صعود الصين ـ زيارة ترامب وبوتين ترسخان مركزية بكين الدولية

حسن زنيند – DW:
تحمل صور الزيارات الرسمية بين قادة الدول رسائل رمزية عميقة تتجاوز البروتوكولات الشكلية كما ظهر في استقبال الرئيس الصيني لنظيريه الأمريكي والروسي. صور تكرس التنامي المطرد لنفوذ بكين عالميا وفق معلقين ألمان وأوروبيين.
الزيارات الدبلوماسية في العلاقات الدولية ليست مجرد مراسم وبروتكولات، وإنما هي تحمل دلالات عميقة تعكس موازين القوى وحجم النفوذ ودرجة التقارب أو التباعد وكذلك عمق التحالفات ومدى تكامل المصالح. وهناك زيارات تحمل أبعادا تاريخية أكثر من غيرها، وقد ترسم أحيانا منعطفا أو تكرس تحولا جيوسياسيا. وتتشابه مشاهد زيارتا الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلادمير لبكين في الشكل وإن اختلفت في المضامين والأبعاد. ويحب الدبلوماسيون الأمريكيون تذكُر عام 1972 حيث كان ريتشارد نيكسون أول رئيس أمريكي يزور الصين الشعبية، بعد تحضيرات دقيقة قادها مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر. آنذاك، كانت الولايات المتحدة القوة العظمى الأولى في العالم بلا منازع، فيما كانت الصين مجرد دولة نامية فقيرة تعاني أزمات داخلية كبيرة، قبل أن تتحول بعد ستة عقود من ذلك إلى قوة عالمية صاعدة تحسب لها واشنطن ألف حساب.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية (21 مايو/ أيار 2026) معلقة: “جاءت زيارة ترامب الأولى منذ تسع سنوات إلى بكينوسط أجواء اتسمت بنبرة الإعجاب والتبجيل من جانب الرئيس الأمريكي، لكنها أسفرت عن نتائج ملموسة محدودة نسبيا. ومن جهة أخرى، بدا استقبال بوتين أقرب إلى عرض روتيني بين حليف مقرّب يزور الصين للمرة الخامسة والعشرين”. وذهبت صحيفة “إلباييس” (21 مايو / أيار) في نفس الاتجاه وكتبت: “هاتان القمتان اللتان عقدهما شي جينبينغ خلال أسبوع واحد، أكدتا الدور المحوري الذي تسعى الصين إلى لعبه في النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب (..) ويبعث التحالف بين روسيا والصين رسالة واضحة للعالم مفادها أن عهد الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة قد انتهى، وهو عكس ما يكرره ترامب باستمرار”.
في المقابل، اعتبرت الصحيفة الإسبانية بأن استقرار العلاقة بين بكين وموسكو يقابله ما وصفته بـ “حالة فوضى” داخل أقوى ديمقراطية في العالم، والتي ترى أنها “تنزلق حاليًا نحو دوامة من النزعة العسكرية والتسلط والتراجع عن القيم الليبرالية”.
زيارتان تضعان بكين في قلب جيوساسية العالم
رغم أن ميزان القوة الكلي والفعلي بين الصين والولايات المتحدة لا يبرر ذلك بالكامل حتى الآن، فإن العلاقة بين ترامب وشي جينبينغ عكست في هذه الزيارة تحولا واضحا في تموقع القوتين العظمتين. فالصين، التي باتت ثاني أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، فرضت نفسها تدريجيا كنجم تدور حوله الكواكب، بأسلوب يبدو مختلفا عن الاندفاع الأمريكي. فالصين لا ترغب أعداء ولا تعترف بحلفاء حقيقيين. وقد تمكن الزعيم الصيني من فرض إيقاعه على الساحة الدولية دون السعي الواضح لإزاحة الولايات المتحدة من دور “شرطي العالم”، مركزاً على استثمار تراجع الغرب لإزالة العقبات التي تعترض صعود بلاده العالمي.
أما اللقاء بين ترامب وجينبينغ، فقد بدا أقرب إلى اجتماع بين قوتين متكافئتين، مع أفضلية واضحة للزعيم الصيني، في وقت تبدو فيه واشنطن أكثر اعتمادًا على الصين من اعتماد بكين على الولايات المتحدة. فالاقتصاد الأمريكي يحتاج إلى السوق الصينية الضخمة وإلى مواد خام استراتيجية مثل المعادن النادرة. كما سعى ترامب، وإن بنتائج محدودة، إلى الحصول على دعم صيني في ملف إيران ومضيق هرمز. وبهذا الشأن كتبت صحيفة “لا فانغوارديا” الإسبانية معلقة (19 مايو / أيار 2026): “لقد أصبحت الصين لاعباً محورياً في النظام العالمي الجديد. وتُظهر زيارات ترامب وبوتين بوضوح أن بكين تواصل تعزيز نفوذها العالمي. وتعتمد الصين في ذلك على سياسة عالمية قائمة على التفاوض والتشابك الاقتصادي، في مقابل النهج الأميركي الأحادي الذي يتسم باستخدام القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية والسعي إلى الهيمنة”.
الدب الروسي في عرين التنين الصيني
حفاوة الاستقبال التي حظي بها الرئيس بوتينفي بكين لا يمكن أن تخفي في الواقع من له اليد لعليا في العلاقات بين البلدين، إذ تتميز الصين اليوم بكون قوتها تقوم على قاعدة اقتصادية وصناعية أوسع وأكثر تنوعا. فالصين تمتلك ثاني أكبر اقتصاد عالمي، وتُعد “مصنع العالم” بفضل تفوقها في الإنتاج والتكنولوجيا والبنية التحتية وسلاسل التوريد، إضافة إلى سوق داخلية ضخمة واستثمارات هائلة في الذكاء الاصطناعي والطاقة والاتصالات. كما تعتمد على نفوذ تجاري ومالي عالمي عبر مبادرات مثل “الحزام والطريق”. في المقابل، ترتكز قوة روسيا بدرجة أكبر على القدرات العسكرية والنووية وموارد الطاقة والنفوذ الجيوسياسي، لكن اقتصادها أقل تنوعًا وأصغر بكثير من الاقتصاد الصيني. من هذا المنطلق، تُعتبر الصين قوة شاملة صاعدة اقتصاديًا وتقنيًا، بينما تبقى روسيا قوة استراتيجية وعسكرية بالدرجة الأولى.
وحول ذلك كتب موقع “إندبندنت” البريطاني (20 مايو / أيار 2026) معلقا: “قدم الرئيس الروسي بوتين نفسه خلال هذه الزيارة بوصفه شريك متكافئ، مظهرا بلده كقوة عظمى. ومن المرجح أن يفيد هذا الاستعراض العلني بوتين أمام مواطنيه، خاصة مع تكرار الحديث عن “صداقة بلا حدود” بين موسكو وبكين. لكن لا شك في أن الطرف الأقوى في هذه العلاقة هو الصين. فلم يسبق أن كان ميزان القوى بين البلدين مختلا بهذا الشكل كما هو اليوم. فحجم الاقتصاد الروسي، على سبيل المثال، يعادل تقريبا الاقتصاد الإيطالي، بينما يوازي الاقتصاد الصيني اقتصاد الولايات المتحدة. ورغم أن روسيا تمتلك آلة عسكرية ضخمة، فإن الحرب في أوكرانيا أظهرت أن هذه القوة ليست بالكفاءة التي كانت تُصوَّر بها. وباتت روسيا اليوم تؤدي بشكل متزايد دور المورّد للصين، من خلال تصدير الحبوب والخشب والنفط والغاز الطبيعي”.
ماذا يعني الصعود الصيني بالنسية لأوروبا
يمثل الصعود العالمي للصين تحديًا وفرصة في الوقت نفسه بالنسبة إلى أوروبا، إذ أصبحت الصين قوة اقتصادية وتكنولوجية مؤثرة تنافس الدول الأوروبية في التجارة والصناعة والاستثمار. فمن جهة، تستفيد أوروبا من السوق الصينية الضخمة ومن التعاون الاقتصادي معها، خاصة في مجالات التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية، لكن من جهة أخرى يثير هذا الصعود مخاوف أوروبية تتعلق بالاعتماد الاقتصادي المتزايد على الصين، وبالمنافسة الصناعية، وبقضايا الأمن والسيادة التكنولوجية. كما يدفع تنامي النفوذ الصيني أوروبا إلى إعادة التفكير في سياساتها الخارجية وعلاقاتها مع القوى الكبرى الأخرى، خصوصا الولايات المتحدة، من أجل الحفاظ على توازن مصالحها ودورها العالمي. ومنذ نحو خمس سنوات، تسجل الصين فائضا تجاريا هائلا ومطردا، إذ ترتفع الصادرات بشكل كبير، بينما تبقى الواردات في حالة ركود. ووفقًا للتحليلات اقتصادية فقد تجاوز الفائض التجاري الصيني في عام 2025 للمرة الأولى حاجز تريليون دولار أمريكي، فيما يُعد نصيب أوروبا من هذا الاختلال قضية سياسية شديدة الحساسية.
ويكمن السبب في كون قطاعاتٍ استراتيجية أساسية في الصين مثل الطاقات المتجددة والسيارات الكهربائية، والصلب، والصناعات الكيميائية، تنتج بفضل الدعم الحكومي، وهي كميات تفوق بكثير ما يستطيع السوق المحلي استيعابه. وتؤدي هذه الفوائض الإنتاجية إلى خفض الأسعار في الأسواق العالمية، ما ينعكس سلبا على إيرادات وهوامش أرباح الشركات الأوروبية. وبهذا الشأن كتب موقع “موركور” الألماني (21 مايو / أيار): “نشرت الحكومة الفرنسية في فبراير تقييمًا متشائمًا حذّرت فيه من أن “الآلة الصينية الجارفة” قد تسحق أجزاء أساسية من الاقتصاد الأوروبي. لكن بينما تدفع باريس وعدد محدود من دول الاتحاد الأوروبي باتجاه تقليص الاعتماد على بكين، تبدو ألمانيا منقسمة علنا بشأن هذه المسألة. وفي ضوء هذا الوضع، أعدت المفوضية الأوروبية خططا لما وصفته بـ”سياسة دفاع تجاري أكثر حزما وفعالية” تجاه الصين. ووفقً لمجلة بوليتيكو، تتضمن هذه الخطط ما يُعرف بـ”أداة مواجهة فائض الإنتاج”، وهي آلية تهدف إلى الحد من حجم الواردات الصينية الرخيصة المدعومة حكوميا”.



