رأي

كيف تتحول سوريا إلى حجر زاوية أوروبي؟

علي قاسم – العرب:

سوريا أصبحت حجر زاوية محتملاً في إعادة تشكيل اللعبة الجيوسياسية لمنطقة تمتد من آسيا الوسطى إلى شواطئ المتوسط.

ليس بالضرورة أن تكون النتائج المترتبة على الأزمات سلبية دائما. بينما تعاني أوروبا من برد الشتاء الجيوسياسي وارتفاع أسعار الطاقة، ومع خروج سوريا من عقد من الحرب الأهلية وثلاثة عشر عاماً من العقوبات والعزلة، يظهر مشهد جديد لم يكن ممكناً قبل سنوات قليلة. لم تعد سوريا ذلك الملف الإنساني المعلق على جدران قاعات الأمم المتحدة، ولا ذلك البؤرة الإرهابية التي تستنزف قوى الأمن الدولية. أصبحت، فجأة وبشكل غير مسبوق، حجر زاوية محتملاً في إعادة تشكيل اللعبة الجيوسياسية لمنطقة تمتد من آسيا الوسطى إلى شواطئ المتوسط. وما يجري في نيقوسيا وبروكسل ودمشق ليس مجرد مفاوضات حول رفع عقوبات أو إعادة لاجئين، بل اختبار حقيقي لما إذا كانت أوروبا قد تعلمت من دروس الماضي القاسية، أم أنها ستضيع فرصة استراتيجية نادرة قد لا تعود.

لنبدأ من العاصمة القبرصية نيقوسيا، حيث ألقى الرئيس السوري أحمد الشرع خطاباً أحدث صدى لم يسمع له مثيل في العواصم الأوروبية منذ ما قبل الحرب. لم يكن خطاباً عفوياً ولا مجرد مناشدة إنسانية، بل كان بياناً مدروساً بعناية. في جوهره، قدّم الشرع الجغرافيا كقدر لا يمكن لأحد أن يتجاهله. سوريا، كما رسمها، ليست مجرد دولة تمر بمرحلة انتقالية، بل هي شريان بديل وآمن يربط قلب آسيا الوسطى والخليج العربي بأوروبا عبر طرق تجارية وبحرية وبرية كان الإمبراطوريات القديمة تتنافس عليها. الفكرة ليست جديدة، لكن توقيتها وعباءتها السياسية جديدان كلياً. فالشرع راهن على أن أوروبا، المحاصرة بين أزمة الطاقة الخانقة وانسداد الأفق في أوكرانيا، لم تعد قادرة على رفاهية تجاهل ممرات بديلة تنقل الغاز والنفط والبضائع من الشرق إلى الغرب متجاوزة مناطق التوتر في البحر الأحمر أو الهشاشة في مضيق البوسفور.

سوريا لم تعد عبئاً إنسانياً أو بؤرة صراع بل شريان جيوسياسي يربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا في لحظة أزمة طاقة وضغط استراتيجي

وهنا تأتي مبادرة “البحار الأربعة وممراتها التسعة” التي أطلقها الشرع كرؤية طموحة. الفكرة هي ربط البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط عبر البحر الأحمر والخليج العربي، مستغلة الموقع الجغرافي الفريد لسوريا الذي جعلها لقرون بوابة آسيا إلى أوروبا. لكن الطموح لا يتوقف عند البنى التحتية. الشرع يضع أوروبا أمام مسؤولية أكبر: إذا كانت تريد من سوريا أن تكون هذا الشريان الآمن، فعليها أن تدفع الثمن السياسي. وأول هذا الثمن هو الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها على الأراضي السورية. هنا تكشف المفارقة. فالشرع يدرك تماماً أن أوروبا، رغم علاقاتها الوثيقة مع تل أبيب، لديها هامش مناورة محدود. لكنه أيضاً يدرك أن أوروبا، في لحظة ضعفها الحالية، قد تكون أكثر استعداداً من أي وقت مضى لاستخدام نفوذها الدبلوماسي مقابل ضمانات اقتصادية وإستراتيجية. إنه رهان جريء: تحويل الحاجة الأوروبية إلى أداة نفوذ سورية.

هذا الرهان لم يبقَ دون إجابة من الجانب الآخر. في بروكسل، حدث تحول صامت لكنه عميق. فبعد سنوات من القطيعة والعقوبات المشددة التي كادت تخنق الاقتصاد السوري، بدأت الأصوات الأوروبية تتعالى لصالح إعادة النظر في العلاقة مع دمشق. لم يكن القرار وليد لحظة عواطف إنسانية أو نزعة سلام مفاجئة، بل كان ابن أزمة. أزمة الطاقة، أزمة الهجرة، وأزمة الثقة في النظام العالمي القديم. القرار الأوروبي جاء على مرحلتين. أولاً، إعادة تفعيل اتفاقية التعاون القديمة التي تجمدت عام 2011، والتي تشمل رفع القيود عن قطاعين حيويين: النفط والمعادن. وثانياً، بدء محادثات استكشافية لاتفاق شراكة أكثر طموحاً يتجاوز التبادل التجاري إلى مجالات الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي.

لنكن واقعيين: أوروبا لم تتحول فجأة إلى محب لدمشق الجديدة. بل إن حساباتها باردة وبراغماتية. فهي ترى في استقرار سوريا فرصة غير مسبوقة لإدارة أزمة اللاجئين التي أنهكت سياساتها الداخلية وأشعلت صعود اليمين المتطرف من ألمانيا إلى هولندا. إعادة اللاجئين السوريين تدريجياً، حتى لو كانت جزئية ونموذجية، ستمنح الحكومات الأوروبية ورقة سياسية ثمينة. أما البعد الاقتصادي، فهو الأكثر تأثيراً على المدى المتوسط. فالشرق الأوسط الذي يعيد ترتيب أوراقه، مع تحالفات متغيرة وصراعات جديدة، يحتاج إلى ممرات تجارية مستقرة. وسوريا، إذا ما نجحت في تثبيت أمنها الداخلي، يمكن أن تكون تلك الممر. والاستثمارات الأوروبية في موانئ اللاذقية وطرق حلب ومرافق الطاقة ليست مجرد مساعدات تنموية، بل هي استثمارات في الأمن الاقتصادي الأوروبي نفسه.

أوروبا أمام اختبار نادر: تحويل شراكتها مع دمشق إلى استثمار وضغط فعلي أو تكرار خطأ إضاعة الفرص الكبرى كما فعلت في الماضي

هنا نصل إلى قلب المعادلة الجديدة. هذه ليست علاقة المحسن بالمحتاج، ولا شراكة الند بالند بالمعنى التقليدي. إنها تقاطع مصالح. أوروبا تحتاج إلى ممر آمن للطاقة والتجارة لا يمر عبر مناطق ملتهبة أو يخضع لابتزاز القوى الكبرى. وسوريا تحتاج إلى إعادة إعمار وإلى دعم مؤسسي يخرجها من عزلة العقوبات. لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بـ”لماذا” تتعاونان، بل بـ”كيف” ستفعلان ذلك. فالتحديات هائلة. قدرة دمشق على تثبيت الأمن في جميع أنحاء البلاد لا تزال موضع تساؤل. الفصائل المسلحة لم تنتهِ، والنفوذ الأجنبي ما زال حاضراً، والجيش السوري يحتاج إلى إعادة بناء شبه كاملة. لكن التحدي الأكبر ربما يكون سياسياً: هل تملك أوروبا الجرأة الكافية لتحويل وعودها إلى ضغط حقيقي واستثمار فعلي؟ أم أن البيروقراطية الأوروبية والخوف من الانعكاسات السياسية الداخلية سيجعلان هذه الشراكة مجرد أمنيات حسن نوايا لا أكثر؟

ثم هناك الأطراف الأخرى التي لا يمكن تجاهلها. تركيا، التي لعبت دوراً محورياً في السنوات الماضية، لن تقف مكتوفة الأيدي بينما ترسم دمشق وبروكسل خرائط طرق جديدة تتجاوز أنقرة. والخليج، الذي يمتلك رأس المال الذي تفتقر إليه سوريا وتحتاجه أوروبا، سيكون لاعباً أساسياً في تمويل مشاريع البنى التحتية. وآسيا الوسطى، المصدر المحتمل للطاقة والمواد الأولية، ستراقب كيف يمكن لسوريا أن تكون نافذتها نحو أوروبا. هنا يكمن تحدٍ آخر لقادة دمشق: كيف توازن بين هذه الأطراف جميعاً دون أن تصبح ساحة لصراعاتها؟ القدرة على إدارة هذا التوازن الدقيق ستكون المقياس الحقيقي لنضج النظام السياسي السوري الجديد وقدرته على تحويل الفرصة الجيوسياسية إلى مكاسب دائمة.

في الختام، لا يسعنا إلا أن نطرح السؤال الجوهري الذي يلوح في أفق هذه العلاقة الناشئة: هل ستغتنم أوروبا هذه اللحظة النادرة، أم أنها ستفعل ما أتقنته عبر تاريخها الحديث، وهو إضاعة الفرص الكبرى خوفاً من المخاطر المباشرة؟ التاريخ ليس في صالح أوروبا هنا. فالقارة العجوز مرت بلحظات مماثلة – مع تركيا بعد الحرب الباردة، مع روسيا في التسعينيات، مع الربيع العربي – وأهدرتها تباعاً إما بالتردد أو بالغرور أو بالانشغال بالتفاصيل الداخلية على حساب الاستراتيجيات الكبرى.

الفرصة اليوم مختلفة. إنها لا تتعلق فقط بمساعدة دولة على النهوض من تحت الركام، بل بإعادة رسم خريطة الطاقة والتجارة والأمن لمنطقة ستحدد فيها التحالفات الجديدة مصير النظام العالمي لعقود قادمة. سوريا بحاجة إلى أوروبا، لكن أوروبا بحاجة إلى سوريا بنفس القدر. والمطلوب الآن ليس خطة عمل مفصلة، بل جرأة استراتيجية تدرك أن المخاطرة بالانخراط أفضل من المخاطرة بالانسحاب. فالتاريخ، كما خبرت أوروبا مراراً، لا يرحم المترددين. وهو هذه المرة يمنحها فرصة نادرة لكتابة فصل مختلف. السؤال الوحيد هو: هل ستقرأه قبل أن تطوي صفحاته؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى