من أبو ظبي إلى جنيف: المفاوضات الروسية – الأوكرانية تزداد صعوبة

كتب سعيد محمد, في الأخبار:
انتهت الجولة الأحدث من المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، بجلسة خاطفة عكست اتّساع الفجوة حول ترتيب الأولويات بين التنازلات الميدانية والضمانات الأمنية. ويأتي ذلك وسط تراجع ملحوظ في مستوى التمثيل الأميركي، جلّى الصعوبة التي تواجهها واشنطن في تدوير الزوايا الحاد
اختُتمت الجولة الأحدث من مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا في مدينة جنيف السويسرية، الأربعاء، بطريقة مفاجئة وسريعة، جلّت عمق الفجوة بين طموحات الطرفين، ومدى صعوبة توفيقها، إذ انتهت المفاوضات في يومها الثاني، بعد ساعتين فقط من بدئها، وهو ما عكس حجم العقبات الكأداء التي تعترض طريق الوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب الدائرة منذ أربع سنوات. وكانت عُقدت هذه الجولة بوساطة أميركية، وسط آمال في إحداث اختراق في جدار المواقف المتباينة، خصوصاً بعد تمهيد دبلوماسي مكثّف خلال الأسابيع الماضية، شهدته عواصم متعدّدة. لكنّ الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، وصف، عبر منصاته الرقمية، المحادثات بالشاقة والمعقّدة، متهماً الجانب الروسي بالسعي لعرقلة الوصول إلى حلول نهائية.
وشهد اليوم الثاني من الجولة الأحدث، تطوّراً لافتاً تمثّل في ابتعاد المبعوثَين الأميركيين الأساسيين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، عن طاولة المفاوضات، حيث اقتصر الحضور الأميركي على مسؤولين من مستويات دنيا. وأعطى هذا التخفيض في مستوى التمثيل، انطباعاً واضحاً بصعوبة تدوير الزوايا الحادّة بين الطرفين. وفي الجانب الآخر، ترأّس الوفد الروسي فلاديمير ميدينسكي، وهو شخصية قيادية معروفة بمواقفها القومية المتشدّدة، أثارت عودتها إلى واجهة المفاوضات حفيظة الجانب الأوكراني، الذي اعتبرها رسالة قاطعة من الكرملين بتمسّكه بمطالبه القصوى. وتحدّث ميدينسكي إلى وسائل الإعلام الروسية عن طبيعة النقاشات، واصفاً إياها بأنها «كانت صعبة وشاقة وتتّسم بالطابع العملي الصارم».
ومن الجلي أن أجواء محادثات جنيف اختلفت بشكل جذري عن الجولات السابقة التي استضافتها أبو ظبي بداية الشهر الجاري، والتي اتّسمت بالتركيز على الجوانب الفنية المباشرة، من مثل ترتيبات تبادل الأسرى وآليات مراقبة وقف إطلاق النار، وحقّقت نتائج إيجابية تجسّدت في عمليات تبادل فعلية على الأرض. في المقابل، انتقلت محادثات جنيف إلى مناقشة القضايا السياسية والسيادية البالغة التعقيد، وفي مقدمتها مصير الأراضي المتنازع عليها، خصوصاً في شرق أوكرانيا، ما جعل النقاشات تتسم بالحدة والتوتر والمواجهة الدبلوماسية المباشرة.
ويشكل إقليم دونيتسك، والمناطق الواقعة شرقي أوكرانيا عموماً، عقدة المنشار في مسار التفاوض ومحور الصراع المسلح، إذ تطالب موسكو بالاعتراف الدولي بضمّها هذه المناطق كشرط أساسي لإنهاء الحرب وتوقيع معاهدة السلام، في حين أظهر زيلينسكي استعداداً لقبول البحث عن حلول وسطية في هذا الإطار، طارحاً فكرة إنشاء منطقة منزوعة السلاح في دونيتسك، تنسحب منها القوات الروسية والأوكرانية لمسافات متساوية وتتوقف فيها الأعمال العدائية تماماً.
وتشترط كييف إقرار ضمانات أمنية صارمة وموثوقة من حلفائها الغربيين، والولايات المتحدة خصوصاً، قبل الإقدام على أيّ خطوة تتعلق بالتنازلات الميدانية أو الانسحاب من المواقع المحصّنة، إذ تعتبر القيادة الأوكرانية الترتيبات الأمنية الدرع الواقي للنظام في مرحلة ما بعد الحرب، والضامن الأساسي لمنع تجدّد الصراع وحفظ استقرار الدولة. وتشمل هذه الضمانات تزويد أوكرانيا بأسلحة متطورة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل فوري، وإقامة قواعد دعم لوجستي متقدّمة.
تتابع القوات الروسية عملياتها العسكرية المكثّفة في الجبهات الشرقية
على أن الإدارة الأميركية ما فتئت تدفع في اتجاه تقديم التنازلات الميدانية الأوكرانية كخطوة أولى، تليها مناقشة التفاصيل الخاصة بالضمانات الأمنية وترتيبات الحماية الدولية، وهو ما يواجَه باعتراض قاطع من القيادة السياسية والعسكرية في كييف، إذ يرى المسؤولون الأوكرانيون أن تنفيذ الانسحاب وتفكيك التحصينات الدفاعية قبل الحصول على حماية دولية موثوقة، سيمنحان القوات الروسية فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس، وإعادة تنظيم صفوفها، وشنّ هجمات جديدة مباغتة انطلاقاً من المواضع الاستراتيجية المتروكة.
وبحسب خبراء، فإن ترتيب تلك الخطوات يكتسب أهمية قصوى، وهو الذي سيحدّد مصير الاتفاق اللاحق وفعاليته على الأرض. ولا شكّ في أن إقرار الضمانات الأمنية وتفعيلها أولاً سيمنح كييف موقفاً تفاوضياً قوياً، ويطمئن الشارع الأوكراني إلى وجود مظلّة حماية دولية حقيقية وفاعلة تمنع تكرار الغزو العسكري، ويمهّد الطريق بالتالي لقبول تنازلات جغرافية صعبة باتت تحظى بقبول متزايد في الأوساط الشعبية الأوكرانية المُنهكة من استمرار الحرب القاسية والأزمات المعيشية المتلاحقة. ومن هنا، أبدى زيلينسكي مخاوفه من الوقوع في فخ الترتيبات المتسرّعة والحلول المنقوصة. وكتب في منشور على منصات التواصل الاجتماعي: «الضمانات الأمنية تأتي أولاً، وبعدها نبحث التسويات وتعديل الحدود».
وتترافق هذه المخاوف الأوكرانية مع تصريحات متتالية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يحمّل فيها أوكرانيا ورئيسها مسؤولية اتخاذ القرارات الحاسمة لإنجاح مساعي السلام. لكنّ زيلينسكي وصف تلك الضغوط الأميركية بأنها تكتيك تفاوضي، معرباً عن أمله في بقائها في إطار المناورات السياسية البحتة.
وتجيء هذه التطورات الدبلوماسية على وقع تصعيد عسكري متواصل على الأرض، إذ تتابع القوات الروسية عملياتها العسكرية المكثّفة في الجبهات الشرقية، ساعية لفرض وقائع ميدانية جديدة تعزّز موقفها التفاوضي، في حين تتعرض البنية التحتية الأوكرانية، وخاصة شبكات الطاقة، لضربات مركّزة، خلّفت أضراراً بالغة ودمّرت محطات التوليد الأساسية، وتسبّبت في انقطاع واسع النطاق للتيار الكهربائي والتدفئة، في ظلّ شتاء قارس البرودة. وتمثّل هذه التكتيكات الروسية محاولة صريحة للضغط على الحاضنة الشعبية الأوكرانية، ودفع القيادة السياسية نحو تقديم التنازلات المطلوبة في أسرع وقت، فيما تواجهها القوات الأوكرانية بتعزيز خطوطها الدفاعية، والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا العسكرية المتقدّمة والطائرات المُسيّرة لصدّ الهجمات وتكبيد القوات المهاجمة خسائر فادحة.
وفي حين غادرت الوفود مدينة جنيف عقب اختتام جلسة الأربعاء القصيرة إلى عواصمها، وسط عدم وضوح حول موعد الجولة القادمة، يعكس هذا التعثّر المؤقت حاجة الأطراف إلى مزيد من الوقت للتشاور مع القيادات العليا، ومحاولة إيجاد صيغ توافقية مبتكرة، تبقى رهن قدرة الوسيط الأميركي على إقناع الطرفين بجدوى التسوية. ومن جهتها، تراقب العواصم الأوروبية تطورات الموقف بحذر شديد؛ وهي أرسلت مستشارين ودبلوماسيين لعقد لقاءات جانبية في جنيف، وسط مساعٍ حثيثة لضمان دور فاعل ومؤثّر للقارة في صياغة أي ترتيبات أمنية مستقبلية في شرقها.




