رأي

لا اهتمام غربياً بتأثيرات الحرب على الفقراء: أكثر من 45 مليوناً مُهدَّدون بالجوع

سلام محمد – الأخبار:

لا تقتصر تداعيات الحرب على إيران على أسواق النفط، بل تمتد إلى أزمة غذاء عالمية تهدّد ملايين الأشخاص في عشرات الدول، بفعل اضطراب إمدادات الأسمدة وارتفاع كلفة الإنتاج والنقل وتراجع القدرة الشرائية.

منذ أن بدأت الحرب على إيران قبل ستة أشهر، مثّل سعر النفط المؤشر الأكثر شيوعاً في محاولات تتبّع الأثر الاقتصادي لهذه الحرب. وهذا يبدو طبيعياً بالنظر إلى أن النفط، أو حوامل الطاقة عموماً، هي المحرّك الأساس للاقتصاد العالمي، وأن تقلّبات أسعارها تنعكس مباشرة على حياة الأسر وإنفاقها، فضلاً عن أن معظم كبار مستهلكي النفط هم إمّا من الدول الغربية أو الكبرى اقتصادياً. لكن ثمّة مؤشرات أخرى متعلّقة بأثر الحرب، قد لا تكون بأهمية سعر النفط بالنسبة إلى الدول الغربية والكبرى، إلا أنها تبدو مصيرية لأكثر من 53 دولة موزّعة على قارات: أفريقيا، آسيا، وأميركا اللاتينية.
فإذا كانت خُمس صادرات النفط نحو الأسواق العالمية تمرّ عبر مضيق هرمز، فإن المضيق يتحكّم أيضاً بثلث صادرات الأسمدة العالمية، والتي حذّرت مؤسّسات أممية ودولية، في الأسابيع الأولى للحرب، من أن غيابها أو نقصها أو ارتفاع أسعارها لدى دول عدّة قد يتسبّب بوقوع أزمة غذاء حادّة، يمكن أن تدفع، إلى جانب ارتفاع كلف الإنتاج وأسعار السلع الغذائية، بملايين الأشخاص إلى دائرة الجوع.

الغذاء بعيد المنال
ما كانت تحذّر منه وكالات الأمم المتحدة والمنظّمات والجهات الدولية بداية الحرب، لناحية إمكانية تفاقم أزمة الغذاء عالمياً، بات اليوم واقعاً ملموساً، وذلك مع استطالة أمد الأزمة واضطراب حركة الملاحة عبر المضيق. لا بل إن هناك مخاوف حقيقية من ارتفاع أعداد الأشخاص المُهدَّدين بالجوع، إلى أكثر من 45 مليون شخص – وفق ما حملته توقّعات شهر آذار/ مارس -، لينضمّوا بهذا إلى نحو 318 مليون شخص يعانون فعلياً انعدام الأمن الغذائي، بحسب تقديرات عام 2025.
هذه المخاوف مردّها إلى عدّة أسباب مجتمعة، أهمّها: فوات فرصة إنقاذ إنتاجيةِ المحاصيل الزراعية في دول عدّة بسبب عدم القدرة على توفير الكمّيات المناسبة من الأسمدة، ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل وأثرها على السعر النهائي للمُنتجات الزراعية الغذائية – سواء المُنتَجة محلياً أو المُستوردة -، انخفاض القوة الشرائية للأسر وقدرتها على الإنفاق الغذائي، وغير ذلك. ولهذا، فإن هناك من يجزم أن مشكلة الأسمدة قد تكون أخطر من أزمة أسعار النفط على المدى المتوسّط.

تنتمي الدول المُهدَّد بعض سكّانها بالمجاعة بفعل الحرب إلى أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية

في مداخلته أمام «مجلس الأمن الدولي» الشهر الماضي، تحدّث المدير التنفيذي لـ«برنامج الأغذية العالمي»، بوضوح، عن أن اضطراب إمدادات الوقود والأسمدة والحبوب وطرق الشحن والمساعدات يؤدّي إلى ارتفاع أسعار الغذاء، وانخفاض المحاصيل، وتراجع عدد الوجبات في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات. وأضاف: «من السودان وغزة إلى الصومال واليمن وما بعدها، أضواء التحذير تومض. عندما لا تستطيع العائلات توفير الطعام على المائدة، تواجه خيارات مستحيلة: الجوع أو الانتقال أو التمرّد».
لكن من يهتمّ لكلّ ذلك؟ فالولايات المتحدة، التي بدأت هذه الحرب، هي نفسها عادت وانقلبت على «مذكّرة التفاهم» الموقَّعة مع إيران في حزيران/ يونيو، والتي كان يمكن، في حال التقيّد بتنفيذها، أن تسهم في وقف انزلاق ملايين الأشخاص في أكثر من 53 دولة حول العالم إلى مطحنة الجوع. وإذا كانت أسعار النفط يمكن أن تعود لتشهد استقراراً ما مع تجدّد تدفّقات صادرات الخليج إلى الأسواق العالمية وفتح مضيق هرمز، فإن مشكلة أسعار الغذاء وتوفّره لن تُحلّ بمجرّد عودة صادرات الأسمدة إلى سابق عهدها. فهناك عاملان اثنان مؤثّران في هذا المجال سيحتاجان إلى كثير من الوقت والجهد: الأول، استعادة الدول لمستويات إنتاجها ومستورداتها من السلع الزراعية الغذائية، الأمر الذي يرتبط بما ستحمله المواسم الزراعية القادمة، باعتبار أن المواسم الحالية نالها ما نالها من ضرر. وأمّا العامل الثاني، فهو استقرار أسعار السلع الغذائية؛ إذ بحسب بيانات «منظّمة الأغذية والزراعة»، فإن «الرقم القياسي لأسعار السلع الغذائية العالمية ارتفع في شهر يوليو، حيث دفعت موجات الحرّ الأخيرة، وديناميكيات أسعار الطاقة، إلى ارتفاع أسعار الحبوب والزيوت النباتية والسكر».

دول الحرمان
تنتمي الدول المُهدَّد بعض سكّانها بالمجاعة بفعل الحرب على إيران، إلى قارّات ثلاث، هي: أفريقيا، آسيا وأميركا اللاتينية. وهذا ما يفسّر ربّما سبب تركّز الاهتمام الغربي على تتبّع تأثيرات الحرب على أسعار النفط فقط، وتجاهل تداعياتها على المجالات الأخرى، ولا سيما لجهة أزمة الغذاء؛ علماً أن هذه الأخيرة تكاد تخنق دولاً نامية كثيرة تعتمد أساساً على الاستيراد في تأمين احتياجاتها من السلع الغذائية أو شراء مستلزمات إنتاجها الزراعي. وبحسب الخريطة الجغرافية للمُهدَّدين بالمجاعة، والبالغ عددهم نحو 45 مليون شخص، فإن نحو 17.7 مليوناً منهم يتواجدون في نحو 17 دولة تقع في شرق أفريقيا وجنوبها، و10.4 ملايين في 12 دولة في غرب أفريقيا ووسطها، و9.1 ملايين في 10 دول في آسيا، و5.2 ملايين في 12 دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و2.2 مليون شخص فقط في 3 دول في أميركا اللاتينية والكاريبي. وعليه، فإن ثلثَي المُهدَّدين بالمجاعة يتوزّعون بين قارّتَي آسيا وأفريقيا.

ولعلّ ما يرفع من مستوى خطورة التقديرات السابقة، أن زيادة أعداد المُهدَّدين بالمجاعة، تأتي في وقت يعاني فيه «برنامج الأغذية العالمي» من نقص كبير في التمويل، وصَفه بالتاريخي، الأمر الذي أجبره خلال الأشهر الماضية على خفض مساعداته في دول عدّة، وتركيزها على الحالات الطارئة جداً. وفي هذا السياق، أشار البرنامج، في تقرير له، إلى أن «الأسر لا تواجه فقط ارتفاع أسعار الغذاء، بل تواجه في الوقت نفسه تراجع قدرة النظام الإنساني على تقديم المساعدة بسبب ارتفاع تكلفة الوقود والنقل والشحن والعمليات الإنسانية…». ورغم تعهّدها، في حزيران/ يونيو، بتقديم مساعدة تبلغ نحو 800 مليون دولار، فإن الإدارة الأميركية الحالية، ومنذ تسلّمها مهامّها، عملت على إعادة هيكلة المساعدات الخارجية في سياق تقليصها للنفقات العامّة، وهو ما أدّى بطبيعة الحال إلى تراجع تمويلها لـ«برنامج الأغذية»، الذي كانت في فترة من الفترات أكبر مانح له.
لا شكّ في أن موجة التضخّم الحالية طاولت جميع سكّان المعمورة بنسب متباينة، غير أنها في مكان ما أصبحت مسألة حياة أو موت. فالحرب على إيران وصلت إلى موائد طعام أسرٍ ومواطنين في دول بعيدة جغرافياً عن منطقة الخليج، ولا تشارك في هذه الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر، وبعضها يعاني من أزمات ونزاعات وحروب مُدمِّرة كان للولايات المتحدة دور أساس في نشوبها وتفاقمها، من الصومال إلى السودان، فاليمن والأراضي الفلسطينية المحتلّة وغيرها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى