أبرزرأي

مجلس السلام… مقامرة الشرق الأوسط الكبرى

عبدالكريم عويضة – العرب:

مجلس السلام مقامرة كبرى يقودها ترامب بين فرص إعمار غزة واستقرارها ومخاطر فشل قد يعيد المنطقة إلى دوامة الحرب والفوضى مجددًا.

في خطوة وُصفت بالتاريخية والخطيرة في آن واحد، انطلقت يوم الخميس 19 شباط – فبراير أولى جلسات “مجلس السلام” في واشنطن برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حاملةً معها آمالًا عريضة لغزة المنكوبة، ومخاوف عميقة من تدويل الملف الفلسطيني على حساب الحقوق المشروعة. الاجتماع الذي جمع ممثلين عن 45 دولة، وشهد تعهدات مالية تجاوزت 17 مليار دولار، وإعلانًا عن تشكيل قوة دولية لحفظ الاستقرار، يضع المنطقة أمام مفترق طرق مصيري: إما فجر جديد يسحب غزة من كابوس الحرب، أو واقع جديد يصادر أحلام شعب بكامله.

طالما عانى الملف الفلسطيني من غياب أفق سياسي واضح، بل من إهمال دولي كامل لا مجال للخوض في أسبابه هنا. ولا شك أن اجتماع مجلس السلام يقدم لأول مرة إطارًا تنفيذيا متكاملا. التعهدات المالية الضخمة التي قادتها الولايات المتحدة بـ10 مليارات دولار، وتلتها دول خليجية كبرى كالإمارات وقطر والسعودية والكويت، تخلق أملا حقيقيا في إعادة بناء ما دمرته الحرب. إنها رسالة مفادها أن المجتمع الدولي مستعد لوضع أمواله حيث يضع وعوده.

نجاح المجلس يعني فتح مسار جاد لإقامة الدولة الفلسطينية أما فشله فيعني انهيار الثقة الدولية وتحول غزة إلى بؤرة صراع أكثر شراسة

ومن وجهة نظري، أن الأهم من المال هو الجانب الأمني. وإن تشكيل قوة دولية من 20 ألف جندي بقيادة أميركية، وبقوة أساسية إندونيسية، بمشاركة من الدول العربية والإسلامية، إلى جانب تدريب مصري – أردني لشرطة فلسطينية جديدة، يمثل نقلة نوعية. وستعمل هذه القوة -حسب الهدف المعلن- على منع عودة الفوضى وضبط السلاح وتمكين مؤسسات مدنية من استلام زمام الأمور. نجاح هذه الآلية يعني انتشال غزة من براثن الجماعات المسلحة وفتح الباب أمام استقرار إقليمي ينعكس إيجابا على الاقتصاد والتنمية.

كنت قبل فترة قد كتبت مقالاً بعنوان “لنتجاوز ونتقدم للأمام”، ولا زلت أعني ما أقول. فإطلاق مجلس السلام، برغم كل الانتقادات الموجهة إليه، يمثل خطوة للأمام تثبت جدية الرئيس ترامب في ما يتعلق بهذا الملف المعقد. ولا زلت أُصرّ أنه في الوقت الحالي هذه هي الطريقة الأمثل للتقدم، لأن هناك اعتبارات واقعية يجب النظر إليها بجدية، وأطرافا رئيسية تتحمل مسؤولية التعطيل الذي طال أمده، ويجب التعامل معها بطريقة مختلفة. ومن وجهة نظري، هذه أهم مبادرة من رئيس أميركي منذ فترة طويلة جدا لمعالجة قضية غزة، والتي تُعتبر عقبة رئيسية أمام أي اتفاق سلام إسرائيلي – فلسطيني.

وتقوم هذه المبادرة على خلق السياق السياسي لإقامة الدولة الفلسطينية عبر إيجاد مسار جاد وموثوق لذلك، حيث نجح ترامب في اعتمادها في مجلس الأمن الدولي على الرغم من التحفظ الروسي والصيني، وكذلك بناء تحالف كبير لدعم خطته، بحيث أصبح هذا التحالف يعتمد على دول إسلامية وعربية من المنطقة والتي وافقت أيضا على استثمار أموالها وثقلها السياسي فيها، وبعضها وافق على إرسال قوات تحت مسميات مختلفة.

الأيام المقبلة وحدها كفيلة بكشف إن كان هذا المجلس سيقوم بعمل ما يلزم لإنجاح المرحلة الثانية، أم أنه سيكون مجرد نعوة جديدة على قبر السلام في غزة

أمامنا سيناريوهان بسيطان متناقضان:
الأول، النجاح: وهو مشروط بتمكن المجلس من تجاوز العقبات الإسرائيلية عبر استمرار الضغط الاقتصادي الخفي، ودفعها للانسحاب الحقيقي، وإلزام حماس بما يتوجب عليها لفسح المجال أمام اللجنة التكنوقراطية، وتسليم السلاح، وعودة السلطة الوطنية الفلسطينية لمكانها ودورها الطبيعي لربط أجزاء الدولة ببعضها. عندها قد نرى غزة تتحول من أكبر بؤر التوتر إلى نموذج إقليمي يُحتذى به.

الثاني، الفشل الذريع: إذا واصلت إسرائيل وحماس عرقلة التنفيذ عبر خروقاتهما ومماطلتهما، وإذا بقيت التعهدات المالية حبرا على ورق، فإن المجلس سينتهي إلى فشل مدوٍ يضرب مصداقية كل الأطراف. وفي السيناريو الأسوأ، قد يتحول هذا الفشل إلى وقود لحرب جديدة أكثر شراسة.

مجلس السلام هو مقامرة الشرق الأوسط الكبرى، وترامب يقودها بذكاء لافت يستخدم فيه الاقتصاد والمال كسلاح رئيسي لنزع سيطرة الطرفين على الصراع. نجاحه يعني فجرا جديدا، وفشله يعني إعادة عقارب الساعة إلى الوراء سنوات ضوئية. ولكنني، برغم كل التعقيدات، أميل للسيناريو الأول وأرى أن هذه الآلية رغم عيوبها هي السبيل الوحيد المتاح حاليا لكسر الجمود والتقدم للأمام، وأن الرئيس الأميركي وكل من يشاركه في هذا المجلس لن يسمحوا له بالفشل.

الأيام المقبلة وحدها كفيلة بكشف إن كان هذا المجلس سيقوم بعمل ما يلزم لإنجاح المرحلة الثانية، والتي ستقود إلى تنفيذ باقي بنود الخطة العشرين، وتحقيق الهدف النهائي وهو إيجاد مسار جاد وموثوق لإقامة الدولة الفلسطينية وإحلال السلام في الشرق الأوسط، أم أنه سيكون مجرد نعوة جديدة على قبر السلام في غزة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى