رأي

معالم شبكات إقليمية اقتصادية جديدة: إيران متمسّكة بالشراكة مع الصين

لقمان عبد الله – الأخبار:

يعكس تعيين محمد باقر قاليباف مسؤولاً عن الملف الصيني، تمسّك طهران بتعميق شراكتها مع بكين، في مواجهة الضغوط الأميركية، ضمن مسار يربط بين التحوّلات الجيوسياسية وإعادة رسم خرائط التجارة والطاقة في غرب آسيا.

بعد يومين فقط من فشل زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى بكين، في انتزاع تنازلات صينية تتعلّق بإيران أو بمضيق هرمز أو حتى بشأن معظم القضايا الشائكة بين الولايات المتحدة والصين، جاء قرار القيادة الإيرانية تعيين رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، مسؤولاً عن ملفّ الشؤون الصينية، محمّلاً بالدلالات، إذ بدا واضحاً أن إسناد هذه المهمّة إلى قاليباف يؤشّر إلى نجاح العلاقة بين بكين وطهران في تجاوز «اختبار» دخول العامل الأميركي على خطّها، رغم محاولات واشنطن استثمار ملفاتها المشتركة مع الجانب الصيني للضغط على خصمها الإيراني وعزله سياسياً واقتصادياً. ويأتي تعيين قاليباف في وقت يتصاعد فيه الخطاب الإيراني الذي يربط بين المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وبين التحوّلات الجارية في النظام الدولي، وذلك عبر تقديم صمود طهران باعتباره جزءاً من مسار انتقال موازين القوة من الغرب إلى الشرق، وإعادة تشكيل ملامح منطقة غرب آسيا. وفي هذا الإطار، بدا استحضار قاليباف مقولة الرئيس الصيني، شي جين بينغ، عن أن «تحوّلاً غير مسبوق منذ قرن يتسارع في أنحاء العالم»، وتعليقه عليها بأن صمود الأمّة الإيرانية خلال سبعين يوماً أسهم في تسريع ذلك التحوّل التاريخي، محاولة لتكريس موقع إيران ضمن الرؤية الصينية – الروسية القائمة على تحدّي الهيمنة الأميركية والدفع نحو نظام جديد قائم على تعدّدية أقطاب.

ومن هنا، يعكس تعيين قاليباف توجّهاً إيرانياً نحو ترسيخ العلاقة مع الصين، والارتقاء بها إلى شراكة استراتيجية ترتبط مباشرةً بملفات الأمن القومي والطاقة والعقوبات والاقتصاد، وهو ما يفرض على الرجل الاضطلاع بدور سياسي وتنفيذي أوسع، في مرحلة يتعزّز فيها الرهان الإيراني على الشراكات مع الشرق لمواجهة الضغوط الغربية والحصار الاقتصادي. وإذ يكتسب التعيين دلالته أيضاً من خلفية قاليباف العسكرية وصلاته بمؤسّسات «الحرس الثوري»، في ما يجلّي إعادة ترتيب لمراكز القوة داخل الجمهورية الإسلامية، وذلك عبر الدفع بشخصيات ذات ثقل أمني وسياسي لتولّي إدارة الملفات الدولية الحسّاسة، فهو يُظهِر، على المستوى الاقتصادي، تركيز إيران على مشاريع الممرّات البرّية والسككية، وتحديداً مع الصين، باعتبارها بديلاً أو مكمّلاً لتلك البحرية – المهدَّدة بفعل أزمة مضيق هرمز والحصار البحري الأميركي -.

لا يمكن فصل تعيين قاليباف عن التوجّه الإيراني الأوسع نحو تعميق الشراكة مع الصين

وفي البعد الاقتصادي عينه، يندرج التوجّه الباكستاني الأخير نحو تقديم تسهيلات واسعة تشمل خفض الرسوم الجمركية على البضائع الإيرانية عبر ميناء غوادر، فيما يبدو تحويل مسار السفن الإيرانية من الموانئ الإماراتية إلى نظيرتها الباكستانية جزءاً من مسار أوسع لإعادة رسم خطوط التجارة والطاقة في غرب آسيا، ولا سيما في ضوء الدور الصيني المحوري في تطوير «غوادر» – تنظر إليه بكين باعتباره نقطة ارتكاز حيوية في بحر العرب – ضمن مشروع «الحزام والطريق»، والذي يوحي، إلى جانب التسهيلات وعمليات التحويل المُشار إليها، بتبلور محور لوجستي – اقتصادي ثلاثي يضمّ إيران وباكستان والصين. ورأت وكالة «فارس» أن باكستان تسعى من خلال هذه الخطوات إلى كسر الاحتكار الإماراتي لترانزيت البضائع الإيرانية، وتحويل الميناء المذكور إلى مركز تجاري إقليمي قادر على اجتذاب حركة التجارة والطاقة بين الصين وإيران وآسيا الوسطى، بما يعزّز موقع إسلام آباد في المعادلات الاقتصادية الجديدة التي تتشكّل في المنطقة. وبالفعل، تشير المعطيات المتداولة في إيران وباكستان إلى أن «غوادر» بدأ يتحوّل تدريجياً إلى بديل جزئي للموانئ الإماراتية، ولا سيما «جبل علي».

وبالعودة إلى تعيين قاليباف، فلا يمكن فصله عن التوجّه الإيراني الأوسع نحو تعميق الشراكة مع الصين، ولا سيما بعد توقيع البلدين عام 2021 اتفاقية استراتيجية تمتدّ لـ25 عاماً، تشمل مجالات الطاقة والبنى التحتية والاتصالات والنقل والموانئ والاستثمارات والتعاون الأمني والعسكري. وجاءت تلك الاتفاقية في ذروة الضغوط والعقوبات الأميركية على إيران، ما منحها بُعداً سياسياً يتجاوز الجانب الاقتصادي، وأظهرها باعتبارها محاولة إيرانية لكسر العزلة الغربية والاندماج في الفضاء الآسيوي الذي تقوده الصين؛ علماً أنه من بين أبرز أهدافها تحويل الأراضي الإيرانية إلى عقدة أساسية في الممرّات البرية والسككية التي تربط الصين بغرب آسيا وأوروبا. وفي هذا السياق، تنظر الصين إلى إيران بصفتها شريكاً محورياً في أمن الطاقة، خصوصاً نظراً إلى موقعها الجغرافي واحتياطاتها النفطية والغازية، فيما ترى طهران في بكين شريكاً قادراً على توفير الاستثمارات والتكنولوجيا والأسواق بعيداً عن النظام المالي الغربي. وخلال السنوات الأخيرة، توسّع التعاون بين البلدَين في مجالات الموانئ والسكك الحديد والطاقة والتبادل بالعملات المحلية، بالتوازي مع تنامي التنسيق السياسي داخل أطر إقليمية من مثل منظّمة «شنغهاي» ومجموعة «بريكس».

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى