
حسين زلغوط
خاص_ موقع “رأي سياسي”:

لم يأتِ تثمين الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم لزيارة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى الجنوب في عطلة نهاية الأسبوع الماضية كحدث بروتوكولي عابر، بل بدا رسالة سياسية متعددة الاتجاهات، تحمل في طياتها إشارات انفتاح محسوب على الحكومة الجديدة، ومحاولة لإعادة ضبط الإيقاع السياسي في مرحلة شديدة الحساسية داخلياً وإقليمياً.
زيارة نواف سلام إلى الجنوب، بما تمثله هذه المنطقة من رمزية سياسية وأمنية، أعادت إدخال رئاسة الحكومة إلى قلب المشهد الجنوبي بعد سنوات من الفتور، وجاءت لتؤكد حضور الدولة في منطقة لطالما قُرئت خارج منطق السلطة التنفيذية المباشرة.
من هنا، فإن الإشادة الصادرة عن الشيخ قاسم لا يمكن فصلها عن إدراك “حزب الله” لحاجة المرحلة إلى تثبيت حد أدنى من التلاقي مع الحكومة، ولو عند عناوين عامة كدعم صمود الناس، والالتفات إلى الجنوب كجزء لا يتجزأ من الكيان الوطني.
من الممكن توصيف موقف الشيخ قاسم على المستوى السياسي بأنه “مغازلة مضبوطة” للحكومة، لا ترقى إلى مستوى التحالف ولا تنحدر إلى منسوب الاشتباك، فالحزب، الذي يدرك تعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي، يحرص على عدم الظهور في موقع القطيعة مع السلطة التنفيذية، خصوصاً في ظل ضغوط متصاعدة على لبنان، وملفات شائكة تتقدمها الحدود الجنوبية، وإعادة الإعمار، والاستقرار الأمني.
في المقابل، يشكل هذا الموقف إشارة إيجابية لنواف سلام، مفادها أن زيارته لم تكن موضع اعتراض أو تشكيك من قبل الحزب، بل لاقت ترحيباً سياسياً وشعبياً مغلفاً بلغة التهدئة، وهو ما يمنح رئيس الحكومة هامش حركة أوسع في الجنوب، ويعزز صورته كرئيس حكومة يسعى إلى تثبيت حضور الدولة من دون استفزاز القوى المؤثرة على الأرض.
غير أن هذا الانفتاح لا يعني تبدلاً في الثوابت السياسية لحزب الله، ولا تخلياً عن مقاربته التقليدية للملفات الكبرى، وفي مقدمتها ملف الصراع مع إسرائيل وسلاح المقاومة. بل يمكن اعتباره محاولة للفصل بين إدارة الشأن الحكومي اليومي، وبين القضايا الاستراتيجية التي لا تزال خارج منطق التسويات الداخلية.
انطلاقا من هنا فان تثمين الشيخ نعيم قاسم لزيارة نواف سلام يعكس رغبة متبادلة في خفض منسوب التوتر، وفتح نافذة تواصل مدروسة بين الحزب والحكومة. نافذة قد لا تتحول إلى باب واسع، لكنها تكفي في هذه المرحلة لتمرير الوقت السياسي بأقل قدر ممكن من التصادم، في انتظار ما ستفرضه التطورات المقبلة على الساحة اللبنانية.
وفي هذا السياق فان مصادر سياسية لا تستبعد ان تشهد السراي مع قابل الأيام زيارة لنواب من “حزب الله” في إطار المتابعة ووضع آلية ما من شأنها تسريع تنفيذ ما كان وعد به الرئيس سلام خلال جولته الجنوبية التي كان لها صداها الإيجابي الواسع لدى الجنوبيين الذين يقدرون مثل هكذا خطوة في هذه المرحلة.
وتؤكد المصادر أن زيارة رئيس مجلس الوزراء تشكل خطوة على طريق عودة الدولة إلى الجنوب وأهله، الذين عمدوا انتماءهم للوطن بالدم، وحفظوا سيادته بجراحهم الثائرة وهجراتهم المتوالية، وكتبوا حكاية الصمود تمسكا بالأرض حتى باتوا جزءا منها.




