أبرزشؤون لبنانية

عودة: الكرم الذي وضعنا الله فيه ليس الكنيسة فقط بل البيت والمجتمع والوطن

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس، وألقى بعد قراءة الإنجيل عظة تناول فيها مثل «الكرامين الأردياء»، مشدداً على أن الإنسان ليس مالكاً مطلقاً لحياته، بل وكيلاً على ما ائتمنه الله عليه.

وقال عودة: «في إنجيل اليوم يعطي الرب يسوع مثل الكرامين الأردياء، كاشفاً لنا حقيقة علاقتنا بالله. فنحن لا نعيش لأنفسنا، ولا نملك حياتنا ملكاً مطلقاً، بل نحن وكلاء على ما ائتمننا الله عليه. فالكرم هو كرم الله، ونحن الكرامون، أما الثمر الذي يطلبه صاحب الكرم فهو ثمرة حياة الإنسان، إيمانه ومحبته وأعماله».

وأشار إلى أن الله «أعطانا الحياة والعقل والحرية والوقت والمواهب والناس الذين يضعهم في طريقنا، كما أعطانا كلمته ونعمته وحضوره بالجسد وفداءه، وهو ينتظر منا الثمر»، مضيفاً: «لذلك لا يسأل المؤمن ماذا أعطاني الله؟ بل ماذا فعلت بما أعطاني؟».

ولفت إلى أن مشكلة الكرامين في المثل أنهم «تناسيوا أنهم كرامون، وتصرفوا كأن الكرم ملك لهم»، معتبراً أن «هذا هو جذر خطيئة الإنسان الذي يأخذ عطايا الله وينسى الله، ويريد النعمة من دون صاحب النعمة».

وأضاف: «هذا الأمر ينطبق على إنسان اليوم الذي غالباً ما يعيش في سباق مع الوقت، يعمل ويخطط ويجمع المال والألقاب ويبحث عن الأمان والنجاح وينشغل بما سيفعله غداً ناسياً الله، وقد يصل به الأمر إلى عيش حياته دون أن يسأل: إلى أين أمضي؟ ولمن أعيش؟ وما الثمر الذي سيبقى من كل هذه الدوامة؟».

وأكد أن الله «لا ينتزع حياتنا من أيدينا ولا يرغمنا على شيء، بل يترك لنا الحرية وينتظر أن نعطيه الثمر بملء إرادتنا»، مشيراً إلى أن طول أناة الله «ليس ضعفاً، بل فرصة يمنحها للإنسان لكي يتوب».

وتابع عودة متوقفاً عند ذروة المثل، قائلاً إن الابن الذي أرسله صاحب الكرم هو المسيح «الذي جاء إلى العالم الذي خلقه، وإلى الإنسان الذي أحبه، فلم يقبله الإنسان بل رفضه وأخرجه خارج الكرم وقتله». وشدد على أن موته «لم يكن النهاية، لأن الحجر الذي رذله البناؤون صار رأساً للزاوية، والصليب الذي بدا هزيمة صار باب القيامة والخلاص، والموت صار حياة».

وانتقل إلى رسالة القديس بولس، داعياً إلى السهر والثبات في الإيمان والمحبة، وقال: «السهر من صفات الكرام الأمين الذي لا ينام طويلاً ليحرس كرمه»، موضحاً أن السهر عند الآباء هو «يقظة القلب»، أي أن ينتبه الإنسان إلى ما يحدث داخله وألا يسمح للغضب والحقد واليأس والأنانية والكبرياء بأن تستوطن قلبه.

وأكد أن الإيمان «ليس فكرة نحتفظ بها في الذهن، بل سلوك قويم يتجلى في المحبة والتواضع والوداعة والخدمة والعطاء»، مشدداً على أنه «عندما تهتز الحياة من حولنا، ينبغي ألا يهتز المسيحي معها، بل يكون قوياً بإيمانه وثابتاً في رجائه».

وعن الواقع اللبناني، قال عودة: «هذا الكلام يعزينا لأنه قريب من واقعنا في هذا البلد. لقد تعلم اللبناني أن يعيش وسط أزمات متلاحقة وحروب وضيقات، وأن يحمل في قلبه كثيراً من التعب والخوف والقلق. قد يظن أنه يعيش في أرض لا تعطي ثمراً، وأن كل ما يبنيه معرض للانهيار».

ودعا اللبنانيين إلى «عدم الاستسلام وإلى الثبات في المحبة والرجاء والأمانة حتى النهاية»، قائلاً: «قد لا نستطيع تغيير كل شيء في بلدنا، لكننا نستطيع تغيير تفكيرنا الخاطئ ونمط حياتنا».

وشدد على ضرورة أن يكون اللبنانيون «محبين، رحماء، أمناء في بيوتنا، صادقين في أعمالنا، مستقيمين في تعاملنا مع الآخرين، رافضين الفساد والكذب والظلم والرياء، حريصين على ألا نضيف كراهية جديدة إلى بلد أنهكته الكراهية».

وقال: «الكرم الذي وضعنا الله فيه ليس الكنيسة فقط، بل هو أيضاً البيت والمجتمع والوطن، وواجبنا السهر واليقظة والحفاظ على ما منحنا الله».

وختم عودة بالتأكيد أن «المحبة هي الوصية العظمى التي أعطاها الرب يسوع لتلاميذه، وهي الثمر الذي يريده صاحب الكرم»، مضيفاً: «ليس المطلوب أن ننجح في أعين الناس، ولا أن نجمع لأنفسنا الغلات الكثيرة، بل أن تثمر حياتنا ثمراً مرضياً لله: أن نغفر عندما نستطيع أن ننتقم، وأن نخدم عندما نستطيع أن نتجاهل، وأن نعطي عندما يكون الأخذ سهلاً، وأن نرجو عندما يصبح اليأس الطريق الأسهل».

وأضاف: «كل واحد منا يعيش اليوم داخل كرم أعطاه إياه الله، وسوف يأتي اليوم الذي يعود فيه صاحب الكرم ليسألنا عن الثمر. الكرم له. كل ما نفعله فيه يجب أن يكون استجابة لمحبته العظيمة».

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى