كارثة طبيعية تكشف قوة المغرب الداخلية…

كتب علي قاسم في صحيفة العرب.
الأحداث والكوارث البيئية تذكّر بأن الطبيعة قادرة على تجاوز حدود التكنولوجيا والأنظمة المتقدمة وأن الحكم في النهاية لا يكون على وقوع الكارثة بل على كيفية التعامل معها.
في مقال سابق قلت إن المغرب، الذي لم أزره يومًا، يسكنني. واليوم، أمام الفيضانات التي اجتاحت أرضه، أجد نفسي وكأنني أعيش الكارثة معهم، وأتنفس صمودهم، وأرى في تضامنهم صورة وطن يتجاوز حدود الجغرافيا ليغدو وطنًا للروح. لم أجد ما أعبّر به عن هذا الشعور سوى أن أكتب هذه الكلمات، علّها تكون جسرًا صغيرًا بيني وبين أهل المغرب، أشاركهم الحزن وأشاركهم الاعتزاز بما أظهروه من قوة ووحدة…
بعد سنوات طويلة من الجفاف الذي أنهك الأراضي الزراعية وأرهق الاقتصاد المغربي، جاءت الفيضانات الأخيرة لتشكّل حدثًا استثنائيًا في المشهد البيئي والاجتماعي للمملكة. الطبيعة، كما أثبتت هذه الكارثة، لا تخضع لمنطق التوازن الدائم، بل تتحرك وفق دورات يصعب التنبؤ بها أو السيطرة عليها. والمفارقة أن المغرب، الذي كان يعاني من ندرة المياه ويبحث عن حلول مبتكرة لتدبيرها، وجد نفسه فجأة أمام فائض مدمر من السيول التي اجتاحت مدنًا وقرى، وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية والممتلكات.
لكن هذه الظاهرة ليست حكرًا على المغرب. حتى أكثر الدول تطورًا، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، شهدت في السنوات الأخيرة كوارث طبيعية مشابهة: أعاصير، فيضانات، حرائق غابات. هذه الأحداث تذكّر بأن الطبيعة قادرة على تجاوز حدود التكنولوجيا والأنظمة المتقدمة، وأن الحكم في النهاية لا يكون على وقوع الكارثة، بل على كيفية التعامل معها.
في المغرب، كان الرد لافتًا؛ بإشراف مباشر من الملك محمد السادس، تحركت أجهزة الدولة بسرعة، معتمدة على القدرات الذاتية، لتأمين المأوى والغذاء والرعاية الصحية للمتضررين. التدخل الملكي لم يكن مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية وأخلاقية بأن القيادة تقف إلى جانب مواطنيها في لحظات الشدة. وفي الوقت نفسه، أظهر المجتمع المغربي تضامنًا استثنائيًا، حيث وقف المواطنون سدًا منيعًا لحماية المتضررين، في مشهد يعكس وحدة وطنية قلّما تُرى في مثل هذه الظروف.
المبادرات الفردية والجماعية التي ظهرت في مختلف المناطق أثبتت أن المجتمع المغربي يمتلك قدرة ذاتية على الصمود وأن التكافل الاجتماعي ليس مجرد شعار بل ممارسة فعلية في لحظات الشدة
كان التدخل الملكي المباشر في مواجهة الفيضانات الأخيرة علامة فارقة، ليس فقط من حيث سرعة الاستجابة، بل أيضًا من حيث الرسالة السياسية والإنسانية التي حملها. الملك محمد السادس لم يكتفِ بمتابعة الوضع من بعيد، بل أشرف شخصيًا على توجيه السلطات لتأمين المأوى والغذاء والرعاية الصحية والنفسية للمتضررين، مع تركيز خاص على الفئات الأكثر هشاشة: الأطفال والمسنين.
هذا التدخل عكس فلسفة حكم ترى أن القيادة ليست مجرد إدارة بيروقراطية، بل مسؤولية أخلاقية تجاه المواطنين في لحظات الشدة. المغرب، عبر هذا التدخل الملكي، قدّم نموذجًا لدولة تعتمد على قدراتها الذاتية، وتُظهر أن التضامن الداخلي يمكن أن يكون أكثر فاعلية من أي دعم خارجي.
بهذا المعنى، الاستجابة الملكية لم تكن مجرد إدارة أزمة، بل إعادة تأكيد على أن الدولة المغربية، بقيادة ملكها، قادرة على حماية مواطنيها حتى في أصعب الظروف، وأن الكارثة يمكن أن تتحول إلى لحظة لإبراز قوة التضامن الوطني.
إذا كان التدخل الملكي قد شكّل العمود الفقري للاستجابة الرسمية، فإن التضامن الشعبي كان بمثابة الروح التي أعطت لهذه الاستجابة معناها الإنساني. في مختلف المدن والقرى المتضررة، تحرك المواطنون بشكل تلقائي، مقدمين المساعدة لجيرانهم وأقاربهم، فاتحين بيوتهم لإيواء المشردين، وجامعين التبرعات لتوفير الغذاء والملابس. هذه المبادرات الشعبية لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل تجسيدًا لثقافة راسخة في المجتمع المغربي تقوم على قيم التكافل والتآزر.
الجمعيات المحلية، التي غالبًا ما تكون محدودة الموارد، أظهرت قدرة استثنائية على التنظيم السريع، فأنشأت مراكز إيواء مؤقتة، ووزعت المواد الأساسية، وساهمت في تقديم الدعم النفسي للأطفال الذين فقدوا منازلهم أو شهدوا مشاهد صادمة. هذه الجهود عززت صورة المغرب كدولة لا تعتمد فقط على مؤسساتها الرسمية، بل على شبكة واسعة من الفاعلين الاجتماعيين الذين ينهضون في لحظات الأزمات.
هذا التضامن الشعبي يكتسب أهمية مضاعفة في ظل محدودية الموارد الاقتصادية. فحين تتكامل الجهود الرسمية مع المبادرات الشعبية، يصبح المجتمع أكثر قدرة على الصمود أمام الكوارث الطبيعية. والأهم أن هذه اللحظة أظهرت أن المغاربة لا يقفون موقف المتفرج، بل يتحولون إلى فاعلين أساسيين في حماية بعضهم البعض، وهو ما يعزز الثقة بين المواطن والدولة، ويخلق شعورًا بأن الجميع يقف في خندق واحد.
الفيضانات التي اجتاحت المغرب كشفت عن عمق العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وعن قدرة القيادة والتضامن الشعبي على تحويل المحنة إلى فرصة لإبراز الوحدة الوطنية
إلى جانب التدخل الملكي المباشر والتضامن الشعبي، برزت الإجراءات العملية التي اتخذتها أجهزة الدولة كعامل حاسم في الحد من آثار الفيضانات. السلطات المحلية، بالتنسيق مع الأجهزة المركزية، تحركت بسرعة لإجلاء الأسر من المناطق الأكثر تضررًا، ونُصبت مراكز إيواء مؤقتة مجهزة بالأساسيات من غذاء وأغطية وأدوية. هذه التدابير لم تكن مجرد حلول إسعافية، بل جزءًا من خطة طوارئ متكاملة هدفت إلى ضمان الحد الأدنى من الاستقرار في حياة المتضررين.
الطواقم الطبية لعبت دورًا بارزًا في هذه المرحلة، حيث انتشرت فرق الإسعاف في المناطق المنكوبة لتقديم الرعاية الصحية العاجلة، ومعالجة الإصابات، ومتابعة الحالات المزمنة التي تفاقمت بسبب الكارثة. كما تم توفير دعم نفسي للأطفال والمسنين الذين عانوا من صدمة فقدان منازلهم أو التعرض لمشاهد مأساوية. هذه الرعاية النفسية، التي غالبًا ما تُهمل في مثل هذه الظروف، عكست وعيًا متزايدًا بأهمية الصحة النفسية في تعزيز قدرة المجتمع على الصمود.
من جانب آخر، عملت فرق الهندسة والإنقاذ على إعادة فتح الطرق المقطوعة، وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه، لضمان عودة الخدمات الأساسية في أسرع وقت ممكن. الجهود الميدانية ساعدت على تقليل الفوضى، ومنحت المتضررين شعورًا بأن الدولة موجودة على الأرض، لا تكتفي بالتصريحات، بل تقدم حلولًا ملموسة.
بهذا المعنى، الإجراءات العملية لم تكن مجرد استجابة تقنية، بل جزءًا من بناء الثقة بين المواطن والدولة، ورسالة بأن المغرب قادر، رغم محدودية موارده، على إدارة الأزمات بكفاءة وإنسانية.
الفيضانات تحولت إلى حدث رمزي وسياسي بامتياز. فطريقة التعامل معها، سواء من جانب الدولة أو المجتمع، أعادت صياغة صورة المغرب داخليًا وخارجيًا. داخليًا، عززت هذه الأزمة الثقة بين المواطن والدولة، وأظهرت أن القيادة السياسية، ممثلة في الملك محمد السادس، حاضرة بشكل مباشر في لحظات الشدة. هذا الحضور الملكي لم يكن مجرد متابعة إدارية، بل رسالة واضحة بأن الدولة لا تترك مواطنيها وحدهم في مواجهة الكوارث، وأن التضامن الوطني هو الركيزة الأساسية للصمود.
خارجيًا، انعكست الاستجابة المغربية على صورة المملكة كدولة قادرة على إدارة الأزمات بكفاءة، رغم محدودية مواردها مقارنة بالدول الكبرى. وبينما تتزايد الكوارث المناخية على المستوى العالمي، يصبح النموذج المغربي جديرًا بالاهتمام: قيادة سياسية تتدخل مباشرة، مجتمع متماسك ينهض لمساندة المتضررين، وإجراءات عملية تُنفذ بسرعة على الأرض. هذه العناصر مجتمعة تمنح المغرب صورة دولة مسؤولة، قادرة على تحويل المحنة إلى فرصة لإبراز قوتها الداخلية.
الكارثة أعادت طرح سؤال العدالة المناخية عالميًا. فإذا كانت دول متقدمة مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا تعاني من فيضانات وأعاصير رغم بنيتها التحتية المتطورة، فإن دولًا مثل المغرب تواجه تحديات مضاعفة، لكنها تُظهر قدرة على الصمود بفضل التضامن والقيادة. بهذا المعنى، الفيضانات الأخيرة لم تكن مجرد اختبار محلي، بل لحظة لإبراز أن المغرب جزء من معركة عالمية ضد تقلبات الطبيعة، وأنه قادر على أن يكون نموذجًا في كيفية التعامل مع الأزمات.
الإجراءات العملية لم تكن مجرد استجابة تقنية، بل جزءًا من بناء الثقة بين المواطن والدولة، ورسالة بأن المغرب قادر، رغم محدودية موارده، على إدارة الأزمات بكفاءة وإنسانية
ما حدث في المغرب يشكّل محطة لاستخلاص الدروس ورسم آفاق جديدة في التعامل مع الكوارث الطبيعية. أول هذه الدروس أن الطبيعة لا يمكن السيطرة عليها بالكامل، وأن التغيرات المناخية باتت واقعًا عالميًا يفرض نفسه على الدول كافة، بغض النظر عن مستوى تطورها أو حجم مواردها، وهو ما يذكّر بأن التوازن البيئي هشّ، وأن الاستعداد لمواجهة تقلباته ضرورة لا خيارًا.
الدرس الثاني يتعلق بأهمية القيادة السياسية المباشرة. تدخل الملك محمد السادس السريع والإنساني أظهر أن وجود قيادة حاضرة في لحظات الأزمات يعزز الثقة ويمنح المواطنين شعورًا بالأمان. هذا النموذج يمكن أن يكون مرجعًا لدول أخرى، حيث يصبح حضور القيادة عنصرًا حاسمًا في إدارة الكوارث.
الدرس الثالث هو قيمة التضامن الشعبي. المبادرات الفردية والجماعية التي ظهرت في مختلف المناطق أثبتت أن المجتمع المغربي يمتلك قدرة ذاتية على الصمود، وأن التكافل الاجتماعي ليس مجرد شعار، بل ممارسة فعلية في لحظات الشدة. هذا التضامن يعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات، ويخلق شبكة دعم لا يمكن لأي جهاز رسمي أن يوفرها وحده.
المغرب، مثل غيره من الدول، سيواجه المزيد من التحديات المناخية في السنوات المقبلة، من جفاف إلى فيضانات إلى تقلبات بيئية غير متوقعة. والاستعداد لهذه التحديات يتطلب استراتيجية شاملة تقوم على ثلاثة أعمدة: قيادة سياسية حاضرة، مجتمع متماسك، وبنية تحتية أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الطبيعة.
الفيضانات التي اجتاحت المغرب كشفت عن عمق العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وعن قدرة القيادة والتضامن الشعبي على تحويل المحنة إلى فرصة لإبراز الوحدة الوطنية. لقد أظهرت هذه الأزمة أن المغرب، رغم قسوة الطبيعة ومحدودية الموارد، قادر على الصمود والنهضة بروح جماعية لا تنكسر.
إذا كانت مقدمة هذا المقال قد انطلقت من شعور شخصي بأن المغرب وطن يسكنني، فإن الخاتمة تعود لتؤكد أن هذا الوطن الذي يسكنني يستحق أن يسكن القلوب جميعًا.




