رأي

“كول أوف ديوتي 4”.. ضخّ الإمبراطورية الأميركية مباشرة في العروق

في أحدث إصدار من لعبة التصويب الكلاسيكية من منظور الشخص الأول، الرسالة هي: يجب أن يكون الجيش الأميركي موجوداً في كل مكان، وإلا ستسيطر كوريا الشمالية وروسيا.

لقد تفوّق القائمون على شركتَي “أكتيفيجن” (Activision) و”إنفينيتي وورد” (Infinity Ward) على أنفسهم هذه المرّة.

على مدى أكثر من عقدين، هيمنت سلسلة “كول أوف ديوتي” (Call of Duty) على عالم ألعاب التصويب من منظور الشخص الأول، إذ باعت أكثر من 500 مليون نسخة حول العالم. وما بدأ عام 2003 بوصفه تصويراً سينمائياً مشوّقاً لبعض أكثر معارك الحرب العالمية الثانية بطولةً، تحوّل تدريجياً إلى خيال عسكري غامر يعكس رؤية دوائر السلطة في واشنطن، حيث يعيش ملايين اللاعبين عالم الجغرافيا السياسية من منظور واشنطن، بما يشمله من أعدائها المألوفين، ومبرّراتها للتدخّل العسكري، والتحذيرات من مخاطر الانسحاب الأميركي.

ويذهب أحدث إصدار من السلسلة، “مودرن وورفير 4” (Modern Warfare 4)، بهذه الصيغة إلى مستويات استثنائية، إذ يغمر اللاعبين في عالم تهدّد فيه وحشية كوريا الشمالية والتوسّع الروسي الاستقرار العالمي، فيما تبقى القوة العسكرية الأميركية الحل الذي لا غنى عنه.

وبالطبع، ليس هذا بالأمر الجديد على السلسلة. ففي إصدار “مودرن وورفير” لعام 2019، يواجه اللاعبون تداعيات مجزرة روسية على “طريق الموت” في دولة أورزيكستان الخيالية، في قلب مشوّه لحقيقة المذبحة التي ارتكبها التحالف بقيادة الولايات المتحدة بحقّ القوات العراقية المنسحبة عام 1991. وعلى امتداد السلسلة، يلاحق اللاعبون باستمرار قادة سياسيين وعسكريين ويقتلونهم، ويحمل هؤلاء أسماء تكون أحياناً مباشرة أكثر من اللازم، من خالد الأسد إلى الرائد حسن زياني في فيلق القدس الإيراني.

وخلال السنوات الأخيرة، أصبح موسم إصدارات الخريف بمثابة فرصة سنوية لشركة “أكتيفيجن” لتُظهر لنا ما هو التالي على قائمة شهية دوائر السلطة في واشنطن النهمة للمواجهات العسكرية. وهذا العام، جاء دور كوريا الشمالية.

تبدأ الحملة القصصية بتقمّص اللاعبين شخصية الجندي الكوري الجنوبي بارك هيون جون، الذي يستمتع بأمسية اعتيادية مع رفاقه من مشاة البحرية، عندما يشنّ الكوريون الشماليون غزواً شاملاً وغير مستفَز لكوريا الجنوبية. ويبدأ الهجوم بانقطاع الكهرباء عن المدينة بأكملها، يتبعه هجوم مدمّر على سوق مدنية تعجّ بالناس، يسفر عن مقتل جنود ومدنيين.

ثمّ تعود القصة خمسة أيام إلى الوراء، إلى كوريا شمالية حيث تعيش حالة حداد على وفاة حاكمها الذي أمضى فترة طويلة في السلطة، قبل أن تحلّ محلّه ابنته، مجرمة الحرب المتعطّشة للدماء، عقب انقلاب داخل القصر.

ويلتقي اللاعب، الذي يتقمّص الآن شخصية جندي كوري شمالي، بالابنة في مهمة تحمل اسم “اتّباع الأوامر” (Following Orders)، وهي مهمة وحشية أخرى لا تترك مجالاً كبيراً للخيال. ففي أثناء البحث عن منشقّ، تعيث أنت ورفاقك فساداً في إحدى القرى، وتعذّبون المدنيين الكوريين الشماليين بسبب حيازتهم مشغّلات موسيقى “إم بي 3” وروايات وأدوية للقلب محظورة. ثمّ، بعدما تجبرك الأخت على شنق المنشقّ، يُعدم سكان القرية بأكملهم جماعياً لإيوائهم إيّاه.

وأثناء مشاهدتي طريقة اللعب في هذه المهمة، تذكّرت مجزرة ماي لاي ومجزرة ساحة النسور التي ارتكبتها شركة “بلاك ووتر”. أمّا الجمهور المستهدف من اللعبة، فلن يتذكّرهما.

في غضون ذلك، يستغلّ القوميون الروس المتطرّفون، الذين يساعدون كوريا الشمالية في شنّ حربها على الجنوب، انسحاب القوات العسكرية الأميركية من مواقع استراتيجية حول البحر الأسود ودولة أورزيكستان الخيالية.

ويشعر العملاء الأميركيون بالغضب لأنّ واشنطن تتخلّى عن العمل الذي أنجزوه في الخارج. وعندما يتساءل أحدهم عن سبب إقدام صنّاع القرار على تقويض كلّ ما أنجزوه من عمل جيّد، يقدّم آخر تفسيراً بسيطاً: “إنّه نظام معيب”، قبل أن تتّضح عواقب ذلك بعد لحظات: “روسيا تستولي على الأراضي. نحن ننسحب، وهم يتقدّمون”.

ويبدو أنّ النظام المعيب هنا هو العملية الديمقراطية نفسها، التي تتيح للشعب الأميركي وممثّليه المنتخبين التشكيك في التزامات واشنطن العسكرية في الخارج.

وفي وقت يزداد فيه إدراك الأميركيين للعواقب الكارثية لعقود من التدخّلات العسكرية، ويناقشون مدى حكمة الانخراط في مزيد من الصراعات العسكرية في أوكرانيا وتايوان وإيران، تقدّم شركة “أكتيفيجن” تحذيراً مألوفاً في دوائر السلطة بواشنطن: ضبط النفس الأميركي لا يؤدّي إلّا إلى تشجيع أعدائنا.

ويرى روجر ستال، الأستاذ في جامعة جورجيا والباحث في المجمع العسكري الترفيهي، نمطاً مألوفاً في هذه السلسلة. وقال لي: “الأعداء هم، يا للمفاجأة، الأعداء أنفسهم الذين يشكّلون محور سرديات السياسة الخارجية الأميركية الرسمية”، معتبراً أنّ السلسلة تروّج “لسردية قوية” تعفي التدخّلات العسكرية الأميركية من المساءلة.

وقرب نهاية الحملة القصصية، يكتشف اللاعبون أنّ ضبط النفس الأميركي كاد يدفع أوروبا بأكملها إلى حافة الكارثة. فبعد تحرير كوريا الشمالية من حكم ري جو يونغ الاستبدادي، التي تُعدمها بنفسك، تكتشف أنّ الغزو برمّته كان بمثابة ساحة اختبار روسية لسلاح يعتمد على النبضات الكهرومغناطيسية (EMP).

وكانت الخطة النهائية، التي دبّرها القوميون الروس المتطرّفون، تقضي باستخدام التكنولوجيا نفسها لغزو أوروبا، بدءاً بأوكرانيا وبولندا، وصولاً في نهاية المطاف إلى المملكة المتحدة.

وتنتهي اللعبة بمشهد قتالي درامي تقتل فيه رجلاً يبدو أنّه وزير الدفاع الروسي.

وعلى امتداد الحملة القصصية، يُمنح اللاعبون حرية اتّخاذ مجموعة كبيرة من الخيارات، بدءاً من اختيار العلامة التجارية لمعكرونة الرامن التي سيشترونها من متجر كوري، وصولاً إلى تحديد الطرق التي سيعبثون بها بالمدنيين الكوريين الشماليين والمدة التي سيستغرقونها في ذلك. لكنّ هذه الخيارات لا تؤثّر إلّا قليلاً في السردية الأوسع للعبة، التي وُضعت مسبقاً أمام اللاعب.

وقد وصف ماثيو ألفورد، الباحث في المجمع العسكري الترفيهي، وهم الاختيار هذا بإيجاز قائلاً: “يتمتّع اللاعب بحرية تكتيكية ضمن إطار سياسي لا يستطيع التشكيك فيه: كيفية القتال تفاعلية، أمّا سبب القتال فقد حُسم مسبقاً”.

ويتساءل ستال عن ردّ فعل الأميركيين لو طوّر الروس أو الكوريون الشماليون لعبة تحظى بالشعبية نفسها، ينفّذ فيها اللاعبون عمليات سرّية للتسلّل إلى واشنطن واغتيال الرئيس الأميركي. فهل كان أحد سيستخفّ بذلك باعتباره مجرّد لعبة فيديو أخرى؟

واستعانت شركة “أكتيفيجن” أيضاً بـ”مستر بيست” (MrBeast)، صانع المحتوى الأكثر شعبية على “يوتيوب”، للترويج لأحدث خيالاتها العسكرية، من خلال مسابقة للعبة “كول أوف ديوتي” تبلغ جائزتها مليون دولار، وقد حصدت بالفعل نحو 50 مليون مشاهدة.

ويُختتم هذا العرض الاستعراضي للعبة الفيديو بمشهد يتدافع فيه المتسابقون للصعود إلى مروحية من طراز “شينوك”، تقلع من عند قدمَي تمثال ضخم يحمل شبهاً مقلقاً بزعيم كوريا الشمالية الحالي كيم جونغ أون.

وفي وقت بدأ فيه الشباب، وهم الجمهور المستهدف من هذه اللعبة، بالتشكيك في إرث السياسة الخارجية الأميركية الكارثية على مدى العقدين الماضيين، تبدو هذه اللعبة قديمة بصورة مؤلمة.

فهي تقدّم خيالاً جاهزاً عن عالم يؤدّي فيه ضبط النفس الأميركي إلى وقوع الكوارث، ويُظهر فيه أعداء واشنطن شرّاً لا يمكن إصلاحه ولا يعرف الشبع، فيما يكون التدخّل العسكري الأميركي الحلّ الوحيد الممكن تصوّره لكبح ذلك الشرّ.

وإذا تُركت هذه السردية من دون تمحيص، فقد ينتهي الأمر باللاعب، بحلول اللحظة التي يضع فيها وحدة التحكّم جانباً، وقد تجدّدت طاقته، واستُحوذ على خياله، وصُنعت موافقته على حرب أميركا المقبلة.

المصدر: مجلة “Responsible Statecraft” الأميركية

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى