لماذا يجمع السياسيون في لبنان على تأجيل الانتخابات؟

خاص موقع ” رأي سياسي “:
تُلخّص المشهدية الماثلة أمام مبنى البرلمان اللبناني كواليس السياسة الحقيقية خلف الأبواب المغلقة؛ رجال سياسة ينتمون إلى شرائح وكتل متنافسة يتشاركون مظلة واحدة في يوم ممطر، بينما تُركت على الأرض لافتة «تأجيل الانتخابات» طريحة الذهول. هذه الصورة ليست مجرد لقطة عابرة، بل هي الاختزال الفعلي للواقع الراهن: توافق غير معلن وحاجة مشتركة تجمع الخصوم والأعداء المفترضين على خيار تجميد العملية الديمقراطية وتأجيل صناديق الاقتراع إلى أفق غير معلوم.
ينطلق هذا التوجه من قراءة سياسية واضحة تدرك أن القوى النافذة والمعارضة على حد سواء ليس لها مصلحة واقعية في خوض الاستحقاق الانتخابي في الوقت الحالي. ففي ظل الانهيار المالي المتمادي، يخشى الجميع من أي محاكمة شعبية قد تغيّر الموازين النيابية أو تقلّم أظافر الكتل الحالية. لقد أوجد الانهيار المعيشي حالة عامة من الاحتقان لا تميّز بين حزب وآخر، مما يجعل من الاحتفاظ بالحجم الحالي داخل المجلس خيارًا آمنًا بدلًا من الانزلاق إلى مغامرة انتخابية غير محسوبة النتائج قد تفرز مفاجآت صادمة للجميع.
تأتي التطورات العسكرية والنزوح في مناطق الجنوب والبقاع والضاحية لتستكمل هذه المشهدية؛ إذ تُرفع شماعة «تعذّر تأمين السلامة العامة» و«عدم تكافؤ الفرص» كغطاء سياسي مريح ومقبول من جميع الأطراف. وهي حجة تُقنع الشارع ظاهريًا، لكنها في الباطن توفّر على القوى السياسية كلفة خوض الحملات المجهدة، وتجنّب المواجهة المباشرة مع جمهورها الغاضب من تراجع الخدمات وغياب التغطية الاجتماعية. فالهروب من الاستحقاق تحت عنوان المخاطر الأمنية يمنح المنظومة صك غفران مؤقتًا، يستبدل المساءلة التنافسية باستقرار شكلي قوامه الحفاظ على الأمر الواقع.
تُضاف إلى ذلك عقدة الصوت المغترب، الذي يثير رعب مختلف الكتل لكونه عصيًا على الترهيب والزبائنية الخدمية الضيقة. فالانتشار اللبناني في دول العالم يملك الكتلة التصويتية الحرة القادرة على إحداث خروقات ملموسة في دوائر حساسة، وبدلًا من التوصل إلى توافق على قانون انتخابي يضمن مشاركة المغتربين بشكل عادل، تجد القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها أن تعليق العملية الانتخابية برمّتها يرفع عن كاهلها عبء التعامل مع هذا الملف المؤرق، ويكفيها شر الصدامات حول المقاعد القارية أو آليات الاقتراع في الخارج.
من الناحية اللوجستية والمالية، تعيش مؤسسات الدولة حالة من الشلل وشحّ الإمكانيات التي تخدم تمامًا رغبة القوى النافذة في الإرجاء. فإجراء الانتخابات يتطلب ميزانيات ضخمة بالعملة الصعبة، وتأمين محروقات للآليات، وتجهيزات تقنية لمراكز الاقتراع، فضلًا عن دفع مستحقات القضاة والمعلمين، وإدارة العملية الانتخابية بكرامة وشفافية. وفي ظل خزانة فارغة، تصبح هذه التحديات المالية بمثابة مخرج قانوني وسياسي يُرفع في وجه أي مطالبات بالالتزام بالمهل الدستورية، ما يمنح الطبقة الحاكمة الذريعة الكاملة لإقرار قوانين تمديد متتالية تحت بند «الظروف القاهرة».
إن المشهد الذي تجسّده الصورة – اجتماع السياسيين تحت مظلة واحدة وإهمال الاستحقاق الشعبي المعروض أرضًا – هو التعبير الأدق عن منطق التسوية الصامتة. لم يعد التأجيل قرارًا تفرضه جهة واحدة أو تيار بعينه، كما يُسوَّق في وسائل الإعلام، بل تحوّل إلى استراتيجية بقاء مشتركة بين خصوم يختلفون على كل التفاصيل، ويثبتون عند كل مفصل حرج أن حماية مقاعدهم وأحجامهم النيابية هي نقطة التلاقي الوحيدة التي تلغي الخلافات وتوحّد الصفوف. وبذلك، يُمحى دور المواطن كشريك في القرار، وتُحوَّل الانتخابات من أداة للتغيير والمحاسبة إلى مجرد ورقة مؤجلة على طاولة التجاذبات السياسية.




