كيف رصت أوروبا صفوفها

مواقف ترمب أرست أخيراً وحدة قارية
ماتياس ماتيس, وناتالي توتشي – اندبندنت عربية:
تحولت سياسة الاسترضاء الأوروبية لترمب إلى عبء باهظ، بعدما كشفت تهديداته لغرينلاند والناتو وأوكرانيا والتجارة والطاقة أن الاعتماد على واشنطن لم يعد ضمانة أمنية بل خطراً استراتيجياً. ومن أوكرانيا إلى التجارة والطاقة والسياسة الداخلية، بدأت أوروبا تتحرك ككتلة أكثر استقلالاً، بعدما حوّلت صدمة ترمب إلى دافع لبناء دفاعها وسوقها وتحالفاتها وحماية ديمقراطياتها.
عندما عاد دونالد ترمب للبيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025، اختارت الدول الأوروبية في البداية سياسة الاسترضاء باعتبارها استراتيجيتها المفضلة تجاه الولايات المتحدة. ففي مواجهة واشنطن عدائية هددت بسحب المظلة الأمنية الأميركية، ودعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر التوسط لفرض سلام غير عادل في أوكرانيا، وفرض رسوم جمركية عقابية على الصادرات الأوروبية، ومساندة الأحزاب اليمينية المتطرفة، أقنع القادة الأوروبيون أنفسهم بأن التملق وضبط النفس هما أفضل رد ممكن. فتجنبوا المواجهة، وتحملوا الإهانات، وأملوا أن يتمكنوا، من خلال منح ترمب ما يكفي مما يريده، من الحفاظ على جوهر الشراكة عبر الأطلسي.
ولفترة من الزمن، بدا أن لتلك الاستراتيجية منطقاً ما. فأوروبا كانت لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في أمنها، كما أن أوكرانيا، التي لا تزال في حالة حرب مع روسيا، ظلت بحاجة إلى الأسلحة والمعلومات الاستخبارية الأميركية. وبدت الاقتصادات الأوروبية هشة للغاية، والسياسات الداخلية الأوروبية منقسمة إلى حد لا يسمح بالمجازفة بخوض حرب تجارية مباشرة مع واشنطن. ومع استمرار الأحزاب اليمينية المتطرفة في اكتساب مزيد من النفوذ في القارة، خشي كثير من قادة الاتحاد الأوروبي من أن تؤدي المواجهة المباشرة مع ترمب إلى تعزيز شعبية معجبيه الأوروبيين. ولكن، كما أبدينا رأينا عبر “فورين أفيرز” في وقت سابق من هذا العام، جاءت سياسة الاسترضاء بكلفة باهظة.
ومن أجل منح ترمب “انتصاراً”، وافقت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف “الناتو” في يونيو (حزيران) الماضي على هدف للإنفاق الدفاعي والأمني يبلغ خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، على رغم أن تحليلاتها العسكرية لم تكن كلها تبرر هذا المستوى بالكامل، مما فتح المجال أمام أحزاب المعارضة لشن انتقادات مؤذية للحكومات القائمة، متهمة إياها بأنها استبدلت الإنفاق على السلاح برفاه مواطنيها. كما واصلت أوروبا الاعتماد على سلاسل التوريد الأميركية في مجالي التكنولوجيا والصناعات الدفاعية، وخففت جهودها الرامية إلى مكافحة المعلومات المضللة على الإنترنت في محاولة لاسترضاء إدارة ترمب. وترك الاتحاد الأوروبي أيضاً قدراً كبيراً من أوراق ضغطه الاقتصادية من دون استخدام: ففي يوليو (تموز)، وفي اسكتلندا، قبلت بروكسل الخائفة اتفاقاً تجارياً مجحفاً للغاية مع واشنطن. وفي العام الماضي، لم تفقد أوروبا نفوذها على أميركا ترمب فحسب، بل فقدت أيضاً ثقتها بنفسها، بعدما ظلت عالقة في وضع رد الفعل الدائم.
لكن منذ بداية عام 2026، ساعدت تجاوزات ترمب نفسه القادة الأوروبيين في استعادة بعض من تلك الثقة. ففي السنة الثانية من ولايته الثانية، أصبح الرئيس الأميركي أكثر تطرفاً مما توقعه كثير من الأوروبيين. فقد أذن بتنفيذ ضربة عسكرية دقيقة في فنزويلا، وهدد بغزو غرينلاند، وهي إقليم أوروبي، وصعد تهديداته بسحب الولايات المتحدة من حلف “الناتو”، وسعى إلى إيجاد وسائل قانونية جديدة للإبقاء على الرسوم الجمركية المرتفعة بعد أن رفضتها المحكمة الأميركية العليا، وأهان البابا، وتدخل في الانتخابات الأوروبية، وأطلق حملة أميركية إسرائيلية مشتركة ضد إيران أغرقت أوروبا وبقية العالم في أزمة طاقة غير مسبوقة.
وقد جعل هذا التمادي ترمب شخصية سامة سياسياً لدى معظم الناخبين الأوروبيين، كما هز القادة الأوروبيين ودفعهم إلى العمل بفاعلية أكبر ككتلة واحدة، واتخاذ خطوات أقوى لتعزيز دفاعهم وتجارتهم وأمن الطاقة لديهم وقدرة ديمقراطياتهم على الصمود. وفي الحقيقة، يقوم القادة الأوروبيون الآن بأمور كان ينبغي لهم القيام بها قبل سنوات طويلة، وعلى رغم أن هذا التغيير لا يزال غير متكافئ وغير مكتمل ومحط جدل سياسي، ومن ثم قابلاً للتراجع، فإن مسار أوروبا تغير في الوقت الراهن بصورة ملموسة. فبعد عام حاولت فيه أوروبا استرضاء ترمب، قد يصبح عام 2026 العام الذي يبدأ فيه الأوروبيون أخيراً بوضع الاستقلال الاستراتيجي الذي كثيراً ما أعلنوا السعي إليه موضع التنفيذ.
خطوة أبعد من اللازم
جاءت نقطة التحول الحاسمة في يناير (كانون الثاني)، عندما صعد ترمب تهديده بالاستيلاء على غرينلاند، بالقوة إن لزم الأمر، من أجل تأمين المصالح الأميركية في القطب الشمالي. ولم يكن ذلك مجرد مصدر إزعاج جديد في العلاقات عبر الأطلسي، بل كان اعتداء مباشراً وغير مسبوق على سيادة مملكة الدنمارك، العضو في كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وكان الاعتداء غير مبرر تماماً، إذ كانت كوبنهاغن ونوك (عاصمة غرينلاند) قد رحبتا بالفعل بتعزيز التعاون مع واشنطن في مجالات الأمن والدفاع والمعادن الحيوية.
وجاء الرد الأوروبي حازماً، ففي منتصف يناير من هذا العام، انضمت سبع دول، هي فنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد والمملكة المتحدة، إلى الدنمارك في تنفيذ مناورة عسكرية مشتركة في غرينلاند. وبعد أن هدد ترمب هؤلاء الثمانية بفرض رسوم جمركية جديدة، علقت بروكسل المصادقة المقررة على اتفاق التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الذي يفترض أن تنظم تجارة سنوية عبر الأطلسي في السلع والخدمات تبلغ قيمتها نحو 1.6 تريليون دولار. كما ناقش الاتحاد الأوروبي تفعيل أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي، وهي أداة قوية اعتمدت عام 2023 وتتيح للتكتل الرد على الابتزاز الاقتصادي من دول ثالثة عبر فرض رسوم جمركية، أو تقييد الوصول إلى الأسواق، أو الحد من مشاركتها في مشتريات الاتحاد الأوروبي. وبدأ القادة الأوروبيون يتحدثون بصراحة أكبر عن ضرورة الدفاع عن القارة ليس في وجه روسيا أو الصين فحسب، بل أيضاً، عند الضرورة، في وجه الولايات المتحدة. وفي “المنتدى الاقتصادي العالمي” في دافوس في الـ20 من يناير، اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ترمب باتباع سياسات “تهدف صراحة إلى إضعاف أوروبا وإخضاعها”، بينما دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى استقلال أوروبي “دائم” عن واشنطن، معتبرة أن عداء ترمب للحلفاء يمثل قطيعة صادمة تضاهي في وقعها قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عام 1971 إنهاء نظام “بريتون وودز”.
وعلى رغم أن ترمب تراجع لاحقاً عن مغامرته في غرينلاند، فإن التهديد غير المتوقع جعل الأوروبيين يدركون أن اعتمادهم الواسع على الولايات المتحدة لم يعد مجرد خطر قابل للإدارة، بل بات خطراً وشيكاً. وقد أخذ هذا الإدراك نفسه يعيد تشكيل النهج الأوروبي تجاه الحرب في أوكرانيا. فمنذ أن بدأ ترمب ولايته الثانية، سحب الدعم الأميركي من أوكرانيا، مادياً وخطابياً، واضطرت أوروبا إلى تحمل المسؤولية الرئيسة عن بقاء أوكرانيا. فقد انخفضت المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا من أكثر من 19 مليار دولار عام 2024 إلى 400 مليون دولار فقط مصرح بها لعام 2026، أي بتراجع يقارب 98 في المئة. وبعد أن أغلقت إيران مضيق هرمز في مارس (آذار)، رفعت الولايات المتحدة أيضاً العقوبات موقتاً عن النفط الروسي، مما منح موسكو شريان حياة مالياً.
بات الأوروبيون يتعلمون التحرك بصورة جماعية عندما تتصرف الولايات المتحدة على نحو مضطرب
وقد تأخر وصول دعم أوروبي أكثر تنسيقاً لأوكرانيا، جزئياً بسبب معارضة أصوات من اليمين المتطرف لانخراط أوروبي أعمق في الحرب. فعلى سبيل المثال، بين فبراير (شباط) وأبريل (نيسان) 2026، تعطل إقرار قرض أوروبي بقيمة 105 مليارات دولار لأوكرانيا بسبب استخدام رئيس الوزراء المجري اليميني المتطرف فيكتور أوربان حق النقض، لكن هذا العائق زال عندما مني أوربان بهزيمة ساحقة في انتخابات المجر في أبريل. ولن يحل القرض جميع مشكلات أوكرانيا، غير أنه يمنح كييف قاعدة مالية أكثر استقراراً وقابلية للتوقع، ويرسل إشارة إلى موسكو وواشنطن بأن الدول الأوروبية ستواصل الوقوف إلى جانب أوكرانيا، لأنها قبلت أخيراً بأن الدفاع عن أوكرانيا يقع في صميم الأمن الأوروبي.
ولا يقل أهمية عن ذلك ظهور “تحالفات الراغبين” الأوروبية، فالتحالف الأول، الخاص بأوكرانيا والمرتكز إلى فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وبولندا ودول الشمال الأوروبي والبلطيق، ظهر في فبراير 2025، لكنه اكتسب زخماً منذ ذلك الحين، إذ وضع خططاً لنشر قوة ضمان أمني في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ووفر إطاراً لمناقشة الدعم العسكري الأوروبي لكييف. وعندما هدد ترمب غرينلاند، اجتمع تحالف مماثل في باريس في السادس من يناير، وربط القادة الأوروبيون صراحة بين الدفاع عن السيادة الأوكرانية والسيادة الدنماركية. وفي الآونة الأخيرة، قادت فرنسا والمملكة المتحدة جهداً أوروبياً جماعياً لإعادة فتح مضيق هرمز بصورة مستدامة. وعلى رغم أن الخطة حجبتها إلى حد ما الجهود الأميركية الفوضوية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، فإنها تقدمت: ففي الـ17 من أبريل، جمع ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر 51 دولة في باريس لإعلان “مهمة متعددة الجنسيات مستقلة وذات طابع دفاعي بحت” لحماية الملاحة التجارية وتنفيذ عمليات إزالة الألغام بمجرد تثبيت وقف إطلاق نار مستدام، ويضم التحالف أيضاً شركاء آسيويين وأستراليا، إلى جانب دول الخليج والجهات المعنية بقطاع الشحن البحري، بتنسيق من “المنظمة البحرية الدولية”.
وعلى رغم أن هذه التحالفات لا تزال ظرفية وناشئة، فإنها تشير إلى النموذج الصحيح: لا جيش أوروبياً مجرداً، ولا تحالف أطلسياً يعتمد على القوة الأميركية، بل نواة أمنية أوروبية عملية قادرة على التحرك والاستجابة عند الضرورة، كما اكتسب الاتحاد الأوروبي بدوره زخماً مؤسساتياً خاصاً به. ففي أوائل عام 2026، بدأ الاتحاد صرف الدفعات الأولى من برنامج تمويل دفاعي بقيمة 175 مليار دولار، يتيح للدول الأعضاء الاقتراض وفق التصنيف الائتماني التفضيلي للتكتل، من أجل شراء معدات بصورة مشتركة من شركات تصنيع الأسلحة الأوروبية. وهذه هي المرة الأولى التي يقترض فيها الاتحاد الأوروبي بصورة جماعية لإعادة تسليح نفسه. وقد صممت شروط “صنع في أوروبا” ضمن البرنامج لإعادة بناء قاعدة صناعية دفاعية تآكلت على مدى عقود من الاعتماد على الموردين الأميركيين. وقد تبدو هذه التطورات متواضعة، لكنها ذات دلالة مهمة: فأوروبا تتعلم كيف تتحرك بصورة جماعية وبالتعاون مع الآخرين عندما تتصرف الولايات المتحدة على نحو مضطرب.
يوم الاستقلال
تبدل أوروبا أيضاً مقاربتها التجارية، ففي عام 2025 بدد الاتحاد الأوروبي كثيراً من أوراق قوته. كان يملك سوقاً ضخمة، وأدوات قانونية، وخيارات للرد الانتقامي تتيح له التفاوض مع ترمب من موقع قوة، لكن الدول الأعضاء تفرقت، وتركت الشركات الخاصة تتحرك منفردة خارج أية استراتيجية أوروبية موحدة. وفي يوليو (تموز)، رضخ الاتحاد الأوروبي لترمب وقبل صفقة مجحفة، فوافق، تفادياً لرسوم جمركية بنسبة 30 في المئة، على رسوم بنسبة 15 في المئة على معظم صادراته إلى الولايات المتحدة، وألغى في المقابل رسومه على السلع الصناعية الأميركية. كما تعهد بشراء صادرات طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار، وبتوجيه استثمارات أوروبية إضافية قدرها 600 مليار دولار إلى الولايات المتحدة بحلول عام 2028، وهي أرقام أقرت المفوضية الأوروبية نفسها بأنها أقرب إلى الطموحات منها إلى الالتزامات، لأن بروكسل لا تملك سلطة إلزام الشركات الخاصة بالاستثمار.
ومنذ أواخر عام 2025، سعت بروكسل إلى تصحيح هذا الخطأ والدفاع بصورة أفضل عن أسواقها من خلال السعي الحثيث إلى إبرام اتفاقات تجارية مع دول وتكتلات اقتصادية أخرى بسرعة لافتة. ففي غضون بضعة أشهر فقط، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقات مع أستراليا والهند وإندونيسيا وتكتل “ميركوسور” التجاري في أميركا الجنوبية، وهي اتفاقات تنظم مجتمعة أكثر من 470 مليار دولار من التجارة السنوية في السلع والخدمات، وتشمل ما يقرب من 3 مليارات نسمة. وخلال الفترة نفسها من العام السابق، لم تبرم بروكسل سوى اتفاق تجاري رئيس واحد، تمثل في تحديث اتفاقها القائم مع المكسيك. ويشير تسارع الوتيرة وحده إلى تغير جوهري في الموقف: فأوروبا لم تعد تنتظر أن يهب النظام القائم على القواعد لإنقاذها، بل بدأت تبني نظاماً تجارياً موازياً خاصاً بها، اتفاقات ثنائية واحداً تلو الآخر.
وكان الاتفاق مع الهند، الذي أبرم بعد سنوات طويلة من الجمود، هو الأهم. فمن أجل كسر حال التعثر، اختار الطرفان إنجاز الاتفاق في نحو 20 مجالاً توصلا فيها إلى تفاهم، وتأجيل القضايا الأربع الأصعب. كما حمى الاتحاد الأوروبي قطاعات زراعية حساسة، رافضاً تقديم تنازلات تتعلق بلحوم الأبقار ومنتجات الألبان والرز والسكر، مما جعل التصديق على الاتفاق ممكناً سياسياً في الداخل. وكان الاتفاق نفسه غير مسبوق من حيث النطاق: فقد فتح الاتحاد الأوروبي 144 قطاعاً فرعياً من الخدمات أمام الشركات الهندية، في أفضل عرض خدمات يقدمه لأي شريك على الإطلاق، وردت الهند بفتح 102 قطاع فرعي أمام الشركات الأوروبية، وهو تنازل كبير. لكن ما ميز الاتفاق حقاً عن غيره من الاتفاقات التجارية كان بعده الجيوسياسي الصريح. فقد تزامن معه، في اليوم نفسه، توقيع شراكة أمنية ودفاعية موازية بين الاتحاد الأوروبي والهند، تضمنت بنوداً تتعلق بالمواد الخام الحيوية ومرونة سلاسل التوريد، بهدف تقليص انكشاف الطرفين على الصين، في إطار جهد أوروبي جديد لبناء نظام تجاري أقل اعتماداً على الأسواق الأميركية وأقل عرضة للإكراه الصيني في آن واحد.
تعمل أوروبا على بناء نظام تجاري مواز
ومع ذلك، لا تتخلى أوروبا عن الاقتصاد عبر الأطلسي. ففي أبريل، أقام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة شراكة استراتيجية مهمة للدفاع عن سلاسل توريد المعادن الحيوية، في تذكير بأن التعاون مع واشنطن لا يزال ممكناً عندما تتقاطع المصالح على نحو وثيق. لكن مستقبل العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي سيكون أضيق نطاقاً، وأكثر مشروطية، وأقل عاطفية. وستتعاون أوروبا مع أميركا حيثما استطاعت، وستتحوط قدر الإمكان، وستقول لا عندما تضطر إلى ذلك.
وقد عزز ترمب، من دون قصد، اندفاعة أوروبا نحو تحقيق استقلال الطاقة أيضاً، فبعد أن كشف الاتحاد الأوروبي عام 2019 عن “الصفقة الخضراء الأوروبية”، وهي مشروع طموح لخفض انبعاثات القارة بنسبة 50 في المئة بحلول عام 2030، صورت الأحزاب اليمينية وأحزاب يمين الوسط هذا الجهد على أنه ترف أيديولوجي مكلف ونخبوي ومنفصل عن الواقع. وقد نجحت هذه الحملة المضادة: فبعد أن خسرت الأحزاب الخضراء نحو ربع مقاعدها في البرلمان الأوروبي في يونيو 2024، بدأت المفوضية الأوروبية التراجع عن مشروعها الأبرز، فقلصت بصورة كبيرة متطلبات الإفصاح عن الاستدامة، وضيقت قواعد العناية الواجبة في سلاسل التوريد، وأرجأت جداول التنفيذ.
وكانت أوروبا تواجه بالفعل أزمة طاقة بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، وحتى قبل أن يطلق ترمب حرب إيران، كانت إدارته تعمق اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة في مجال الطاقة عبر إلزام الاتحاد الأوروبي بشراء الطاقة الأميركية والضغط على بروكسل لتسريع التخلص التدريجي من الغاز الروسي. لكن حرب إيران جعلت أوروبا مكشوفة على نحو خاص. فلا تزال القارة تستورد 93 في المئة من نفطها و88 في المئة من غازها، فيما يوفر الخليج نحو خمس واردات أوروبا النفطية، وقد تضاعفت أسعار الغاز الأوروبية أكثر من مرة منذ اندلاع الحرب، وقدرت المفوضية الأوروبية أن دول الاتحاد قد تدفع ما يصل إلى 45 مليار دولار كتكاليف إضافية للطاقة خلال عام 2026.
وهكذا بات أوضح من أي وقت مضى أن السعي إلى التحول نحو الطاقة النظيفة يقع في صميم الأمن الأوروبي، فإذا كانت حرب أوكرانيا قد كشفت عن أخطار اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، فإن توظيف أسواق الطاقة كسلاح في حرب إيران أظهر الأخطار الأمنية للاعتماد على المحروقات عموماً. وفي أبريل، اقترحت المفوضية الأوروبية تعديلات ملزمة على قواعد الضرائب في الاتحاد الأوروبي لجعل الكهرباء أرخص من النفط والغاز، في إجراء صيغ صراحة بوصفه رداً على حرب إيران. كما تستعد بروكسل لإقرار هدف ملزم على مستوى الاتحاد الأوروبي لتوسيع الاعتماد على الكهرباء، ينتظر صدوره قبل الصيف، إلى جانب خطط عمل وطنية في فرنسا وألمانيا ودول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي.
الصخب ورد الفعل
ربما يكون التحول السياسي الأهم الذي أحدثه تطرف ترمب في ولايته الثانية داخل أوروبا قد وقع في مجال السياسة الداخلية، فعلى مدى سنوات بدا ترمب نموذجاً يحتذى به لقادة اليمين المتطرف الأوروبيين. فقد قدم مثالاً على التحدي القومي، وازدراء المؤسسات الليبرالية، ورد الفعل الثقافي الذي اقتدى به قادة اليمين المتطرف في أوروبا علناً، ليس أوربان في المجر فحسب، بل أيضاً مارين لوبان في فرنسا، وجورجيا ميلوني في إيطاليا، وأليس فايدل في ألمانيا، ونايجل فاراج في المملكة المتحدة.
وفي عام 2025، بدأ ترمب وحلفاؤه السياسيون الأميركيون محاولة للتدخل بصورة أكثر مباشرة في الانتخابات الأوروبية. وفي خطاب حاد ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2025، هاجم ما سماه “جدران الحماية” السياسية التي أقامتها الأحزاب الأوروبية التقليدية لعزل نظيراتها من اليمين المتطرف، معتبراً أن بروكسل، لا موسكو، هي التهديد الرئيس للديمقراطية الأوروبية. والتقى فانس سراً مع فايدل، زعيمة حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، قبل أيام من الانتخابات الفيدرالية الألمانية، بينما استخدم إيلون ماسك، الذي كان آنذاك موظفاً في الحكومة الأميركية، منصته “إكس” لتعزيز حضور الحزب. وهاجم فانس وماسك لاحقاً إلغاء رومانيا الجولة الأولى من انتخاباتها الرئاسية لعام 2024. وفي أبريل من هذا العام، عشية الانتخابات المجرية، سافر فانس إلى بودابست لحشد الدعم لإعادة انتخاب أوربان، ووعد ترمب بتسخير “كامل القوة الاقتصادية” للولايات المتحدة لضمان فوزه.
بات ترمب عبئاً سياسياً حتى على قادة اليمين الأوروبيين الذين يتمتعون بشعبية
لكن معظم هذه التدخلات باء بالفشل، ففي الانتخابات الفيدرالية الألمانية التي جرت في فبراير 2025، ضاعف حزب “البديل من أجل ألمانيا” حصته من الأصوات، لكنه بقي في صفوف المعارضة بعدما شكلت الأحزاب التقليدية ائتلافاً كبيراً. وفي الإعادة التي جرت في مايو (أيار) 2025 للانتخابات الرئاسية الرومانية، خسر مرشح اليمين المتطرف أمام نيكوشور دان المؤيد للاتحاد الأوروبي، بعدما تحولت الحملة الانتخابية إلى استفتاء على مكانة رومانيا في أوروبا وعلى القومية على طريقة ترمب. أما في المجر، فقد مني أوربان بهزيمة ساحقة أمام حزب “تيسا” بزعامة بيتر ماغيار. وكانت زيارة جي دي فانس إلى بودابست بمثابة قبلة الموت السياسية.
وحتى قادة اليمين الذين يتمتعون بشعبية نسبية، مثل ميلوني ولوبان وفاراج وفايدل، باتوا يعانون اليوم مشكلة ترمب. ففي مارس، خسرت ميلوني استفتاء مهماً على تعديل الدستور الإيطالي بطرق كان يمكن أن تحد من استقلال القضاء، وأظهرت استطلاعات الرأي بعد التصويت أن قربها من ترمب أثر بقوة في هزيمتها. ومنذ ذلك الحين، سعت ميلوني إلى النأي بنفسها عن ترمب، فوقفت إلى جانب البابا بعدما هاجمه ترمب. وعندما هاجم ترمب ميلوني لاحقاً، عد ذلك مكسباً لآفاقها السياسية، كما تراجع قادة آخرون من اليمين المتطرف عن ترمب. ففي يناير، دان فاراج مغامرة غرينلاند ووصفها بأنها “عمل عدائي للغاية”، كما نددت لوبان ونائبها جوردان بارديلا بتدخلات ترمب الخارجية.
وفي نهاية المطاف، يمنح عجز هذه الشخصيات عن التخلي الكامل عن الترمبية القوى الديمقراطية الليبرالية فرصة جديدة. لكن الصورة أكثر تعقيداً مما توحي به هزيمة أوربان الساحقة، وقد لا تدوم هذه الفرصة طويلاً. ففي ألمانيا، تفوق حزب “البديل من أجل ألمانيا” على حزب “الاتحاد الديمقراطي المسيحي” في استطلاعات الرأي الوطنية، بينما انهارت معدلات تأييد حكومة يمين الوسط بقيادة المستشار فريدريش ميرتس. وفي رومانيا، انهار الائتلاف الحاكم المؤيد للاتحاد الأوروبي في الخامس من مايو، وقد يتولى “تحالف وحدة الرومانيين” اليميني المتطرف السلطة إذا دعي إلى انتخابات مبكرة، بعدما بات يحظى، وفق أحدث استطلاعات الرأي، بتأييد شعبي يقارب ضعف التأييد الذي يحظى به أقرب منافسيه.
امنحوه وساماً
إن سمية ترمب وحدها لن تنقذ الديمقراطية الأوروبية، فإذا اكتفت أحزاب التيار الرئيس بالاحتفال بهزيمة أوربان وفشلت في توفير الأمن والازدهار لناخبيها، فلن يروض اليمين المتطرف. وتتمثل مهمة القادة الأوروبيين المنتمين إلى التيار الرئيس في تحويل رد الفعل المناهض لترمب إلى أجندة إيجابية مستدامة. وعليهم تعزيز سيادة القانون، وحماية الحدود الأوروبية مع البقاء منفتحين على الهجرة النظامية، ومواصلة تعزيز دفاعات القارة، والسعي إلى تحقيق أمن أكبر في مجال الطاقة من خلال الانتقال بعيداً من الوقود الأحفوري وتنويع مصادر الطاقة، والعمل على تحقيق تجدد اقتصادي عبر زيادة الاستثمار بصورة كبيرة وتعميق التكامل في السوق الأوروبية الموحدة.
وهنا سيواجه التحول الأوروبي في عام 2026 اختباره السياسي الأهم، فالاستقلال الاستراتيجي لا يمكن أن يكون مجرد شعار، بل يجب أن يتحول إلى مشروع حكم متماسك. فالأوروبيون لا يحتاجون إلى الاستقلالية لأنهم يكرهون ترمب، بل لأن كلفة الاعتماد على الولايات المتحدة باتت، بوضوح، باهظة إلى حد لا يحتمل. فإذا كانت أوروبا لا تستطيع الدفاع عن أوكرانيا من دون واشنطن، ولا تستطيع التجارة من دون الخوف من انتقام أميركي، ولا تستطيع تأمين سلاسل إمدادات الطاقة لديها من دون استيراد الوقود الأحفوري، ولا تستطيع الدفاع عن الديمقراطية في وجه التدخل الخارجي، فإنها تفقد القدرة على حكم نفسها بنفسها.
والمفارقة أن ترمب ربما يكون قد حقق ما عجزت عنه عقود من الخطابات الأوروبية والأوراق البيضاء والإعلانات، فمن خلال تماديه في الضغط، جعل كلفة التبعية مرئية. ومن خلال احتضانه اليمين المتطرف في أوروبا، سهل على الديمقراطيين رسم خط فاصل. ومن خلال تعامله مع الحلفاء باعتبارهم أتباعاً وزبائن، ذكر الأوروبيين بأن التحالفات لا تكون سليمة إلا عندما تقوم على المساواة والاحترام المتبادل. وفي الواقع، بدلاً من منحه جائزة نوبل للسلام التي يتوق إليها علناً، ينبغي للأوروبيين أن يفكروا في منحه جائزة شارلمان، وهي جائزة مرموقة تمنحها مدينة آخن الألمانية سنوياً للأفراد أو المنظمات الذين يقدمون إسهامات بارزة في وحدة أوروبا وسلامها وتكاملها. لقد استحقها.




