قرنان من ازدراء الولايات المتحدة لكوبا

ازدراء الولايات المتحدة للسيادة الكوبية يسبق بكثير هوس واشنطن بـ”الأمن القومي” كذريعة لتدخلاتها، والمشكلة لا تكمن في هافانا. أين تكمن إذاً؟
مايكل ك. سميث – موقع counterpunch:
في الأول من الشهر الجاري، شدد دونالد ترامب العقوبات الخانقة المفروضة على كوبا، بالتزامن مع تجديد تهديداته في “الاستيلاء” على الجزيرة، حين ينتهي من ارتكاب أكبر خطأ في السياسة الخارجية الأميركية في إيران.
وقد برر هذا الإجراء الجديد، الذي يهدف إلى زيادة معاناة الكوبيين بلا تبرير، وبذريعة واهية، بأن حكومة بلادهم تشكل تهديداً غير مسبوق للأمن القومي الأميركي، وهو إن صح، فإنه اعتراف غير مسبوق بالعجز العسكري الأميركي.
مع ذلك يتضح من الحقائق التاريخية البسيطة أن ازدراء الولايات المتحدة للسيادة الكوبية يسبق بكثير هوس واشنطن بـ “الأمن القومي” كذريعة لتدخلاتها، والمشكلة لا تكمن في هافانا. قبل أكثر من قرنين من الزمن، كانت واشنطن تعارض بشدة استقلال الجزيرة التي “تتمتع بموقع استراتيجي وغنية بالسكر والعبيد”، على حد تعبير خبير السياسة الخارجية الأميركية بييرو غليغيسيس، حيث إنه لم يكن من الممكن التضحية بهذه المزايا من أجل شعب مختلط الأعراق يسعى إلى الاستقلال بحسب ما تراه واشنطن بأنه قدر محتوم.
أوصى توماس جيفرسون جيمس ماديسون بمنح نابليون حرية التصرف في أميركا الإسبانية مقابل منح الولايات المتحدة كوبا. وفي رسالة إلى ماديسون عام 1823، قال جيفرسون إن على الولايات المتحدة ألا تخوض حرباً من أجل الجزيرة، لأن “الحرب الأولى التي نخوضها، ولو لأسباب أخرى ستمنحنا إياها، أو ستمنحنا الجزيرة نفسها عندما يحين الوقت المناسب”، بخطاب يتطابق إلى حد كبير مع كلام دونالد ترامب وتوجهاته اليوم.
وعلى المنوال عينه، أوضح وزير الخارجية جون كوينسي آدامز آنذاك عن القيمة الاستراتيجية لكوبا، ووصفها بأنها “هدفٌ ذو أهمية بالغة للمصالح التجارية والسياسية لاتحادنا”، وهو أيضاً كان يريد كوبا أن تبقى تحت السيطرة الإسبانية إلى أن تقع في أيدي الولايات المتحدة “بحكم قوانين الجاذبية السياسية”، باعتبار الجزيرة “ثمرة ناضجة” جاهزة للحصاد، بينما كان هذا الرأي في ذلك الوقت يحوز موافقة معظم أعضاء السلطتين التنفيذية والتشريعية في ذلك الوقت.
لقد برزت “المخاوف” الأميركية بشأن كوبا لأسباب سياسية صريحة مع ظهور حركة التحرير الوطني الكوبية عام 1868. وكان من أبرز هذه المخاوف نزعة الحركة الديمقراطية، التي تضمنت مفاهيم تعتبر هرطقة، كالديمقراطية والحرية والمساواة في الحقوق للجميع، لا سيما ملاك الأراضي البيض.
كان هذا هو الخوف الإمبريالي المألوف من أن يفسد عنصر فاسد الصندوق بأكمله. وفي هذه الحالة، كان من الممكن أن ينجح استقلال كوبا ويلهم شعوباً مستعمرةً أخرى كي تسعى لتحقيق استقلالها الوطني؛ فإذا ما أريد للإمبراطورية أن تستمر، فلا بد من استئصال هذا النوع من النماذج.
وفي المراحل الأولى من حرب كوبا من أجل الاستقلال، فقدت بعض الأرواح والممتلكات الأميركية، لكن الأزمة الحقيقية بدأت عام 1873، حين استولت إسبانيا على سفينة “فيرغينيوس”، التي كانت ترفع العلم الأميركي وتحمل أسلحة للقوات الثورية الكوبية، حيث أعدم الإسبان 53 شخصاً من أفراد طاقمها.
ولقد قاوم هاميلتون فيش، وزير خارجية الرئيس غرانت، دعوات الانتقام لعلمه بأن السفينة كانت تخالف القانون، ولأنه لا يرغب في أي صلة بالسكان الكوبيين متعددي الأعراق. وعندما طرح أحد أعضاء مجلس الوزراء فكرة ضم كوبا، رفض فيش الفكرة بشدة، مذكراً بأن الولايات المتحدة تعاني بالفعل من مشكلات عنصرية خطيرة في ولايتي كارولاينا الجنوبية وميسيسبي.
وفي النهاية، دفعت إسبانيا تعويضاً قدره 80 ألف دولار عن أرواح أفراد الطاقم، وحافظت على السيطرة على كوبا عندما انتهت الحرب في عام 1878.
ولم تستأنف الحرب بكامل قوتها إلا في عام 1895، عندما كانت إمبراطورية مدريد على وشك الانهيار، حيث كانت لسنوات مضطرة إلى خوض حروب متزامنة ضد حركات الاستقلال في كوبا والفلبين، بينما كانت مستعمراتها في البر الرئيسي الأميركي قد تحررت عام 1825، لكنها تشبثت بشدة بجزيرتي كوبا وبورتوريكو، آخر ممتلكاتها الاستعمارية في الأميركيتين.
في أثناء ذلك، نما النفوذ الأميركي إلى درجة مكنته من تجاهل القوة البريطانية وغزو كوبا، في الوقت المناسب تماماً لمنع النصر عما اعتبرتهم علناً من السلالات الأدنى من السكان الأصليين، بينما وصفت صحافة نيويورك هؤلاء السكان بـ”الزنوج الجهلة، وأنصاف السلالات، والداغو”.
وكان للجنرال صموئيل بي إم يونغ، قائد الجيش الأميركي، رأي مماثل، وقال عن الجنود الكوبيين إنهم “مجموعة من المنحطين”، و”لا يملكون من قدرة على الحكم الذاتي أكثر من متوحشي أفريقيا”.
اقرأ أيضاً: ألييدا غيفارا عبر الميادين: لا يمكن الاستسلام بل يجب القتال من أجل أرضنا وأطفالنا
وبحلول أواخر عام 1895، أعلن الثوار تأسيس حكومة مؤقتة، لكن لا غروفر كليفلاند ولا ويليام ماكينلي كانا على استعداد للاعتراف بالقوات الثورية، لأن ذلك يؤدي إلى فك التزام إسبانيا حماية ممتلكات أميركية في كوبا بقيمة 50 مليون دولار، حيث تفضل الحكومة الأميركية تحميل مدريد “المتحضرة” مسؤولية تلك الممتلكات وأرواح الأميركيين في الجزيرة، بينما ضغطت على الحكومة الإسبانية لمنح الثوار الكوبيين “غير المتحضرين” قدراً كافياً من الحكم الذاتي لكي يلقوا أسلحتهم.
لكن إسبانيا رفضت منح كوبا الحكم الذاتي، على الأقل في البداية. فقد تقلصت إمبراطوريتها العالمية السابقة لتقتصر على كوبا وبورتوريكو وغوام والفلبين، ولم يكن بوسع أي حكومة في مدريد أن تتوقع البقاء في السلطة إذا فقدت السيطرة على أي من هذه الجزر.
وقد اتخذ الإسبان موقفاً متشدداً، وأرسلوا 150 ألف جندي حاولوا قمع دعم الثوار باعتقال آلاف الكوبيين، وسجنهم في معسكرات محاطة بالأسلاك الشائكة، لكن الثورة استمرت في الانتشار، واعتمد الثوار سياسة الأرض المحروقة التي دمرت ممتلكات أميركية.
مع ذلك، لقد كانت معاناة كوبا كبيرة. فلقد اجتاح التيفوس والجدري والكوليرا الجزيرة، وانتشر الجوع على نطاق واسع، وغرق جزء كبير من السكان في براثن المرض والموت واليأس. ومع فقدان إسبانيا السيطرة على الوضع المتدهور، اندلعت أعمال شغب في هافانا أواخر عام 1897، ونقل ماكينلي السفينة الحربية “مين” إلى ميناء هافانا لحماية المواطنين والممتلكات الأميركية. وبعد أيام، تسبب انفجار في غرق “مين”، ما أسفر عن مقتل أكثر من 268 بحاراً أميركياً، بينما لم تتمكن لجنة تحقيق بحرية من تحديد المسؤول عن كارثة غرق السفينة.
ومع ذلك، وبتحريض من صحافة مثيرة للضجة، ألقت باللوم على إسبانيا، تصاعدت الرغبة في الحرب مع مدريد، لكن الرئيس ماكينلي عارض ذلك، لكنه أراد أيضاً حماية الممتلكات الأميركية في كوبا، ومنع الثورة الكوبية من الانحراف نحو اليسار، واستعادة ثقة مجتمع الأعمال الأميركي، من بين أمور أخرى. فلم يكن من الممكن تحقيق هذه النتائج إلا من خلال الحرب.
اقرأ أيضاً: البرلمان الكوبي يرفض توسيع العقوبات الأميركية: عقاب جماعي وانتهاكٌ للسيادة
وبعد شهرين من تفجير المدمرة “مين” أقر الكونغرس ذلك، وتوالت الأحداث بسرعة، وقطعت مدريد علاقاتها بواشنطن، وصدحت الصحافة القومية المتطرفة بشعار “إلى هافانا!”، وسارع مليون أميركي نشأوا على قصص رومانسية عن معركتي أنتيتام وغيتيسبيرغ إلى التطوع، في حين أبلغ السفير الفرنسي باريس أن “نوعاً من الغضب الحربي قد استولى على الأمة الأميركية، بينما كان ثيودور روزفلت المتطرف يجلد “الملونين”.
ولقد تمكنت القوات الأميركية والكوبية من هزيمة الإسبان بسرعة، كما قضى وباء الحمى الصفراء على الأميركيين بسرعة، وخرجت كوبا من هذه الأزمة مدمرة في القطاعين الزراعي والصناعي، بينما استولى المستثمرون الأميركيون على خطوط السكك الحديدية والمناجم ومزارع قصب السكر
كثيراً ما يقال إن أحداث عام 1898، مثلت انطلاقة الإمبراطورية الأميركية، لكن في الحقيقة كانت الولايات المتحدة إمبراطورية منذ البداية، وهي متجذرة بعمق في افتراضات عنصرية تجعل ازدراء ثيودور روزفلت الصريح للأميركيين السود يبدو بسيطاً بالمقارنة. ولقد تجلت هذه الافتراضات بوضوح في الطريقة التي عومل بها الجنود الأميركيون السود من قبل مواطنيهم الأميركيين في أثناء ذهابهم إلى الحرب في كوبا.
كذلك، هاجم أصحاب المتاجر في تامبا أفراداً من “فوج المشاة 24″، المؤلف بالكامل من جنود سود، ورفضوا خدمتهم وقالوا: “لا نبيع للزنوج الملعونين!”. كما طرد عدد من ضباط فوج 8 في إلينوي، والمؤلف بالكامل أيضاً من جنود سود، كذلك رفضت المطاعم في بالتيمور التعامل معهم. وفي ولاية فرجينيا الغربية، عبر عامل في مصنع جعة بصوت عال أمام جنود سود عن رأيه قائلًا: “يجب أن يذهب الزنوج جميعهم إلى كوبا حيث سيقتلون”.
وفي هامبتون في ولاية جورجيا، قتل الجندي جيمس نيلي من فوج المشاة الخامس والعشرين بعد أن تجرأ على طلب كوب من المياه الغازية. وعلى مشارف ماكون، بولاية جورجيا، كتب على لافتة عند مدخل حديقة عامة: “ممنوع دخول الكلاب والزنوج”.
كما كان بإمكان زوار المدينة رؤية شجرة الإعدام التي شنق عليها ويل سينغلتون، ثم أطلق عليه النار، وتم إخصاؤه. وقدمت صحافة ماكون تبريراً ضمنياً لكل هذا، حيث اشتكت من “حالة من الشغب” بين الجنود السود المتجهين إلى كوبا، وقيل إن ازدراءهم لقوانين جيم كرو له تأثير “غير صحي” في السود المحليين، الذين كان عدد كبير منهم يعملون في فرق العمل الشاقة.
وبسبب هذه العنصرية المتفشية، لم تنل كوبا استقلالها عام 1898، بينما لم يتجاوز ملاك المزارع الأميركيون من تحرر هايتي كأول جمهورية سوداء مستقلة عام 1804، خشية انتشار الأفكار الثورية بين العبيد الأميركيين. وبعد قرن تقريباً، ظل الخوف من السكان السود وذوي الأصول المختلطة في كوبا بين القادة الأميركيين كبيراً، ولم يرغبوا في وصول السود إلى السلطة على بعد 90 ميلاً فقط من الولايات المتحدة.
وهكذا استبدل الحكم الإسباني بالحكم الاحتلال العسكري الأميركي حتى عام 1902، وبعد ذلك بحكم فعلي بموجب “تعديل بلات”، وهو اتفاق بين كوبا والولايات المتحدة سمح لواشنطن “بالتدخل في أي وقت للحفاظ على استقلال كوبا، ودعم حكومة هافانا بالقدر الكافي لحماية الأرواح والممتلكات والحريات الفردية”. كما سمح “تعديل بلات” للولايات المتحدة بالاستحواذ على القاعدة البحرية في خليج غوانتانامو عام 1903، واستخدم لتبرير 4 تدخلات أميركية قبل إلغائه نهائياً عام 1934.
وبعد أن دمرتها الحرب زائد معاناة معظم سكانها من الفقر والأمية والمرض، أصبحت كوبا تعتمد كلياً على الولايات المتحدة، التي أبقت الجزيرة متخلفة كما فعلت إسبانيا، بينما طورت صناعة السكر المربحة لتصبح حكراً للولايات المتحدة، التي كانت السوق المهيمنة والمستثمر الرئيسي.
وبحلول منتصف عشرينيات القرن الماضي، سيطرت الولايات المتحدة على ثلثي الزراعة الكوبية، حيث مولت طفرة السكر في ذلك العقد بناء مبان عامة فخمة ومنازل فاخرة للأثرياء، لكنها لم تقدم شيئاً للفقراء.
كذلك، قامت الشركات الأميركية ببناء السكك الحديدية والطرق، وأنشأت البنوك والكهرباء وأول نظام هاتف آلي في العالم، لكنها استولت على الأرباح جميعها. واستغرق الأمر عقوداً أخرى من تبعية كوبا للولايات المتحدة وفقرها قبل أن تظهر الثورة مجدداً على جدول الأعمال.
اقرأ أيضاً: الخارجية الكوبية: روبيو يكذب.. كوبا تتعرض لحصار نفطي أميركي
في 26 تموز/ يوليو 1953، هاجم فيدل كاسترو ثكنات حصن مونكادا فجرًا برفقة 120 شاباً شجاعاً معهم أسلحة قليلة وخفيفة، وقد قتل بعضهم في المعركة، بينما تعرض الكثيرون منهم للتعذيب حتى الموت على يد جيش فولغينسيو باتيستا، الذي فقأ عيون رفيق كاسترو أبيل سانتاماريا بعد أسره من بين آخرين.
وبدلاً من أن يرضخ كاسترو الذي وقع أسيراً أيضاً للأمر الواقع، قدم دفاعاً قوياً، ولم يعتذر فيه عن الهجوم، حيث أنصت إليه القضاة المذهولون باهتمام بالغ، وأصغوا إلى كل كلمة ينطق بها، مستنداً إلى الحق القديم في التمرد على الطغيان، فاتهم كاسترو باتيستا وضباطه بالوحشية والخيانة، وقال بتحدٍ: “لن نرضى بأن نكون عبيداً لأحد، بل سنغرق هذه الجزيرة في المحيط”.
وأضاف في معرض طرحه لبرنامج ثوري أن ما لا يمكن تصوره ليس الهجوم على الثكنات، بل الفشل في توفير الغذاء والعمل للجميع، وأن ينام الرجال جائعين، بينما لم يبق شبر واحد من الأرض دون زرع، وما لا يتصور هو أن يموت الأطفال دون رعاية طبية، و30% من فلاحينا لا يستطيعون التوقيع بأسمائهم، وأن 99% لا يعرفون تاريخ كوبا، وما لا يمكن أن يتصور، هو أن تعيش معظم العائلات في ريفنا في ظروف أسوأ من تلك التي وجدها كولومبوس لدى الهنود عندما اكتشف أجمل أرض رأتها عين بشرية على الإطلاق”.
وختم كاسترو كلمته بالقول: “لا سبيل للخلاص من هذا البؤس إلا بالموت الذي تعين الناس عليه الدولة، حيث 90% من أطفال الريف تلتهمهم الطفيليات وهم حفاة”. فلقد كان أكثر من نصف أفضل الأراضي الزراعية المنتجة الكوبية مملوكة لأجانب.
وفي أكبر المقاطعات، امتدت أراضي شركة يونايتد فروت من الساحل الشمالي إلى الساحل الجنوبي، بينما لا تزال كوبا مصنعاً ينتج المواد الخام، وتصدر السكر لاستيراد الحلوى، والجلود لاستيراد الأحذية، والحديد لاستيراد المحاريث.
حين انتصرت الثورة الكوبية 1959، أثارت غضب واشنطن فوراً تقريباً. وبحلول أواخر ذلك العام، اتفقت وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية على ضرورة إطاحة فيديل كاسترو.
وأوضح الليبراليون في وزارة الخارجية أن أحد الأسباب هو أن “مصالحنا التجارية في كوبا قد تضررت بشدة”. وكان سبب آخر هو خطر تقديم مثال يحتذى به، أي ميل الثورة الناجحة إلى إلهام الشعوب الأخرى الخاضعة لتحدي السيطرة الإمبريالية الأميركية على مصائرها أو كما خلصت إليه وزارة الخارجية في تشرين الثاني/ نوفمبر 1959، بأن الولايات المتحدة لن تشجع وتدعم السياسات الاقتصادية السليمة في دول أميركا اللاتينية الأخرى إذا كانت تتعاون أو يبدو أنها تتعاون في الوقت نفسه مع طروحات برنامج كاسترو الذي أمم مليار دولار من ممتلكات الشركات الأميركية، ونفذ أوسع إصلاح زراعي في تاريخ أميركا اللاتينية، وأنشأ تعاونيات حكومية، وبنى آلاف المنازل للفقراء، وخفض الإيجارات إلى النصف، ووفر فرص عمل للعاطلين، وقضى على الأمية، ووسع برامج الرعاية الصحية العامة بشكل كبير، وألغى التمييز العنصري، وفتح دور الحضانة والمنتجعات والفنادق التابعة للأثرياء أمام السكان جميعهم. فلقد لاقت هذه السياسات شعبية هائلة، ليس فقط في كوبا، بل في كل مكان فيه فقراء.
في أوساط التخطيط النخبوية في الولايات المتحدة، كان رد الفعل مختلفاً تماماً. وبحلول تشرين الأول/ أكتوبر عام 1959، كانت الطائرات المتمركزة في فلوريدا تشن غارات جوية وقصفاً على الجزيرة، بالتزامن مع تكثيف وكالة المخابرات المركزية لعملياتها التخريبية، من ضمنها تزويد جماعات متمردة بالأسلحة لأجل تخريب مصانع السكر وغيرها من الأهداف الاقتصادية.
وفي آذار/ مارس 1960، تبنّت إدارة أيزنهاور رسمياً خطة لإطاحة كاسترو لمصلحة نظام “أكثر التزاماً بالمصالح الحقيقية للشعب الكوبي وأكثر قبولًا لدى الولايات المتحدة”، وهو هدف متناقض في جوهره، وكان من المقرر تحقيقه “بطريقة تتجنب أي مظهر من مظاهر التدخل الأميركي”، نظراً إلى شعبية كاسترو الكبيرة.
آنذاك، أوضح ليستر مالوري من وزارة الخارجية منطق الإرهاب والخنق الاقتصادي، فكتب أنه ينبغي “زرع حالة من خيبة الأمل والسخط الناجمين عن السخط الاقتصادي والمعاناة لإحداث الجوع واليأس، ما يسهل إطاحة الحكومة”.
اقرأ أيضاً: الرئيس الكوبي: واشنطن تسعى لتدمير اقتصادنا وتلقي باللوم على الكوبيين
وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 1960، حاول كينيدي أن يكون أكثر عداءً للشيوعية من أيزنهاور ونيكسون، متهماً إياهما بتهديد الأمن الأميركي من خلال السماح بوجود “الستار الحديدي على بعد 90 ميلاً من ساحل الولايات المتحدة”. وفي إحدى خطبه، وعد بإسقاط الحكومة الكوبية إذا انتخب للمنصب.
ولقد بذل كينيدي قصارى جهده للوفاء بوعده، حيث تصاعدت أعمال التخريب والإرهاب والعدوان بشكل حاد في عهده، إضافة إلى حرب اقتصادية مدمرة لا تملك دولة صغيرة فرصة للصمود أمامها طويلاً. فلقد كان اعتماد هافانا على الولايات المتحدة في الواردات والصادرات هائلاً، ولم يكن من السهل استبداله، ولن يكون ذلك إلا بتكلفة باهظة، بينما جهد كينيدي وفريقه من النخبة لتعظيم معاناة كوبا.
كما اعترف وزير الدفاع الأميركي روبرت ماكنمارا في عهد كينيدي أمام لجنة تشيرش، وقال: “كنا في حالة هستيرية تجاه كاسترو إبان غزو خليج الخنازير عام 1981 وما بعده”. كان قد استند جزء كبير من سياسة كينيدي تجاه أميركا اللاتينية على الخوف من أن تكون الثورة الكوبية “فيروساً” سينتشر إلى دول أخرى، ويحد من الهيمنة الأميركية في المنطقة. وكما جاء في تقرير لوكالة المخابرات المركزية عام 1964، عن أن “دول أخرى في نصف الكرة الأرضية تراقب كوبا من كثب، وأي مظهر من مظاهر النجاح هناك سيكون له تأثير كبير في توجه الحكم في أماكن أخرى في المنطقة”.
وباستحضار لخطاب خطاب هتلر بشأن تشيكوسلوفاكيا، اتهم الرئيس كينيدي كوبا بأنها “خنجر” موجه نحو الولايات المتحدة، وأرسل جيشاً بالوكالة لغزو الجزيرة في خليج الخنازير في نيسان/ أبريل 1961، بالتزامن مع التخطيط لاغتيال فيدل كاسترو الذي كانت جريمته أنه ألغى سيطرة الرأسمالية على الاقتصاد الكوبي، الأمر الذي قضى على ما كان يسمى بـ”أرض الترفيه” التي تديرها المافيا، والتي أغنت المستثمرين الأجانب، بينما كانت كوبا تعاني المجاعة.
وبغض النظر عن سخافة فكرة أن كوبا الصغيرة تمثل تهديداً لقوة عظمى نووية تفوقها حجماً بأكثر من 80 ضعفاً، ولم يكن للولايات المتحدة أي سند شرعي أو قانوني لذلك. كما تنص المادة 15 من ميثاق منظمة الدول الأميركية على ما يلي: “لا يحق لأي دولة أو مجموعة دول التدخل، بشكل مباشر أو غير مباشر، ولأي سبب كان، في الشؤون الداخلية أو الخارجية لأي دولة أخرى”، فيما ينص ميثاق الأمم المتحدة على أنه يجب على جميع الأعضاء الامتناع في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
اقرأ أيضاً: الرئيس الكوبي رداً على التهديدات الأميركية: سنواجه أي عدوان خارجي بمقاومة لا تقهر
وبعد الهزيمة المذلة التي مني بها جراء الغزو الفاشل، كان الرئيس كينيدي مصمماً على عزل الثورة الكوبية، فأعلن عن تحالف التقدم، متبنياً خطاب التغيير الاجتماعي مع تحريمه الصريح للثورة أو الاشتراكية. ومن أبرز ملامح الخطة تحويل دور الجيوش اللاتينية الأميركية من “الدفاع عن نصف الكرة الأرضية” إلى “الأمن الداخلي”، مشجعاً وكالة المخابرات المركزية على إنشاء فرق اغتيال تحت غطاء “تدريب الشرطة”، بينما يشيد البيت الأبيض بإنشاء “نصف كرة أرضية يجد فيه كل إنسان ما يكفيه من طعام وفرصة عمل، حيث يتعلم كل طفل، وكل أسرة لديها مأوى.
بعد ذلك، صعدت واشنطن هجماتها السرية على كوبا وأعدت لغزو أميركي ثانٍ. وسعياً منها لردع هذا الغزو، وتلقين واشنطن درساً في استخدام القوة النووية، طلبت كوبا من الاتحاد السوفياتي نشر صواريخ نووية على الجزيرة في خريف عام 1962. وعندما امتثل خروتشوف، اختار كينيدي لعبة “التحدي النووي”، ففرض حصاراً أحادياً على كوبا في انتهاك لميثاق الأمم المتحدة، عوضاً عن التفاوض على حل سلمي، اعتبره كينيدي مخرجاً ضعيفاً.
وفي سبيل حل النزاع، لم تتخلَ الولايات المتحدة عن حربها الإرهابية المستمرة ضد الجزيرة، والتي شملت هجمات كيميائية وبيولوجية، فضلاً عن الهجمات المتكررة على حياة كاسترو. ودخلت كوبا في حالة تعبئة عسكرية دائمة، وتحالفت مع الاتحاد السوفياتي، بينما فرضت واشنطن حظراً تجارياً وائتمانياً شاملاً، وهو الإجراء المتبع مع الدول التي تنتهك حقوق المستثمرين.
وبعد مرور أكثر من 60 عاماً، لا تزال واشنطن مهووسة بكوبا الصغيرة، تلك القوة العظمى في مجالي الصحة والتعليم، التي قضت على الأمية بين عشية وضحاها تقريباً مع بداية ثورتها، والتي ترسل الآن أطباءها إلى جميع أنحاء العالم لعلاج العمى والعديد من الأمراض الأخرى، فضلاً عن تقديم الرعاية الحرجة في أعقاب الكوارث الطبيعية، وكل ذلك مجاناً للمرضى، هذا في حين أن جارتها الشمالية الأكثر ثراءً تبدد تريليونات الدولارات على حروب لا تنتهي، وتبقى الدولة المتقدمة الوحيدة في العالم التي لا توفر تغطية صحية شاملة لشعبها، الذي يدفع ضعف ما تدفعه الدول المتقدمة الأخرى مقابل نظام صحي، وهو يحقق نتائج أسوأ بكثير.
هذه الأولويات المختلة هي جوهر المشكلة، فهي مربحة للغاية لأصحاب الاقتصاد الخاص، الذي أصبح اقتصاداً عالمياًـ وإذا أرادت هذه القلة الجشعة مواصلة تنمية ثرواتها، فيجب أن تصبح هذه الأولويات ملزمة للجميع، ما يعني التخلي عن ثورة مكرسة لما تصفه واشنطن باستمرار بأنه أجندة “متطرفة” هي بإيجاز الموقف الكوبي من حقوق الإنسان، الذي أعلنه فيدل كاسترو في خطابه أمام الأمم المتحدة في مدينة نيويورك عام 1960، عن “حق الفلاحين في الأرض، وحق العمال في ثمرة عملهم، وحق الأطفال في التعليم، وحق المرضى في العلاج الطبي والرعاية الصحية، وحق الشباب في العمل، وحق الطلاب في التعليم المجاني، وحق السود والهنود في الكرامة الكاملة كبشر، وحق المرأة في المساواة المدنية والاجتماعية والسياسية، وحق كبار السن في شيخوخة آمنة، وحق المثقفين والفنانين والعلماء في النضال بأعمالهم، من أجل عالم أفضل، وحق الأمم في سيادتها الكاملة، وحق الشعوب في تحويل الحصون إلى مدارس، وتسليح عمالها وفلاحيها وطلابها ومثقفيها وسودها وهنودها ونسائها وشبابها وشيوخها وجميع المضطهدين والمستغلين، حتى يتمكنوا بأنفسهم من الدفاع عن حقوقهم ومصيرهم.




