رأي

مصافحة هل تقود لمصالحة بين الكوريتين؟

كتب كمال جاب الله في صحيفة بوابة الأهرام.

هي 3 مصافحات جرت وقائعها في أقل من أسبوعين، ولها علاقة مباشرة بتحقيق الأمن والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية. الأولى في واشنطن يوم 24 أغسطس الماضي، والثانية والثالثة في 3 سبتمبر الحالي على هامش احتفالات بكين بالنصر.

أبدأ بمصافحة رئيس الجمعية الوطنية في كوريا الجنوبية، وو وون-شيك، والزعيم الكوري الشمالي، كيم جونج-أون، اللذان تبادلا التحية لفترة وجيزة، قبل مشاهدة العرض العسكري المهيب في ميدان تيانآن مين، في الذكرى الثمانين لانتصار الصين.

للوهلة الأولى، قد تبدو المصافحة بين الزعيمين، وو وكيم، بروتوكولية، غير أنها قد تفتح طاقة نور، مهما كانت ضيقة، للخروج من نفق شديد العداء، مرت به الكوريتان على مدار سنوات، وربما تقود لمصالحة عرضها الجنوب بسخاء.

الحوار الذي جرى بين وو وكيم بدا عاطفيًا، يحمل قدرًا مما يمكن وصفه بالعتاب بين شقيقين، باعدت بينهما عداوة وحروب غير مبررة، حيث قال المسؤول الجنوبي للزعيم: “لقد مرت 7 سنوات منذ لقائنا”، ليرد كيم باختصار: “نعم!”.

في أثناء القمة التاريخية بين الكوريتين عام 2018، وعندما كان رئيس الجمعية الوطنية الكورية زعيمًا للكتلة البرلمانية الحاكمة وقتها، التقى مع الزعيم كيم، وشاركه تاريخ عائلته المشتتة، موضحًا أن والده من إقليم هوانج هيه الشمالي، وشقيقتاه لا تزالان تقيمان هناك، ووالدته التي تعيش في الجنوب تفتقدهما بشدة.

زيارة كيم لبكين هي الخامسة منذ بدء ولايته عام 2012، والمرة الأولى التي يظهر فيها على ساحة دبلوماسية متعددة الأطراف، وقد تصدَّرَ عرضًا عسكريًا بجوار الزعيمين الصيني والروسي، في مشهد رمزي أظهر ولادة جبهة موحدة بين بيونج يانج وبكين وموسكو ضد واشنطن، وسط تكهنات بأن توسيع التعاون العسكري بين بيونج يانج وموسكو ربما يضع ضغطًا، ويتسبب في تآكل نفوذ الصين على الشمال. إبان الحرب الباردة منذ 66 عامًا، حضر قادة كوريا الشمالية والصين وروسيا، كيم إيل-سونج، وماو تسي تونج، ونيكيتا خرشوف، عرضًا عسكريًا مماثلًا في بكين.

أنتقل للمصافحة الثانية، التي جرت في بكين يوم الأربعاء الماضي، بين المسؤول الكوري نفسه، والزعيم الروسي بوتين، وقد أبدى الأخير -بحسب ما ورد- اهتمامًا بالعلاقات بين الكوريتين، وبالقضايا المحيطة بشبه الجزيرة الكورية، وسأل وو “ما إذا كان يريد إيصال أي رسالة إلى كيم، إذا تم عقد قمة بين بيونج يانج وموسكو”.

ردًا على عرض بوتين السخي، أعرب السيد وو عن “أمله في أن تتمكن الكوريتان من فتح عصر من السلام والازدهار، وشدد على أهمية الجهود المشتركة في بناء السلام في شبه الجزيرة على الرغم من التحديات”. في وقت لاحق، ذكر الكرملين “أن وو وبوتين لم يعقدا اجتماعًا رسميًا، لكن ربما تبادلا تحية قصيرة”.

روسيا (أو الاتحاد السوفيتي السابق) كانت أول دولة تعترف رسميًا بكوريا الشمالية، عقب إعلان قيامها في 12 أكتوبر عام 1948، وبعد أن أدت الحرب الكورية إلى تقسيم شبه الجزيرة إلى الشمال الاشتراكي والجنوب الديمقراطي.

تتمتع بيونج يانج وموسكو بعلاقات وثيقة، بلغت ذروتها بتوقيع معاهدة للشراكة الاستراتيجية الشاملة، ترتب عليها قيام كوريا الشمالية بإرسال حوالي 15 ألف جندي إلى روسيا لدعمها في حرب أوكرانيا، وبلغت تقديرات الوفيات في صفوفها نحو 2000 جندي، ويرجح قيامها بإرسال 6 آلاف جندي آخرين في الفترة المقبلة.

أصل إلى المصافحة الثالثة التي جرت في البيت الأبيض يوم 24 أغسطس الماضي، بين الرئيس الكوري الجنوبي، لي جيه-ميونج، والرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.

لأنها القمة الأولى بقيادة كورية جديدة، تسلمت مهامها -باقتدار- في يونيو الماضي، وانتصرت فيها الديمقراطية على الفوضى، فقد برع الزعيم الكوري، لي، في تأكيد الدبلوماسية البراجماتية لإدارته، المرتكزة على التعددية والمصلحة الوطنية، وقام بعرض مخطط لتحالف إستراتيجي شامل ومستقبلي التوجه بين سول وواشنطن، بالإضافة لتعزيز التعاون الثلاثي بين كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة.

وجبت الإشارة هنا إلى أن الرئيس لي جيه-ميونج توقف في طوكيو وهو في طريقه إلى واشنطن، في خرق نادر للتقاليد الدبلوماسية، التي تكون فيها الولايات المتحدة أول وجهة خارجية للرؤساء الكوريين الجنوبيين الجدد. الهدف -بطبيعة الحال- تأكيد علاقات مستقرة بين سول وطوكيو، مع التطلع إلى استقرارها -كذلك- مع بكين، مع الإقرار بصعوبة تحقيق التوازن بين اعتماد سول أمنيًا على واشنطن، والحفاظ على علاقات تجارية وثيقة مع الصين، وسط تصاعد التنافس بين القوتين العظميين.

أعود إلى قمة لي-ترامب، حيث حظيت الأوضاع الشائكة في شبه الجزيرة الكورية، والعروض التصالحية السخية التي قدمها الشطر الجنوبي للشمال، باهتمام خاص.

فقد أعرب لي عن دعمه لجهود ترامب للقيام بدور صانع السلام، ولرسم مسار جديد للأمن والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية. ومن جانبه، أفصح ترامب عن توقعاته بأن يتمكنا -هو ولي- من إحراز تقدم في الدبلوماسية مع كوريا الشمالية.

الرئيس لي قال نصًا: “أتطلع إلى اجتماعك مع كيم جونج-أون، وبناء برج ‘ترامب’ في كوريا الشمالية، ولعب الجولف هناك”، مما أثار ابتسامة ترامب!

الرئيس ترامب التقى بالزعيم كيم 3 مرات خلال ولايته الأولى: في سنغافورة في يونيو 2018، وفي هانوي في فبراير 2019، وفي قرية الهدنة، بانمونجوم، في يونيو 2019. في الوقت نفسه، استضافت العاصمة الشمالية، بيونج يانج 3 قمم بين الكوريتين في أعوام 2000، 2007، و2018. وفي السنة نفسها، 2018، استضافت قرية الهدنة قمتين تبادليتين على خط ترسيم الحدود بين الشطرين.

في مقابلة مع صحيفة يوميوري شيمبون اليابانية، صرح الرئيس لي بأنه سيسعى لتنفيذ خطة ثلاثية المراحل لنزع السلاح النووي لكوريا الشمالية، تهدف إلى إقناع بيونج يانج: بتجميد برنامجها النووي، ثم تقليصه، ثم تفكيكه في نهاية المطاف.

وسط كل هذه الأجواء الدبلوماسية، المليئة بالمصافحات، والمبادرات التصالحية، والوساطات بين الكوريتين، أنهي بتصريح بالغ الدلالة لمستشار الأمن القومي الكوري الجنوبي، وي سونج-راك، مؤكدًا “عدم وضع توقعات عالية بشأن إجراء محادثات بين بيونج يانج وواشنطن، أو بين الكوريتين والولايات المتحدة، لأن كوريا الشمالية تتخذ موقفًا سلبيًا للغاية، ولا تبدو في هذه المرحلة مستعدة للجلوس على طاولة المحادثات، ورفع سقف التوقعات قد يعرقل أي استجابة من جانبها!”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى