رأي

صفقات ترامب في الشرق الأوسط تأتي بنتائج عكسية

إيتان دانون وجوشوا كرام – مجلة “فورين بوليسي” الأميركية:

انخرطت إدارة ترامب في موجة واسعة من إبرام الصفقات في الشرق الأوسط. فخلال الأشهر القليلة الماضية وحدها، وقّعت الإدارة اتفاقية تجارية جديدة مع الأردن، ومنحت الإمارات العربية المتحدة إمكانية الوصول إلى أكثر رقائق الذكاء الاصطناعي الأميركية تقدّماً، ورفعت العقوبات عن سوريا، ووافقت على بيع مقاتلات “إف-35” للسعودية (وأعلنت أنها ستنظر في بيعها لتركيا أيضاً)، وأقرّت حزمة تسليح كبيرة لـ”إسرائيل”، ووقّعت اتفاقية تاريخية للتعاون النووي المدني مع السعودية.

قد تكون كل صفقة تحمل الختم الأميركي منطقية بحدّ ذاتها، كما أنّ كثيراً منها يتيح فرصاً هائلة للشركات الأميركية. لكن، مع تحوّل شركاء الولايات المتحدة بصورة متزايدة إلى منافسين بعضهم لبعض، فإنّ ذلك يعني أنّ واشنطن تسلّح وتجهّز جميع أطراف الانقسامات العديدة في المنطقة. فهل تشكّل هذه الصفقات مجتمعةً استراتيجية أوسع لدعم مصالح الولايات المتحدة الطويلة الأمد في المنطقة؟ ليس تماماً.

في الواقع، يبدو أنّ واشنطن لا تمتلك تصوّراً واضحاً بشأن كيفية الموازنة بين صفقاتها العديدة، أو حتى ما إذا كان ينبغي لها إجراء هذه الموازنة أصلاً. وهذا ما يعرّض أهداف الإدارة السياسية نفسها للخطر، إذ إنّ توسيع “اتفاقيات أبراهام”، وإنشاء ممرّات تجارية وممرّات للطاقة محصّنة ضد الصدمات الخارجية، وتمكين الشركاء الإقليميين من تحمّل قسط أكبر من الأعباء الأمنية، كلّها أهداف تتوقّف على عدم عمل هؤلاء الشركاء بعضهم ضد بعض.

ليست الولايات المتحدة بحاجة بالضرورة إلى رؤية جيواقتصادية كبرى لمنطقة تُعرف بأنّها لا تتسامح مع الخطط الشاملة. لكن ينبغي أن تمتلك خطة متواضعة تضمن ألّا تقوّض خطواتها السياسية المختلفة بعضها بعضاً بصورة مباشرة.

وسّعت الحرب على إيران كثيراً من الانقسامات بين شركاء الولايات المتحدة وعمّقتها. كذلك، بدا التطبيع بين السعودية و”إسرائيل” في متناول اليد قبل هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لكنّه بات الآن مجمّداً. وبدلاً من ذلك، انضمّت السعودية إلى باكستان وتركيا في “اتفاقية مكة الدفاعية”، في ظلّ تنامي التعاون بين “إسرائيل” والإمارات.

وبعدما كانت السعودية والإمارات متوافقتين بشأن قضايا عديدة، باتتا الآن تتنافسان علناً على القيادة الإقليمية في مجالي الاقتصاد والتكنولوجيا. وفي المقابل، تصاعد العداء بين “إسرائيل” وتركيا، بما في ذلك بشأن سوريا، التي تعمل على التحرّر من شبكة العقوبات التي فرضتها واشنطن عليها على مدى عقود. وخلال الصيف الماضي، تُوّجت الرغبة المشتركة لدى “إسرائيل” واليونان في الحدّ من النفوذ التركي بتوقيع اتفاقية دفاعية تاريخية.

فكيف تعاملت واشنطن مع هذا المشهد المتزايد انقساماً؟
في آب/أغسطس، وافقت إدارة ترامب على اتفاقية نووية مدنية مع السعودية بقيمة مليارات الدولارات، وفي أيلول/سبتمبر، وافقت على بيع المملكة مقاتلات “إف-35” (ولا تزال الاتفاقيتان بانتظار موافقة الكونغرس). وقبيل قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، تركيا، في تموز/يوليو، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنّه سينظر في السماح لتركيا بشراء مقاتلات “إف-35″، على الرغم من أنّ القانون الأميركي لا يزال يحظر عليها ذلك إلى حين تخلّيها عن منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400”.

وبما أنّ “إسرائيل” وتركيا والإمارات والسعودية تمتلك جميعها مقاتلات متطوّرة ومعرفة تقنية في المجال النووي، لكنّها لا تزال تتنافس بشدّة على الصعيد الجيوسياسي، فإنّ هذه الصفقات قد تؤجّج سباق تسلّح إقليمياً، وتقوّض التفوّق العسكري النوعي لـ”إسرائيل”، الذي شكّل منذ زمن طويل إحدى الركائز الأساسية للسياسات الدفاعية والخارجية الأميركية.

ولا يؤدّي الذكاء الاصطناعي إلّا إلى تسريع هذه الدينامية. ويشكّل مشروع “ستارغيت الإمارات” (Stargate UAE)، الذي يُعدّ جزءاً من مجمّع مخطّط له بقدرة خمسة غيغاواطات في أبوظبي، ويتمحور حول شركة الذكاء الاصطناعي الإماراتية الرائدة “جي 42” (G42)، إلى جانب شركات “أوبن إيه آي” (OpenAI) و”سيسكو” (Cisco) و”إنفيديا” (Nvidia) و”سوفت بنك” (SoftBank) و”أوراكل” (Oracle)، الركيزة الأساسية لطموح الإمارات في التحوّل إلى مركز إقليمي وعالمي للذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت نفسه، وعلى بُعد بضع مئات من الأميال، تسعى شركة “هيوماين” (HUMAIN) السعودية، المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة في المملكة، إلى تحقيق هدف مماثل، بالتعاون مع الشركة الأميركية المصنّعة للرقائق نفسها (“إنفيديا”)، ومع مزوّد منافس للخدمات السحابية، هو “أمازون ويب سيرفيسز” (Amazon Web Services).

والنتيجة هي إنشاء منظومتين وطنيتين متكاملتين للذكاء الاصطناعي تعتمدان على التكنولوجيا الأميركية نفسها، وتخضع كلّ منهما لشروط اتفاقيات ثنائية خاصة بها. وباختصار، تؤدّي الصفقات الأميركية إلى الازدواجية بدلاً من التكامل في مجال تكنولوجي ناشئ بالغ الأهمية.

بطبيعة الحال، لا يُعدّ إبرام صفقات ثنائية مع الحلفاء والشركاء، بما يعود بالنفع على شركات الدولة نفسها، نهجاً معيباً بطبيعته. فقد استخدمت كلّ من الصين والهند هذا النهج في الشرق الأوسط.

ومن خلال “مبادرة الحزام والطريق”، وقّعت الصين عقود إنشاءات في أنحاء الشرق الأوسط بقيمة عشرات مليارات الدولارات سنوياً، كان كثير منها مع أطراف إقليمية متنافسة. وفي عام 2021، وقّعت الصين إطاراً للتعاون الاقتصادي يمتدّ 25 عاماً مع إيران، في الوقت الذي لا تزال فيه الشريك التجاري الأكبر لمجلس التعاون الخليجي.

أما الهند، فقد وقّعت اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة مع الإمارات وسلطنة عُمان. وموّلت حكومتها وقطاعاتها الخاصة ممرّات نقل رئيسية في أنحاء المنطقة، كما تدير موانئ في إيران و”إسرائيل”.

لكنّ الفارق الحاسم هو أنّ الصين والهند، بخلاف الولايات المتحدة، لم تكونا ضامنتين للأمن في المنطقة. وهذا يعني أنّ واشنطن لديها الكثير لتخسره، حتى وإن كانت الشركات الأميركية تحصل على عقود ضخمة.

فأيّ صدام بين “إسرائيل” وتركيا، أو قطيعة علنية بين السعودية والإمارات، سيجد واشنطن في صفَّي نزاع ساهمت هي نفسها في تمويله، فيما ستكون تحالفات رئيسية على المحكّ.

ويقول مسؤولون في الإدارة الأميركية إنّ الصفقات الثنائية تشكّل بحدّ ذاتها الاستراتيجية، وإنّ إدارة التنافسات بين الشركاء ليست من مسؤولية واشنطن.

وخلال هذا الأسبوع، قال السفير الأميركي لدى تركيا، توم باراك، أمام “منتدى الأمن العالمي” في الدوحة، قطر: “إنّ دور أميركا بوصفها الضامن لأمن العالم، الذي اضطلعت به على مدى السنوات الثمانين الماضية، لم يعد قائماً. […] ليست لدينا خطة عمل جاهزة. نحن جميعاً نعدّل خططنا وفقاً للظروف. ويمكننا التعامل مع كل خطوة على حدة”.

وليس باراك مخطئاً تماماً؛ فالشركاء الأميركيون لن يقبلوا، ولا ينبغي لهم أن يقبلوا، بأن تُملَى عليهم القرارات. كما أنّ الولايات المتحدة بالغت تاريخياً في تقدير قدرتها على تسوية التنافسات الجيوسياسية الشائكة العديدة في المنطقة.

ومن الطبيعي أيضاً أن تتنافس دول المنطقة على استقطاب الشركات الأميركية نفسها، وأن يسعى ممولو “وول ستريت” إلى تحقيق طموحاتهم الخاصة. لكنّ ذلك لا يعني أنّ على الولايات المتحدة أن تفاقم خطوط الانقسام بطرق ستلحق الضرر بها في نهاية المطاف.

تنطوي الاتفاقيات الثنائية، عند النظر إليها مجتمعةً، على خطر تأجيج التنافسات الإقليمية التي تقوّض المصالح الأميركية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى