاطع مع مصالح الكيان الصهيوني؟
لم يكن إعلان مظلوم عبدي حل قوات سوريا الديمقراطية وإنهاء وجودها قوةً مستقلة، ثم اندماج مؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة السورية، إجراءً تنظيميًا يطوي صفحة من الحرب؛ بل لحظة كاشفة تختبر مصير تجربة تجاوزت الجغرافيا الكوردية، وطرحت سؤالًا مؤجلًا: هل تكون وحدة الدولة نقيضًا لتعدد المجتمع، أم الإطار الذي يحميه؟
عرفتُ إلهام أحمد في أكثر من لقاء مباشر، وتواصلنا عبر وسطاء، فيما كان تواصلي مع مظلوم عبدي أضيق؛ بدأ بلقاء في مؤتمر صحفي، ثم برسائل عبر وسطاء. وكان ما عرفته عنهما كافيًا لاستبعاد التخوين السهل. لكن احترام التاريخ النضالي لا يفرض الصمت أمام قرار تاريخي؛ فعدالة القضايا لا تمنح أصحابها عصمةً من الخطأ، ولا تحمي الحقوق إلا حين تتحول إلى قواعد دستورية ومؤسسات ثابتة.
حين تنتهي وظيفة الحليف
تأسست «قسد» عام 2015 تحالفًا متعدد المكونات، يضم كردًا وعربًا وسريانًا، وكانت الحرب على تنظيم «داعش» مبررها العسكري الأكثر إلحاحًا. ومن ريف الحسكة إلى الرقة والباغوز، تحمل مقاتلوها ومقاتلاتها العبء البري الأكبر في إسقاط دولة التنظيم، وقدموا آلاف الشهداء، بينما كانت وحدات حماية المرأة تهدم، مع حصون «داعش»، الصورة التي أراد التنظيم فرضها على المرأة والمنطقة.
غير أن «قسد» لم تكن مجرد ذراع للتحالف الدولي، كما لم تكن الإدارة الذاتية جهازًا خدميًا نشأ في فراغ الدولة. فقد حاولت التجربة ترجمة «الأمة الديمقراطية» إلى مجالس محلية، وتمثيل للمكونات، ورئاسة مشتركة، وتعليم متعدد اللغات، ومؤسسات للمرأة. وواجهت انتقادات بشأن الضرورات الأمنية والاعتقالات والتوتر مع بعض البيئات العربية وارتهان أمنها للمظلة الأميركية. لكن ذلك لا يسوغ اختزالها في كيان انفصالي أو محو إجابتها المختلفة عن سؤال العيش المشترك.
جاء قرار الحل بعد تحول حاد في موازين القوة. فقد تراجعت أولوية الشراكة الأميركية مع «قسد» بانتهاء المعارك الكبرى ضد «داعش»، ومالت واشنطن إلى تثبيت سلطة دمشق الجديدة، فيما أفقد الهجوم الحكومي مطلع عام 2026 «قسد» مساحات وأوراقًا تفاوضية مهمة. وعندما يقول المبعوث الأميركي توم باراك إن قيادة الرئيس دونالد ترامب مهدت للاندماج، يصبح الضغط الأميركي حقيقة سياسية معلنة، وإن لم يثبت صدور أمر مباشر بالحل.
وقد لا يقتصر هذا الدفع على الداخل السوري. فقد أفادت تقارير بأن واشنطن شجعت دمشق على التفكير في دور عسكري ضد حزب الله، بالتوازي مع ضغطها لنزع سلاح فصائل المقاومة العراقية. وقد ترى في الجيش الموحد أداة لضبط الحدود وقطع الممرات بين العراق ولبنان، وتطويق ما بقي من محور المقاومة. ولا دليل على خطة لمواجهة «الحشد الشعبي» داخل العراق، لكن تزامن الاندماج مع التحشيد الحدودي يثير السؤال: هل تعيد واشنطن تدوير القوة التي استخدمتها ضد «داعش» داخل جيش ترسم له وظيفة إقليمية تتقاطع مع مصالح الكيان الصهيوني؟ لقد كانت «قسد» شريك وظيفة لا شريك مصير؛ وحين تبدلت الوظيفة أعادت واشنطن ترتيب الورقة.
اندماج في جيش أي دولة؟
هنا تبرز أقسى مفارقات الصفقة: كيف لقوة تأسست لمواجهة «داعش»، وفقدت آلافًا من مقاتليها في الحرب عليه، أن تندمج في جيش تشكل عموده الأساسي من فصائل ذات خلفيات جهادية، ومن مجموعات قاتلت الكورد وارتبط اسم بعضها بانتهاكات في عفرين ورأس العين وغيرهما؟
فـ«قسد» لا تندمج في جيش وطني مكتمل التكوين، بل في بنية تشكلت من فصائل ينتمي عدد منها إلى الحقل السلفي الجهادي، وظل بعضها سنوات على قوائم الإرهاب الدولية. فجبهة النصرة، النواة الأساسية لـ«هيئة تحرير الشام»، خرجت من رحم «دولة العراق الإسلامية»، وكانت الفرع السوري لتنظيم «القاعدة»، قبل أن تدخل في صراع دموي مع «داعش» وتعلن فك ارتباطها بـ«القاعدة». غير أن صراع الورثة داخل التيار الجهادي لا يمحو وحدة المنبع الفكري، ولا يكفي تغيير الأسماء لإثبات مراجعة فكرية وتنظيمية مكتملة. ويزداد التناقض حدةً مع ضم وحدات «الهيئة» وحلفائها، وفصائل «الجيش الوطني» المدعوم من تركيا التي قاتلت الكورد وارتبط اسم بعضها بانتهاكات، فضلًا عن مقاتلين أجانب انتموا إلى تنظيمات متشددة.
لذلك لا يُقاس الاندماج الوطني بمجرد رفع علم واحد أو استبدال أسماء الفصائل بأرقام الفرق والألوية. السؤال هو: هل أُعيد بناء هذه التشكيلات وفق عقيدة عسكرية وطنية، وتدقيق مهني وقانوني، وسلسلة قيادة تحتكر الدولة قرارها بالفعل؟ وهل خضع المتورطون في الانتهاكات للمحاسبة، أم اكتسبت الفصائل شرعية الدولة من دون أن تتخلى عن عصبياتها وشبكاتها القديمة؟
إذا كان المطلوب من «قسد» وحدها أن تحل بنيتها وتسلم سلاحها وأوراقها، بينما تحتفظ قوى أخرى بقياداتها ونفوذها تحت الغطاء الرسمي، فنحن لا نكون أمام توحيد للجيش، بل أمام إعادة ترتيب لموازين القوة لمصلحة الفصيل الغالب. أما الاندماج العادل فيبدأ من معيار واحد يطبق على الجميع: حل الفصائلية بكل راياتها، وبناء جيش يحمي السوريين لا عقيدة جماعة أو هوية سلطة.
الأمة الديمقراطية: تبدل الأداة أم سقوط المشروع؟
لا يقدم مشروع عبد الله أوجلان الدولة القومية الكوردية غايةً للنضال، ولا يعتبر امتلاك جيش مستقل معيارًا للتحرر. جوهره تنظيم المجتمع من أسفل، وإتاحة المجال للكورد والعرب والسريان والأرمن وسواهم كي يديروا شؤونهم ويشاركوا بهوياتهم المتمايزة في فضاء سياسي مشترك. وقد دعا أوجلان، في «نداء السلام والمجتمع الديمقراطي» عام 2025، حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء السلاح وحل نفسه والاندماج الطوعي في الدولة والمجتمع، لكنه ربط ذلك بالاعتراف بالسياسة الديمقراطية وتوفير إطار قانوني لها.
من هذه الزاوية، لا يمثل حل «قسد» بذاته انقلابًا على الأمة الديمقراطية؛ فقد يكون انتقالًا من شرعية السلاح إلى شرعية السياسة، ومن حماية تجربة محلية بقوة عسكرية إلى محاولة إدخال مبادئها في بنية الدولة السورية. بل يمكن النظر إليه، إذا توافرت شروطه، بوصفه عودة إلى الفكرة الأصلية التي لا تسعى إلى بناء دولة داخل الدولة، وإنما إلى دمقرطة الدولة والمجتمع معًا.
غير أن المسألة تنقلب إلى نقيضها إذا كان ثمن وحدة الدولة هو حل المجتمع المنظم وإعادة كل السلطات إلى المركز. فالأمة الديمقراطية ليست اسم إدارة أو راية قوة عسكرية، لكنها أيضًا ليست خطابًا ثقافيًا منزوع المؤسسات. إنها مجالس منتخبة، وإدارة محلية فاعلة، ومشاركة في القرار والثروة، وتعدد لغوي وقومي، وتنظيم مستقل للمرأة. فإذا زالت هذه البنى ولم تنتقل مبادئها إلى النظام السوري، يكون الذي تغير هو المشروع لا أداته.
بين الاعتراف والاستيعاب
اتخذت دمشق خطوات لا يجوز إنكار أهميتها: اعترف المرسوم رقم 13 بالكورد جزءًا أصيلًا من الشعب السوري، وبالكردية لغة وطنية، وألغى آثار إحصاء 1962، ومنح الجنسية للمحرومين منها، واعتمد نوروز عطلة رسمية. ثم جاء تدريس الكردية ثلاث حصص أسبوعيًا وإدخال درجتها في المجموع لينقل الاعتراف جزئيًا من اللغة السياسية إلى التطبيق. كذلك عُيّن مظلوم عبدي مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية، وأُعلن انضمام إلهام أحمد إلى مجلس الشعب.
لكن إدخال شخصيتين إلى مؤسسات الحكم لا يعني بالضرورة إدماج قضية، كما أن المرسوم، مهما كان إيجابيًا، لا يعادل ضمانة دستورية. فصلاحيات مستشار الرئاسة لم تُحدد، والموقع البرلماني الفردي لا يعوض غياب تمثيل سياسي مؤسسي. والفارق كبير بين مشاركة الكورد في صياغة الدولة، وبين استيعاب بعض قادتهم بعد حل المؤسسات التي كانت تمنحهم وزنهم التفاوضي.
ويظهر الامتحان بوضوح أكبر في مصير وحدات حماية المرأة، التي يجري التفاوض على دمجها في وزارة الداخلية لا الجيش، وفي مستقبل الرئاسة المشتركة ومؤسسات المرأة والمجالس المحلية. كما يمتد إلى حق أبناء المنطقة في إدارة مواردهم، وعودة مهجري عفرين ورأس العين وتل أبيض، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات أيًا كانت راياتهم. فهذه ليست تفاصيل تنفيذية، بل المعيار الذي يفصل بين شراكة تعيد بناء الوطن واستيعاب يعيد إنتاج المركزية باسم الوحدة.
لا تحتاج سوريا إلى كيان منفصل في شمالها الشرقي، لكنها تحتاج إلى دستور يعترف بأن وحدتها لا تعني تطابق مكوناتها، وأن الدولة القوية ليست التي تحتكر كل قرار، بل التي تجعل مواطنيها شركاء في القرار. ومن دون نصوص تضمن اللامركزية الديمقراطية، والحقوق القومية واللغوية، والإدارة المحلية المنتخبة، ومكتسبات المرأة، ستظل المكاسب الحالية رهينة مراسيم السلطة وموازينها، ولا سيما في ظل إعلان دستوري انتقالي يمنح مؤسسة الرئاسة صلاحيات واسعة.
ربما اختار مظلوم عبدي وإلهام أحمد إنقاذ الممكن في لحظة اختلال قاسٍ لموازين القوة، ونقل المعركة من الأطراف إلى داخل مؤسسات الدولة. وستكون دمشق، لا سيرتهما وحدها، مسؤولة عن تحديد المعنى النهائي لهذا الاختيار: هل تتحول مواقعهما الجديدة إلى جسور تعبر فوقها التجربة نحو سوريا كلها، أم إلى مقاعد شرفية تمنح لقادتها بعد إنهاء أدواتها؟
لذلك، فالسؤال ليس ما إذا كان مظلوم وإلهام قد وصلا إلى دمشق، بل ما إذا كانت «الأمة الديمقراطية» قد وصلت معهما. فإذا انتقل حق الناس في تنظيم أنفسهم وإدارة حياتهم وصون هوياتهم ومشاركة المرأة إلى الدستور والمؤسسات، نكون أمام تبدل في الوسائل وتوسيع للمشروع. أما إذا ذابت هذه الحقوق مع «قسد» والإدارة الذاتية، فسيكون ما حُلَّ أكبر من قوة عسكرية؛ سيكون تجربةً حاولت، وسط خراب الشرق، إثبات أن الوحدة تُبنى بالاختلاف، لا على أنقاضه.




