خاصأبرزرأي

عون لن يتراجع عن طلب الانسحاب الإسرائيلي قبل التفاوض

حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

يدخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، في ظلّ تقاطع مسارين إقليميين كبيرين: المفاوضات الأميركية – الإيرانية من جهة، وفتح واشنطن نافذة تفاوض لبنانية – إسرائيلية من جهة ثانية. وبين هذين المسارين، تتحرّك إسرائيل ميدانيًا في جنوب لبنان، محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، عبر توسيع نطاق التوغلات والاحتفاظ بمساحات تمنحها أوراق ضغط تفاوضية في أي ترتيبات مقبلة.

هذا السلوك الإسرائيلي لا يبدو منفصلًا عن قراءة تل أبيب للتحولات الإقليمية، فالإسرائيليون يدركون أن أي اتفاق أميركي – إيراني محتمل، أو أي مسار تفاوضي مرتبط بلبنان، لن يكون قابلًا للحياة من دون تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء الجبهة الجنوبية. لذلك تسعى إسرائيل إلى تحسين شروطها قبل الوصول إلى تلك اللحظة السياسية، عبر محاولة رسم حدود ميدانية جديدة بالقوة، وخلق مناطق ضغط تسمح لها بالمساومة لاحقًا على الأمن والحدود والضمانات.

في المقابل، يبدو رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون متمسكًا بمقاربة مختلفة تقوم على منع انزلاق لبنان إلى حرب استنزاف مفتوحة، وفي الوقت نفسه عدم تقديم أي تنازل يمسّ السيادة اللبنانية. فالرئيس، الذي تابع بدقة ما جرى في غزة، يدرك حجم الكارثة التي يمكن أن تصيب لبنان إذا تحوّل الجنوب إلى ساحة حرب طويلة الأمد، خصوصًا في ظل الانهيار الاقتصادي الهش، وعجز الدولة عن تحمّل موجات دمار ونزوح جديدة.

من هنا، جاء تمسّك عون بأربع ثوابت مترابطة: وقف إطلاق النار، الانسحاب الإسرائيلي الكامل، عودة النازحين إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار. هذه العناوين لا تُطرح بوصفها شروطًا تفاوضية فحسب، بل باعتبارها مدخلًا لحماية وحدة لبنان ومنع تكريس واقع الاحتلال أو تحويل الجنوب إلى منطقة معلّقة أمنيًا وسياسيًا.

ويدرك رئيس الجمهورية أن أي تراجع عن مطلب الانسحاب الإسرائيلي سيعني عمليًا فتح الباب أمام مرحلة خطيرة من الاستباحة الدائمة للسيادة اللبنانية. لذلك، فإن موافقة لبنان على الدخول في مسار تفاوضي برعاية أميركية لا تعبّر عن قبول بالأمر الواقع، بل عن محاولة لانتزاع الحقوق اللبنانية ضمن ميزان قوى شديد التعقيد، مع الإصرار على تثبيت حق الدولة في بسط سلطتها على كامل أراضيها عبر الجيش اللبناني.

في العمق، يحاول الرئيس عون، بحسب مصادر سياسية، السير بين حقل ألغام داخلي وإقليمي. فهو، من جهة، يواجه ضغوطًا دولية تدفع نحو تسويات سريعة تحت عنوان الاستقرار الأمني، ومن جهة ثانية، يدرك حساسية الداخل اللبناني تجاه أي تفاوض مع إسرائيل يمكن أن يُفهم وكأنه مسار تطبيع سياسي. لذلك يحرص على تقديم التفاوض باعتباره تفاوضًا تقنيًا وأمنيًا هدفه حماية لبنان ووقف العدوان، لا الانتقال إلى أي صيغة سياسية تتجاوز الثوابت الوطنية.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالين متوازيين: إما نجاح المساعي الدولية في تثبيت تهدئة تفرض انسحابًا إسرائيليًا وتعيد الجنوب إلى كنف الدولة اللبنانية، وإما استمرار إسرائيل في سياسة الضغط الميداني، بما يهدد بإبقاء لبنان داخل دائرة النار المفتوحة. لكن الثابت حتى الآن أن الرئاسة اللبنانية حسمت خيارها: لا استقرار من دون انسحاب إسرائيلي كامل، ولا تفاوض على حساب السيادة، ولا إمكانية لقيام دولة مستقرة فيما جزء من أرضها ما زال تحت الاحتلال أو عرضة للعدوان.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى