رأي

من التجزئة الى التفتيت

كتب سمير حمدي في صحيفة العربي الجديد.

مع تصاعد محاولات الانفصال وتزايد مؤشّرات التشظّي في دول عربية مختلفة (الصومال، اليمن، سورية، ليبيا، السودان)، يعود السؤال عن أسباب تجذر التجزئة في المنطقة العربية، في مقابل تراجع النزعة الوحدوية التي هيمنت سابقاً على الخطابين العربيين، الرسمي والشعبي، على حد السواء.

الوضع في المنطقة العربية اليوم مرتبط بالتأكيد بالتقسيمات التي وضعتها اتفاقيات سايكس/ بيكو (1916) ومن بعدها اتفاقيات سان ريمو (1920) وعدم تماسكها، فضلاً عن سياسة الانتداب الإمبريالي، ولكن أيضاً بالسياسات الحكومية للدول العربية بعد الاستقلال، ثم بالتدخّل الخارجي في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.

إذا كان فرنسوا جورج بيكو ومارك سايكس هما رمز أشهر اتفاقية تقسيم للمنطقة العربية، وعلى الرغم من أنهما لم يكونا هما من قاما فعلياً بتقسيم المنطقة بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية، (مشاريع التجزئة سابقة عليهما وبالتأكيد استمرّت بعدهما)، إلا أن اتفاقيات سايكس بيكو قد شكلت، في المخيلة الجماعية، جزءاً من الشرق العربي كما هو عليه اليوم.

لفهم آثار هذه الاتفاقيات فهماً كاملاً، من الضروري أولاً التذكير بأن تلك الحقبة بأكملها كانت خاضعة لهيمنة الاستعمار، بكل ما يحمله من دلالات استراتيجية وأيديولوجية. فقد فرضت الإمبراطورية البريطانية ونظيرتها الفرنسية هيمنتهما السياسية على الشعوب العربية، وفرضتا أنماطاً قوية من التمثيل الأيديولوجي القائم على الإخضاع المنهجي للآخر، أو “السكان الأصليين” – أولئك الذين أطلق عليهم فرانز فانون اسم “معذبو الأرض”، كان هذا التشويه للواقع واسع الانتشار في المجتمعات الغربية لدرجة أنه بدا طبيعياً تقريباً.

غالباً ما يُنظر إلى اتفاقية سايكس بيكو على أنها وثيقة حددت الحدود الحالية للشرق العربي. ومع ذلك، خلافاً للاعتقاد السائد، لم يكن الهدف من هذه الاتفاقية تحديد حدود الدول، بل إنشاء مناطق نفوذ استعماري بين فرنسا والمملكة المتحدة في الأراضي العربية التابعة للإمبراطورية العثمانية، حيث سعت كل من فرنسا والمملكة المتحدة في المقام الأول لترسيخ هيمنتها على مناطق استراتيجية لأسباب اقتصادية وعسكرية. لم يكن الهدف ترسيم حدود ثابتة، بل تأمين مناطق نفوذ دائم حتى ما بعد الانسحاب العسكري وكان الضمان الوحيد لاستمرار النفوذ تأبيد التجزئة وإنشاء الكيان الصهيوني.

بهذا، تصبح الوحدة مستحيلة، بل قد تصبح أقصى الأمنيات ألّا تشتبك هذه الأجزاء المفتتة فيما بينها بصراعات تضع بأسها فيها. وإذا كانت الصراعات فيما بين هذه الكيانات التي قامت بصورة مصطنعة، سواء كانت صراعات على الحدود أو على مواقع النفوذ أو الزعامة أو نوع التبعية للخارج أو منافسات فيما بين أجزاء على أجزاء أخرى، فإن الكارثة اليوم تكمن في اندلاع النزاعات والحروب الأهلية داخل جغرافيا الدول القُطْرية نفسها، وهكذا تتصاعد النزعات الانفصالية في اليمن وسورية والسودان والصومال إلى الحد الذي أصبح معه الحفاظ على الحدود التي خلّفها الاستعمار مطلباً أساسياً.

أغلب الذين كانوا يحلمون بوحدة عربية لم يعودوا يذكرونها حتى بالكلام

ناهيك عن دور الدول الكبرى في التلاعب بالأنظمة من خلال هذه الصراعات، وناهيك عن طلب النجاة بالسلطة في الإقليم، ولو على حساب القضية الفلسطينية العادلة من خلال التطبيع مع الكيان (الدعم السريع والجيش السوداني كلاهما يعترف بالكيان الصهيوني وهو توجّه أرض الصومال) وسنرى من يفتعل الصراعات الجانبية ليثبّت سلطته (حالة منتشرة في المغرب العربي ولها نظائر في المشرق). وبهذا تتأجج اتجاهات الوطنية في كل جزء، ولكن ضد الأجزاء الأخرى وضد الوحدة العربية الشاملة، وليس ضد القوى الخارجية او العدو الصهيوني. ويُصار الى تأجيج الأحقاد الداخلية بين جماهير تلك الأقطار (ولو من اجل مقابلة كرة قدم) من خلال تعبئتها للانحياز الى قُطرها. ولن يخلو الأمر هنا وهناك من احتدام التوتر والاشتباكات. وقد تُراق دماء وتندلع معارك على الحدود أو من خلال عمليات إرهابية داخلية هدفها تعميق التجزئة. وبهذا تزيد عوامل استبعاد الوحدة أكثر من أي وقت مضى، وهل بعد هذا كله يمكن أن تحرّر فلسطين؟ وهل بعد هذا كله يمكن أن تتحقق تنمية، فضلاً عن بناء أنظمة تحترم حقوق الإنسان؟

أليس غريباً أن الأنظمة التي رفعت شعارات قومية وحدوية كانت الأكثر فشلاً في صيانة وحدتها الوطنية، وأفضت بعد سقوطها إلى ظهور نزعات التقسيم والتفتيت على أسس قبلية وطائفية وعرقية كما هو الحال في ليبيا وسورية والعراق؟ أليس غريباً أن أغلب الذين كانوا يحلمون بوحدة عربية لم يعودوا يذكرونها حتى بالكلام، وأن أغلب الذين كانوا يريدون تحرير فلسطين وإزالة الكيان الصهيوني سارعوا الى الاعتراف به وبحقّه في الأمن؟ تثبت الأحداث الجارية أن الخط الفاصل الذي رسمه المستعمر بقلم الرصاص على خريطة العالم العربي، لا يزال يترك أثراً في الأذهان، بسبب استمرار تأثيره في الوضعين، السياسي والجيوسياسي الحالي، في المنطقة العربية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى