مجدَّداً… عن الأزمة الفرنسية مع الجزائر

كتب محمد سي بشير, في العربي الجديد:
عاد وزير الداخلية الفرنسي السابق، برونو ريتايو، إلى موضوعه المفضّل، وكأنّه وزيرٌ مفوَّض بالحديث الحصري عن الجزائر، واضعاً أمام المُحلِّلين إشكالاتٍ كثيرة صنعت التوتّر وما زالت قائمة، يريدها الفرنسيون دائماً ساخنةً، ربّما في أفق مفاوضاتٍ ستكون مُعقَّدةً بين وزيرَي داخلية البلدَيْن، في حال جاء وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر كما يُنتظر، بدعوة من نظيره الجزائري. من البداية، لا يمكن التّعامل مع أزمة بين دولتَيْن بالتبسيط الذي نرى بعضهم يتعامل به عند الحديث عن الأزمة مع فرنسا، فيجعلها مقتصرةً على هذا الوزير السابق، باعتباره الفاعل الوحيد الُمؤثِّر، وكأنّ الدولة الفرنسية ليس فيها مؤسّسات، وكأنّ ريتايو حينها لم يكن وزيراً في حكومة، وفوقه هرمياً في المسؤولية شخصيَّتان محوريَّتان، دستورياً رئيس الحكومة والرئيس الفرنسي، بصلاحيات تفوق صلاحياته، وكأنّ فرنسا، أيضاً، في المقام الثالث دستورياً، ليس فيها رقابة برلمانية وقوانين كان بإمكانها أن توقف تصرّفات وزيرٍ ما إذا صدر منه ما ليس في دائرة ما يتمتّع به من صلاحيات، وما يُعهد إليه من مهام، باعتبار أنّه مُخوَّل بإدارة شؤون وزارة الداخليّة في إطارٍ تنفيذي ليس إلّا.
بالإشارة إلى الوزير ريتايو، هو شخصية سياسية من اليمين الجمهوري (الحزب الذي ينتمي إليه)، وفي منافسة للوصول إلى رئاسة حزبه. كما يُعرَف في الأوساط السياسية الفرنسية بتوجّهاته اليمينية المعادية للمهاجرين، إسلاموفوبي حتى النخاع، إضافةً إلى شخصيته المناورة، وفق معارفه في الأوساط السياسية، من دون إغفال أنّه يطمح إلى الترشّح لرئاسيات 2027، وينافس شخصيات من حزبه ومن القطب اليميني الذي يشمل اليمين الجمهوري واليمين المتطرّف. ومنافسوه، في هذا الإطار، هم كزافييه برتراند ولوران فوكييه وجيرالد دارمانان (من حزبه)، وإيريك زمور (حزب استرداد)، وماريون مارشال لوبان (مستقلّة)، وجوردان بارديلا ومارين لوبان (من التجمّع الوطني، الجبهة الوطنية سابقاً، وهو يمين متطرّف)، وذلك في حال لم تُمنَع مارين لوبان بعد تقديم الاعتراض من الترشّح بسبب تورّطها في قضية فساد، وتنتظرها أحكام قضائية في هذا الشأن.
في النتيجة، يتحمّل ريتايو بعض المسؤولية في إدارة الأزمة مع الجزائر بسبب ملفّات الهجرة، وتعلّق عملية الطرد لدبلوماسيين فرنسيين من الجزائر بقطاعات تقع في إطار صلاحياته، كما أوضحت الجزائر، إضافةً إلى تصدّره منصّات إعلامية متشدّدة، إذ يحلّ ضيفاً، بصفة تكاد تكون يومية (حينما كان وزيراً وحالياً بصفته قائد اليمين الجمهوري)، على الإذاعات ونشرات الأخبار في قنوات فرنسية، بلغة خطاب يتحدّث بها عندما يتعلّق الأمر بالجزائر، وتتراوح بين عبارات العقوبات والردود الصارمة واستخدام ضمير “الأنا”، وكأنّه يشير إلى أنّه المُخوَّل بإدارة ملفّ الأزمة مع الجزائر.
وهو، في هذا، يستلهم خُطى وزير الداخليّة الأسبق، نيكولا ساركوزي، قبل ترشّحه للرئاسة وفوزه بعهدة وحيدة (2007-2012)، بعد استخدامه للاستراتيجية ذاتها في استفزاز المهاجرين، وبلغة فجّة كلّها إسلاموفوبيا وأفكار يمينية متطرّفة في حملته الانتخابية ثم طوال عهدته الرئاسية. وهو في الحقيقة ليس وحده في هذا المقام، بل معه كثير ممّن يظنّون بأنّ التوجّه اليميني، خاصّةً إعلامياً وخطابياً، كفيل بفتح الباب واسعاً لطموحات انتخابية كانت (ولا تزال) تجرّ إلى محاكاة سلوك ساركوزي إلى درجة أنّ لغة الاتصال ومقاربات تنظيم الحملات الانتخابية أصبحت في المقاس يمينية، وفي اتجاه معيّن تحوّل نحو هذه الأيديولوجيا، وريتايو يتبع القاعدة في هذا، ويحاول سلوك مسار مرسوم، شكلاً ومضموناً، للوصول إلى تحقيق طموحاته السياسية، ولو على حساب تخريب علاقات استراتيجية مع الجزائر.
السياسة الفرنسية إزاء الجزائر ليست من فعل ريتايو، بل هو وجهها الإعلامي في مخطّط مدروس من السلطات الفرنسية
إذا استقرّ هذا في أذهاننا بشأن ريتايو ومسؤوليته في افتعال (ثمّ إدارة) الأزمة مع الجزائر، فإنّ ثمة حقائق يجب ألا تخفى على أحد في التعامل مع الأزمة نفسها من هذا المنطلق، إذ تفيد الحقيقة الأولى بأنّ الرئيس ماكرون، بإدارته السياسة الفرنسية تجاه الجزائر، هو من أوصل العلاقات إلى المأزق الذي هي فيه، سواء بوعوده غير المنجزة، خصوصاً في ملفّ الذاكرة التي تراوح تعاملُه معها بين إعلان مسؤولية فرنسا عن المجازر واعتبار الاستيطان جريمةً ضدّ الإنسانية (من الجزائر)، في حملته الانتخابية لعام 2017، وصولاً إلى إقرار لجنة مشتركة جزائرية فرنسية لتصالح الذاكرة، لم تفلح إلّا في التململ والتلاعب، مروراً بتصريحاتٍ مسيئةٍ لتاريخ الجزائر نقلتها عنه “لوموند”، وفرضت آنذاك استدعاء السفير الجزائري للتشاور في خطوة امتعاضية من تلك السياسة الضبابية كلّها إزاء ملفٍّ رمزيٍّ، لكنّه حيويٌّ واستراتيجيٌّ للجزائر مع فرنسا. وتشير الحقيقة الثانية إلى طبيعة النظام السياسي الفرنسي الذي تحكمه نصوص دستورية ترفع من شأن الرئيس إلى حجم إمبراطور، وهي بذلك تلقي بالمسؤولية في الأزمة مع الجزائر على عاتق الرئيس وليس ريتايو، الذي يتصرّف وفق أجندة تُرسَم في قصر الإليزيه، ويعلم ماكرون بأنّ منطلق الأزمة هي سياساته، ثمّ قرار فرنسا بالخروج عن مسلّمة التوازن في العلاقة مع قاطرتَي المنطقة المغاربية، الجزائر والمغرب، بإعلانه الاعترافَ الفرنسي بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية.
كما تشير الحقيقة الثالثة إلى أنّ قرار طرد 12 دبلوماسياً جزائرياً، في خطوة مماثلة لقرار الجزائر المشار إليه، لم يُعلن في بيان للداخلية الفرنسية في فترة ريتايو، بل جاء بمرجعية بيان يحمل توقيع الرئيس ماكرون، ممّا يُرجِّح بأنّ فرنسا الدولة، في شخص من يمثّلها في قصر الإليزيه، هي من اتّخذت القرار وليس ريتايو، الوزير السابق، على الرغم من تصدّره (كما قلنا) المشهد الإعلامي، وتحمّله كثير من تبعات إدارة الملفّ، ولكن في إطار تناغمي مع الرئاسة وبأوامر من ماكرون، الشخصية التنفيذية الأولى فيما يتعلّق بالدبلوماسية والشؤون الخارجية.
الحقيقة الرابعة في هذا الإطار، فهي تتّصل بطبيعة الشخصية التي اُختيرت لإعادة المياه إلى مجاريها بداية إبريل/ نيسان الماضي (2025)، أي وزير الخارجية جان نويل بارو، باعتبار أنّ الملفّ يقع ضمن صلاحياته، وهو المُخوَّل من ماكرون للتفاوض مع الجزائر على النقاط التي تضمّنها بيان الرئاستَيْن الجزائرية والفرنسية في أعقاب مكالمة هاتفية بينهما، ما يدلّل على أنّ ريتايو، وزير الداخلية آنذاك، ليس هو الفاعل المُؤثِّر في الأزمة الحالية، بل فاعل من بين فواعل كثيرة أُعطيت له مهمّة إدارة الملفّ باعتبار صلاحياته في ملفّات الهجرة، إذ كان الأمر متعلّقاً بمن يُفترض أنهم جزائريون ومطرودون من فرنسا، إضافةً إلى ملفٍّ آخر حسّاس هو ملفّ المُؤثِّرين الجزائريين الذين ألقت الشرطة الفرنسية القبض عليهم لمخالفات خاصّة، بسبب بثّهم محتوياتٍ عنيفةً في منصّات التواصل الاجتماعي في العلاقة مع المعارضين الجزائريين المقيمين في الخارج.
ملفّ الذاكرة بالنسبة إلى الجزائر أصبح الملفَّ الذي تُقاس به درجة التواصل مع باريس
عند وضع تلك الحقائق معاً، يتّضح أنّ السياسة الفرنسية إزاء الجزائر ليست من فعل ريتايو أو مؤسّسة وزارية تُعنى بإدارة الشؤون الداخلية في فرنسا، ولكنّه الوجه الإعلامي لها، وفي خلفية ما قام به من تأجيج الوضع والاستمرار في الحديث صباحَ مساء، منذ أشهر، عن الجزائر، إنّما هو مخطّط مدروس من السلطات الفرنسية التي تواطأت لإفشال عمل لجنة تصالح الذاكرة، وخالفت وعود الإبقاء على التوازنات في التعامل مع منطقتنا المغاربية بالابتعاد عن الإدلاء بموقف بشأن قضية الصحراء الغربية، لتكون تلك السياسة، في نهاية الأمر، متوافقةً، من ناحية، مع الأسس الدستورية في إعطاء الرئيس الدور المحوري في السياسة الخارجية، ومن ناحية أخرى مع التوجّهات التي أرساها ماكرون منذ صعوده سدّة الرئاسة، وهي فتح الباب واسعاً أمام الأيديولوجية اليمينية لتكون هي الواجهة السياسية لفرنسا. وهو ما سمح لمارين لوبان بالصعود مرَّتَيْن متتاليتَيْن إلى الدور الثاني للرئاسات (في 2017 وفي 2022)، ليكون الاختيار بالنسبة إلى الناخبين الفرنسيين بين رئيسٍ جمهوري بخلفية المساندة الرأسمالية (البنوك ورؤس الأموال)، وصعود اليمين المتطرّف إلى الإليزيه، وليكون الحسم لما يُسمَّى بالانتخاب المُوجَّه لحماية الجمهورية من عائلة لوبان (كان لوبان الوالد الراحل، رئيس الجبهة الوطنية، أوّل من تأهَّل من اليمين المتطرّف إلى الدور الثاني أمام شيراك في 2002) واليمين المُتطرِّف.
في النهاية، تُدار الأزمة بين الجزائر وفرنسا من ماكرون لتحقيق مآرب سياسية لا تخفى على أحد، في محاولة لاحتواء الندّية التي أضحت المقاربة التي يتمّ التعامل بها مع العنجهية الفرنسية، سواء في الجزائر أو في الساحل وغرب أفريقيا، حيث طُرد الجنود الفرنسيون واضطرّت فيها فرنسا إلى الانسحاب وترك فراغ استراتيجي تسعى بعض القوى إلى ملئه (روسيا، تركيا، إيران والصين).
بالنسبة إلى الجزائر، الأزمة أعمق، حيث مع تقدّم اليمين المُتطرِّف، هناك حنين إلى ماضٍ استعماري ما تزال بعض النُّخب في فرنسا تحتفظ به، وتحاول أن تبرزه كلّما حانت الفرصة للتغطية، بصفة خاصّة، على ملفّ الذاكرة الذي هو بالنسبة إلى الجزائر، من ناحية أخرى، أضحى الملفَّ الرمز الذي تُقاس به درجة الحميمية والتواصل بين الجزائر وباريس. وبالنظر إلى حجمه، لم يكن ريتايو يملك، في إدارته الأزمة، إلّا جانباً إعلامياً، وآخر متعلّقاً بالهجرة والتأشيرات، بأوامر ماكرون وتحت إشرافه من قصر الإليزيه.




