رأي

مسيّرات روسية فوق بولندا: موسكو تختبر دفاعات «الناتو»

استدعى اختراق مسيرات روسية للمجال الجوي البولندي استجابة عسكرية من “الناتو”، فيما طلبت وارسو عقد اجتماع تشاوري للحلفاء وجلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي.

كتب سعيد محمد, في الأخبار:

لندن | مثّل اختراق عدد من الطائرات المسيرة الروسية للمجال الجوي البولندي (ليلة الأربعاء)، وتفعيل آليات الرد العسكري والسياسي لـ«حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، لحظة تصعيد كادت تتجاوز كونها مجرّد حادث حدودي عابر. إذ نقل هذا الحادث الصراع من إطار الحرب بالوكالة الدائرة على الأراضي الأوكرانية بين روسيا والتكتل الغربي بقيادة الولايات المتحدة، إلى بوابة مرحلة الاشتباك المباشر – وإن بنسق محدود ومضبوط هذه المرة – مع البنية الأمنية والعسكرية لـ«الناتو» في جناحه الأوروبي.

الرواية الرسمية البولندية – والغربية على وجه العموم – وصفت دخول ما يقارب 19 طائرة مسيرة إلى العمق البولندي، بأنه «استفزاز متعمد»، في حين نفت روسيا وجود أي نية لاستهداف الأراضي البولندية، مشيرة إلى غياب الأدلة على المزاعم البولندية. لكن بيلاروسيا، الحليف الإقليمي الرئيسي لموسكو، أعلنت أنها أسقطت أيضاً عدداً من المسيرات الروسية التي انحرفت عن مساراتها بسبب تشويش الإشارات الإلكترونية. ويقول خبراء إن فرضية الخطأ التقني المحض من قبل الجيش الروسي، ممكنة نظرياً في بيئة حرب إلكترونية نشطة، لكن آخرين يرون أن عدد المسيرات الكبير يبدو أقرب إلى تكتيك يندرج في إطار الأنشطة الرمادية، التي رغم عدائيتها تظل تحت عتبة الحرب التقليدية.

ومن المعلوم أن بولندا عضو في «الناتو»، ما يعني أن تعرضها لهجوم مسلح يستدعي رداً عسكرياً شاملاً من قبل الحلف، أي تفعيل المادة الخامسة من ميثاق «الناتو» التي تنص على أن أي هجوم مسلح ضد أي من دول الحلف، سواء في أوروبا أو أميركا الشمالية، يُعتبر هجوماً ضد جميع الأعضاء.

لكن الفرضية الأكثر ترجيحاً هي أن الحادثة لم تكن مقدمة لعمل عدائي واسع، بقدر ما هي «اختبار استراتيجي» روسي متعدد الأوجه لقياس الجاهزية العملياتية لـ«الناتو»، وجمع معلومات استخباراتية إلكترونية وعملياتية حول شبكة الدفاع الجوي المتكاملة للحلف في واحدة من أكثر نقاطه قرباً من الأراضي الروسية. ولا شك في أن موسكو تابعت سرعة استجابة الرادارات الأرضية والجوية، والوقت الذي استغرقه إصدار الأوامر للمقاتلات للتحرك من القواعد العسكريّة عبر أوروبا.

إلا أنه على مستوى ما، فإن المسيرات حملت رسالة مفادها أن استمرار تدفق الأسلحة الغربية عبر بولندا (وخاصة مطار جيشوف)، واستخدام أراضيها كعمق لوجستي واستخباراتي لدعم المجهود الحربي الأوكراني، يحمل في طياته مخاطر توسع نطاق العمليات العسكرية، وقد يفرض عليها تكاليف مباشرة.

كشفت الحادثة مجدداً عن مركزية الدور الأمريكي كضامن أمن نهائي لأوروبا

على أي حال، جاءت استجابة «الناتو» – وفق مصادره الرسمية – سريعة ومنضبطة، حيث تم اعتراض وإسقاط عدد من المسيرات المزعومة تأكيداً على ما يبدو لمصداقية الردع، بينما نفد الوقود من المسيرات الأخرى أو تحطمت لوحدها، مع الإبلاغ عن خسائر مادية طفيفة في خمس قرى على الأقل في شرق بولندا ووسطها.

وشاركت طائرات مقاتلة هولندية وإيطالية مع مقاتلات بولندية في العملية، فيما أغلق مطار شوبان في وارسو لوقت قصير. وأكد متحدث باسم الحلف أن «هذه هي المرة الأولى التي تتعامل فيها طائرات الناتو مع تهديدات روسية محتملة في المجال الجوي للحلفاء»، لكنه أشار، في تصريح لاحق، إلى أن قيادة الحلف لا تتعامل مع الحادث على أنه هجوم متعمد «ولا توجد لدينا مؤشرات فورية تدفع إلى تفعيل المادة الخامسة».

وفي بروكسل، وصفت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، الحادثة بالانتهاك «المتهور وغير المسبوق» للمجال الجوي لبولندا، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، فيما حث الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، موسكو على «وضع حد لهذا التصعيد المتهور».

ومن جهته، اعتبر دونالد توسك، رئيس الوزراء البولندي، أن هجوم المسيرات جعل الغرب وروسيا «أقرب إلى حرب مباشرة أكثر من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية»، ودعا إلى اجتماع طارئ لحلفاء «الناتو» بغرض التشاور، ولكنه أكد لمواطنيه أنه لا داعي لذعرهم، مضيفاً: «يمكنني القول إن هذا الاختبار الأول لجيشنا وحلفائنا، والإجراءات المعدة لمثل هذا الهجوم قد تم اجتيازها بنجاح، وتبين أن خطط الاستجابة تعمل جيداً». كما طلبت وارسو، رسمياً، عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي – رغم معرفتها المسبقة بأن موسكو ستستخدم حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار -، وذلك بغرض خلق سجل قانوني وسياسي رسمي حول الهجوم يمكن البناء عليه مستقبلاً.

وفي التقييم السياسي، فإن الحادثة كشفت مجدداً عن مركزية الدور الأمريكي كضامن أمن نهائي لأوروبا، إذ إن شبكات القيادة والسيطرة والاستخبارات التي أدارت عملية الاعتراض تعتمد بشكل كبير على الأصول العسكرية الأميركية المنتشرة عبر القارة، فيما وجدت فيها كييف فرصة استراتيجية لتدعيم سرديتها عن أن الصراع لا يتعلق بأوكرانيا حصراً، بل هو تهديد مباشر للأمن الأوروبي. كذلك، أنبأت الواقعة بأن خطر حدوث أخطاء في الحسابات أو سوء تفسير للنوايا ما يزال قائماً، وهو ما قد يضع جميع الأطراف على حافة مواجهة أوسع.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى