«فرصة أخيرة» من بوابة بكين | طهران لواشنطن: تخلّوا عن شروطكم المستحيلة

حسين شعيتو – الأخبار:
حملت زيارة عراقجي إلى بكين رسائل تتّصل مباشرة بمسار إنهاء الحرب. ويأتي هذا فيما تطرح طهران «فرصة أخيرة» للتوصل إلى اتفاق مع واشنطن، مشترطة حلاً شاملاً يوقف الحرب ويرفع العقوبات تدريجياً، في وقت ترفض فيه شروطاً أميركية بشأن برنامجها النووي السلمي.
طهران | قبل نحو أسبوع على الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى بكين في 14 و15 الجاري، حطّ وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في بكين، في زيارة لم تبدُ منفصلة عن محاولات احتواء الانفجار الإقليمي المفتوح. فالزيارة، وإن بدت امتداداً طبيعياً للعلاقة المتنامية بين إيران والصين، حملت رسائل تتّصل مباشرة بمسار إنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وإعادة ترتيب الأوراق في المنطقة بالشراكة مع الصين، خصوصاً في ظلّ ما أفرزته الحرب من شلل في حركة الملاحة في مضيق هرمز، بات يهدّد الاقتصاد العالمي، ويصيب الصين مباشرة. والجدير ذكره هنا أن الأخيرة تستورد نحو 15% من حاجاتها النفطية من إيران بأسعار تفضيلية ضمن «اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة» الممتدّة لـ25 عاماً، والبالغة قيمتها 400 مليار دولار، تحت عنوان «النفط مقابل الخدمات».
وبحسب ما تسرّب من أجواء لقاءات بكين، فإن عراقجي أكد أن بلاده مستعدة لسلوك المسار الدبلوماسي مع واشنطن، ولكن ضمن «حل شامل ومتكامل» ينهي الحرب في المنطقة ككلّ. ونقل الوزير الإيراني إلى المسؤولين الصينيين استياء طهران من تعنّت واشنطن، واستمرارها في طرح شروط تدرك أنها مستحيلة التحقّق، من مثل وقف البرنامج النووي السلمي نهائياً أو نقل اليورانيوم المخصّب إلى خارج البلاد.
وفي هذا السياق، أطلع عراقجي الرئيس الصيني، شي جين بينغ، على النسخة الأخيرة من ورقة الشروط التي قدّمتها إيران قبيل زيارة وفد بلاده إلى بكين، والتي اعتبر أنها قد تشكّل «الفرصة الأخيرة» للمسار السياسي، إذا ما كانت واشنطن راغبة فعلاً في التوصل إلى اتفاق. لكن ذلك هو ما استبعده رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، في تصريحات قال فيها إن الأميركي «لم يقتنع بعد بأن الدبلوماسية والاحترام هما الطريق الوحيد لأي حلّ».
وبالفعل، لم تكد تمضي سوى 24 ساعة على تلك التصريحات حتى جاءت الإجراءات الأميركية لتؤكد التوقعات الإيرانية؛ إذ أقدم الجيش الأميركي على «اختبار ناري» استهدف ناقلة نفط إيرانية، في محاولة جديدة للتهرب من اتفاق يضمن لإيران حقوقها، تعكس الوعي الأميركي بأن أيّ اتفاق مهما كان شكله أو طبيعته، سيُعتبر هزيمةً وتراجعاً عن الأهداف العسكرية التي رفعتها الولايات المتحدة مع بدء العدوان واغتيال المرشد الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي. هكذا، ورغم ما نتج من الزيارة من أجواء إيجابية، وقبل صدور الردود الإيرانية النهائية وانتقال ترامب إلى بكين، حيث يُتوقَّع أن تتحرّك مياه التفاوض الراكدة، بدا هذا الاستهداف بمثابة عملية جسّ نبض لإمكانية العودة إلى لغة القوة، بغية تحسين شروط التفاوض ودفع إيران إلى تقديم مزيد من التنازلات.
إلا أن الرد الإيراني على ذلك سرعان ما جاء حاسماً وواسعاً، ومفاده أن النار ستُواجَه بالنار، مهما اشتدّ الاستنزاف والحصار. ودفع هذا الردّ الإدارة الأميركية إلى إطلاق سلسلة من التصريحات عقب الاعتداء، أكدت فيها أن المناوشات التي حصلت لا تعني العودة إلى الحرب أو التخلّي عن الهدنة، وأن الأمل لا يزال قائماً في استكمال المسار الدبلوماسي.
تبدو التفاصيل المتداولة في طهران، على قلّتها، متقاربة بين الأوساط العسكرية والسياسية
وعليه، لا يزال من الممكن الحديث عن «فرصة أخيرة» للتوصل إلى اتفاق، لا سيما مع بروز الرعاية الصينية لمحاولة إبرام صفقة أميركية – إيرانية. ومما يعزّز حظوظ هذه الرعاية، كون الصين لاعباً أساسياً على الساحة الدولية وشريكاً تجارياً رئيساً لمعظم الدول، فضلاً عن علاقتها القوية مع إيران من جهة، وحاجة الولايات المتحدة إلى وسيط بحجمها من جهة أخرى، لا سيما مع ما يوفّره موقعها في هذه الوساطة من امتيازات وضمانات أكبر وأكثر فاعلية. أيضاً، قد يسهم أيّ اتفاق محتمل في إنهاء حصول الصين على النفط الإيراني بأسعار مخفّضة، وذلك عبر إعادة بيع النفط الإيراني وفق أسعار السوق العالمية في حال رفع العقوبات، وهو شرط تسعى الولايات المتحدة إلى تضمينه في أيّ صفقة محتملة.
أما في ما يتعلق بتفاصيل الورقة الأخيرة، التي نشرت بعض المواقع الأميركية بنودها، فقد نفت إيران دقة هذه التسريبات، متحدثةً عن حملة من الأخبار المضلّلة. وبمعزل عن ذلك، فإن الثوابت التي وضعتها طهران منذ اليوم الأول للعدوان لا تزال قائمة، باستثناء بعض التعديلات التي أدخلتها في محاولة لإنهاء الحروب في المنطقة عموماً، وفي مقدّمها حرب لبنان. ومن المتوقع أن توافق إيران على تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة محدّدة، على أن تعود لاحقاً إلى البرنامج النووي السلمي بنسبة تخصيب تبلغ 3.67%. كذلك، طرأ تعديل على شرط رفع العقوبات بالكامل قبل فتح المضيق والدخول في نقاش حول البرنامج النووي؛ إذ أبدت طهران استعداداً للقبول برفع تدريجي للعقوبات وإعادة الأصول المجمّدة، بالتزامن مع فتح تدريجي لـ«هرمز» وعقد مشاورات شاملة، من بين ملفّاتها البرنامج النووي، لمدة ثلاثين يوماً. وتقتضي هذه المدة وقف الخروقات والأعمال العسكرية في المنطقة بأكملها، إضافة إلى إعلان أميركي – إسرائيلي رسمي بإنهاء الحرب على إيران.
غير أن العقدة الأساسية تبقى في رفض طهران القاطع نقل اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% إلى خارج البلاد أو تذويبه، وهو الشرط الذي لا تزال واشنطن تتمسك به باعتباره مدخلاً لأيّ تسوية. وفي الكواليس، تتقدّم أيضاً ملفات اقتصادية حساسة، يتابعها «البنك المركزي» الإيراني الذي رافق رئيسُه الوفدَ المفاوض أكثر من مرّة. ومن بين هذه الملفات عرض أميركي يقضي بشراء طائرات مدنية وقطع غيار للطيران بدلاً من الإفراج الكامل عن الأصول الإيرانية المجمّدة، إضافة إلى فتح باب استثمارات ترى واشنطن أنها حُرمت منها في الاتفاق النووي لعام 2015، فيما كانت أوروبا المستفيد الأكبر منها، وهو ما عُدّ – من جانب الأميركيين – أحد أبرز أسباب التراجع عن «خطة العمل المشتركة الشاملة».




