رأي

غرينلاند تعيد تشكيل العالم

كتب محمد خليفة, في الخليج:

يبدو أن العالم على صفيح ساخن، خاصة دول الاتحاد الأوروبي التي لم تفق بعد من صدمة الصراع الروسي الأوكراني، والخوف من أن يمتد ليشمل دولاً أخرى، فإذا بها تتلقى صدمة أخرى جراء سياسة إدارة ترامب، التي أظهرت أطماعها في احتلال، إن لم تستطع شراء، جزيرة غرينلاند.
إن الخوف يجتاح دولاً أوروبية عديدة، لأن دوام الحال من المحال، قاعدة كونية تصدق على الدول خاصة تلك التي تؤسس على غرور القوة وتصبح قضية العدالة قضية هامشية. إنها العقلية التي تؤمن بالقوة المادية لا العدل، ترجمتها إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عزمه على ضم جزيرة غرينلاند ذات الحكم الذاتي، والتابعة لدولة الدنمارك إلى بلاده، ومؤخراً عاد ليجدد مطالبه تلك تحت مسمى الحاجة إلى الجزيرة لأغراض الأمن القومي.
وقد حذرت الدنمارك، المسؤولة عن الدفاع عن غرينلاند، من أن أي هجوم عليها سيؤدي فعلياً إلى إنهاء حلف الناتو. كما أكدت كل من ألمانيا والسويد وفرنسا والنرويج إرسالها أفراداً عسكريين إلى غرينلاند. وقال المفوض الأوروبي للدفاع والفضاء أندريوس كوبيليوس:«إذا استولت الولايات المتحدة على جرينلاند بالقوة، فإن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ملزمة بتقديم المساعدة للدنمارك لردّ العدوان العسكري عن الجزيرة».
ورغم كل تلك المواقف الأوروبية الرافضة لضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة، لكن هذه الأخيرة ستمضي قدماً في خططها لضم هذه الجزيرة. لأنها لم تعد تقيم وزناً لدول أوروبا كلها، بل ترى أن تلك الدول باتت عبئاً عليها في موضوعي الدفاع والاقتصاد.
منذ عودة ترامب للبيت الأبيض وهو يطالب الأوروبيين برفع إنفاقهم في حلف الناتو إلى مستوى 5% من موازنة الحلف، وهو يعلم أن ذلك يشكل عبئاً على ميزانيات غالبية دول أوروبا، وبالتالي كان يطلق رصاصة الرحمة لإنهاء حلف الناتو.
وفي خطوة استباقية لكبح جماح إدارة ترامب، أبدى الديمقراطيون في الكونغرس اعتراضهم على سياسة إدارة ترامب لضم غرينلاند بالقوة إلى الولايات المتحدة، وقدّم بعض الأعضاء منهم في مجلس النواب مشروع قانون تحت عنوان «عدم تمويل غزو الناتو»، ويحظر ذلك القانون استخدام الأموال الفيدرالية لغزو أي دولة عضو في الناتو، أو أي منطقة محمية من قبل الناتو. وذلك في إجراء استباقي لمنع الرئيس من استخدام القوة العسكرية للاستحواذ على غرينلاند. ويحتاج القانون إلى موافقة الكونغرس بمجلسيه «النواب والشيوخ». وفي ظل وجود غالبية جمهورية في المجلسين، فإن من الصعب تمريره. وكان الرئيس ترامب قد أكد، مراراً وتكراراً، أن السيطرة على غرينلاند أمرٌ أساسي للأمن القومي الأمريكي، مشيراً إلى خطر تعزيز النفوذ الروسي والصيني في المنطقة.
وتملك الولايات المتحدة قاعدة في منطقة بيتوفيك شمال غرب غرينلاند، منذ الخمسينات من القرن الماضي، وهي مخصصة للدفاع الجوي الاستراتيجي حيث توجد فيها رادارات للإنذار المبكر وقواعد للصواريخ الاعتراضية. وتبلغ مساحة الجزيرة 2.16 مليون كيلومتر مربع، وهي أقل مناطق العالم كثافة سكانية، فمعظم أراضيها جبلية مغطاة بالجليد. ويسكن غالبية السكان البالغ عددهم 56 ألف إنسان على طول الساحل الغربي في مدينة «نوك» العاصمة، بالإضافة إلى بعض التجمعات الأخرى الصغيرة المجاورة، وهم يستخدمون القوارب والمروحيات والطائرات في التنقل.
وكانت غرينلاند مستعمرة دنماركية سابقاً، وهي الآن إقليم يتمتع بالحكم الذاتي تابع للدنمارك. وفي حال قررت إدارة ترامب ضم الجزيرة فهي لا تحتاج للقيام بعاصفة طائرات أو إعداد قوات عسكرية ضخمة، بل يكفي أن تعلن عن احتجاز الإدارة الذاتية في الجزيرة، ومن ثم التصريح بضم الجزيرة بشكل نهائي إلى الولايات المتحدة. وفي الغالب أن إدارة ترامب سوف تقوم بضم الجزيرة إلى أراضي الولايات المتحدة، ولن تجرؤ دول أوروبا كلها على منع ذلك، لأنها ستكون بين مطرقة الروس في الشرق وسندان الأمريكيين في الشمال. وستتحمل دول أوروبا، خاصة الكبرى منها كفرنسا وألمانيا وبريطانيا تبعات الانقياد الأعمى للولايات المتحدة لعقود، معتمدة على قوة الناتو، الذي يعتمد في المقام الأول على الولايات المتحدة.
ولذلك فإن، دول أوروبا، بعد نزع مخالبها، قد تضطر، راضية أو مكرهة، للقبول بالمطالب الأمريكية في غرينلاند وأن تسلّم أيضاً بالمطالب الروسية في أوكرانيا التي من المرجح أن ينتهي وجودها كدولة مستقلة. وأما حلف الناتو فإنه سوف يتفكك ويتبعه تفكك الاتحاد الأوروبي لتعود أوروبا كما كانت، من قبلُ، دولاً تقاتل بعضها بعضاً. وفي أحسن الأحوال فإن الدول الكبيرة ستفرض هيمنتها على الدول الصغيرة، أما الصيغ الوحدوية القائمة اليوم، سواء من حلف الناتو أو من الاتحاد الأوروبي، فإنها لم تعد مناسبة للقوى الدولية العظمى الراهنة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى