رأي

فرنسا وألمانيا تلعبان لعبة خطيرة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يحاولان الحفاظ على تقليد ألمانيا وفرنسا في تقاسم المناصب العليا، ولا سيما في إدارة البنك المركزي الأوروبي أمام أي تأثير انتخابي في أوروبا.

كتب ليونيل لورون وماركوس آشوورث, في وكالة “بلومبرغ:

قد يبدو فقدان منطقة اليورو لاثنين من محافظي البنوك المركزية في فترةٍ وجيزةٍ أمراً مُتهوّراً. لكن بالتدقيق، يتضح أنه مُخطّطٌ له سياسياً. وسيتطلب الأمر حكمةً بالغةً لتجنّب أن يُصبح هذا الأمر هديةً أخرى للشعبويين المُهاجمين للنخب.

إنّ انفتاح رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، الواضح على الاستقالة قبل عام من انتهاء ولايتها، يثير مخاوف جدية، ولا سيما بعد خطوة مماثلة اتخذها رئيس البنك المركزي الفرنسي، فرانسوا فيليروي دي غالهو.

ولطالما اتسمت تعيينات البنك المركزي الأوروبي السابقة بجو من المفاوضات السرية لإرضاء قادة برلين وباريس، فإنّ هذه الخطوة تبدو سابقة خطيرة محتملة، حتى وإن كان الهدف النهائي هو مواجهة قوة اليورو العالمية في ظل تراجع الدولار الأميركي في عهد ترامب.

يُشير الأثر التراكمي إلى أنّ المؤسسة الحاكمة تُحكم قبضتها على السلطة قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل، والتي يُتوقّع أن يفوز بها أقصى اليمين.

ومن خلال تسريع عملية الخلافة، يبدو أنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يُحصّنان إدارة العملة الموحّدة ضدّ أيّ تأثير انتخابي، وذلك بمنع احتمال وصول مارين لوبان أو جوردان بارديلا إلى السلطة. وفي الوقت نفسه، يُحافظان على تقليد ألمانيا وفرنسا في تقاسم المناصب العليا في منطقة اليورو بينهما.

لكن ما الغاية من ذلك؟ الصورة العامة ليست جيدة. فرغم تقديم موعد الانتخابات، إلا أنّ المرشحين هم أنفسهم. رئيس البنك المركزي الهولندي السابق كلاس نوت ومحافظ بنك إسبانيا السابق بابلو هيرنانديز دي كوس هما الأوفر حظاً.

والآن فقط، سيُغرى الشعبويون المتشدّدون مثل لوبان باستغلال خطاب “أوقفوا السرقة” – حتى وإن كانوا يشعرون بارتياح خفي للتهرّب من المسؤولية الفعلية عن السياسة النقدية المعقّدة.

وسط كلّ هذه المناورات السياسية، ينبغي أن يكون جوهر هذه السياسة – وهو أمر بالغ الأهمية لأوروبا لإيجاد سبيل لفرض نفسها في عالم ترامب – هو الأولوية.

هناك خطر حقيقي من أن يتجذّر انخفاض التضخّم في منطقة اليورو، وهذا يتطلّب قيادة كفؤة. هل سينجح أفضل محافظ بنك مركزي وسط كلّ هذه التقلّبات؟ تستحق لاغارد الثناء على فترة ولايتها المستقرة، لكن هذه طريقة غير لائقة للانسحاب.

ما زلنا بعيدين كلّ البعد عن تدخّلات على غرار ترامب أو الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في البنوك المركزية الأوروبية.

ويكمن القلق الأكبر في ترسيخ سابقة قد يستغلها قادة شعبويون في المستقبل بمبرّرات معيّنة. يقول فريدريك دوكروزيه، الخبير الاقتصادي في شركة “بيكت” لإدارة الثروات: “لست متأكداً من أنّ المخاطرة باستقلالية ومصداقية البنك المركزي الأوروبي على المدى البعيد تستحق كل هذا العناء”.

ثمّة تفسير أكثر تفاؤلاً مفاده أنّ صفقة كبرى تلوح في الأفق بين ماكرون، المعروف بنشاطه الدؤوب، وميرتس القلق.

فالزعيم الفرنسي يسعى إلى فرصة لتشكيل دور اليورو العالمي في وقت يلجأ فيه المستثمرون إلى التحوّط ضد الدولار والأصول الأميركية.

ومن بين المكاسب التي حقّقها قصر الإليزيه، أنّ محافظي البنوك المركزية الألمانية، الذين كانوا يُعرفون سابقاً بتشدّدهم في التقشّف، يبدون منفتحين على المزيد من الاقتراض المشترك في منطقة اليورو.

قد يوافق ماكرون على اختيارٍ يُناسب ميرتس مقابل مكاسب أخرى، كمنصب كبير الاقتصاديين أو مقعد في مجلس إدارة فرنسا.

فمن غير المنطقي افتراض أنّ جنسية محافظ البنك المركزي ستُحدّد خياراته لأسعار الفائدة. لم يُقدّم كلٌ من جان كلود تريشيه ولا لاغارد سياسةً “فرنسية” بامتياز. ولا تزال حاجة ماكرون للمساعدة في إنعاش الاقتصاد الفرنسي المُتردّي من دون استجابة تُذكر.

لكن لا يزال هناك شيء من الانحلال في هذه اللعبة المحمومة من تغيير المناصب خلف الكواليس. ويقول نيكولاس غوتزمان، الخبير الاقتصادي في مؤسسة “فينانسير دو لا سيتي”، إنّ السؤال التاريخي الأكثر إلحاحاً بالنسبة لمنطقة اليورو هو ما إذا كان ينبغي التمسّك بنهج يفضّل الدقة التكنوقراطية في تحديد أهداف التضخّم على حساب نهج ماريو دراجي الأكثر توجّهاً نحو النمو.

ما يريده العالم من القارة اليوم هو القيادة والاستقرار ونوع من التكامل بين أعضائها قادر على حل الأزمات. ما يحتاجه مواطنو التكتل هو إطار سياسة نقدية يُعطي الأولوية لمعاناتهم مع غلاء المعيشة، إطار يُخفف من حماس الناخبين للتطرّف.

قد نصل إلى ذلك. لكنّ إعادة تشكيل النخب لموظفي الخدمة المدنية ذوي النفوذ ليست بداية موفقة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى