سورية… الاقتصاد في مواجهة المشروطية السياسية

أحمد قاسم حسين – العربي الجديد:
شكّل قرار الولايات المتحدة، في 24 الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، رفع اسم سورية من قائمة “الدول الراعية للإرهاب” محطّةً جديدةً في مسار إنهاء العزلة الاقتصادية والسياسية التي أحاطت بها عقوداً. فقد جاء القرار استكمالاً لإنهاء برنامج العقوبات الأميركية الشاملة في يوليو/ تموز 2025، وإلغاء قانون قيصر في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، بعد أن كان الاتحاد الأوروبي قد رفع العقوبات الاقتصادية عن سورية في مايو/ أيار 2025. وبذلك انتقلت البلاد، من الناحية القانونية على الأقلّ، من بيئة اقتصادية تقوم على الحظر والاستثناء إلى أخرى تتيح التجارة والاستثمار وإعادة الارتباط بالنظام المالي الدولي.
غير أنّ رفع العقوبات لا يعني انتهاء الضغوط الخارجية التي تمارسها القوى الإقليمية والدولية، بل تغيّر أدواتها. لقد كان التأثير في سياسات الحكومات السورية المتعاقبة في المرحلة السابقة يُمارس أساساً عبر العقوبات والعزل الاقتصادي، أمّا بعد رفعها، فقد تصبح المساعدات والاستثمارات وإعادة الإعمار والوصول إلى الأسواق أدواتٍ للتحفيز والمشروطية السياسية. وهنا تبرز العلاقة مع إسرائيل بوصفها أحد الملفّات التي تتقاطع فيها إعادة إدماج سورية دولياً مع التصوّرات الأميركية والأوروبية لمستقبل النظام الإقليمي.
والتحدّي أمام الحكومة السورية ألّا تتحوّل حاجتها الملحّة إلى بناء اقتصاد البلاد ودفع عجلة الاستثمار وعملية إعادة الإعمار إلى مصدر اعتماد سياسي جديد أو مدخل إلى مشروطية جديدة تُدخل البلاد في شبكة علاقات إقليمية ودولية وتجعلها أسيرة لتلك الاشتراطات الاقتصادية والسياسية، خاصّةً على مستوى العلاقة مع إسرائيل، وهو ما يتطلّب التمييز بين الحاجة الموضوعية إلى خفض التوتّر الإقليمي واستعادة الاستقرار، وافتراض أنّ التطبيع مع إسرائيل يمثّل في ذاته مدخلاً إلى التنمية الاقتصادية. علماً بأنّ تجربتي مصر والأردن تقدّمان درساً مهمّاً؛ فكلتاهما أقامت علاقات سلام مع إسرائيل (مصر منذ 1979 والأردن منذ 1994) وحصلتا على مزايا اقتصادية وتجارية أميركية مهمّة، لكنّ ذلك لم يكن بديلاً من معالجة المشكلات البنيوية في اقتصاديهما.
رفع العقوبات لا يعني انتهاء الضغوط الخارجية التي تمارسها القوى الإقليمية والدولية، بل تغيّر أدواتها
من هنا، ينبغي ألا تقتصر استراتيجية الحكومة السورية لمواجهة المشروطية الخارجية، الأميركية والأوروبية على وجه التحديد، على تنويع علاقاتها بين الخليج وتركيا وأوروبا والولايات المتحدة والصين والمؤسّسات المالية الدولية، على أهمية ذلك. تنبع القدرة الحقيقية للدولة على مقاومة الضغوط الخارجية من الداخل، ومن بناء اقتصاد قوي ومؤسّسات تتمتّع بالشرعية والكفاءة. فكلّما كانت الدولة ضعيفةً مؤسّسياً، ومحتاجةً إلى التمويل الخارجي، ومفتقرةً إلى مصادر داخلية للنمو، ازدادت قدرة القوى الدولية والإقليمية على تحويل الاستثمار والمساعدات وإعادة الإعمار إلى أدوات للمشروطية السياسية.
وبالتزامن مع ذلك، ينبغي النظر إلى الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والقانونية بوصفها مساراً واحداً لا مسارات منفصلة في الحالة السورية. فمن الصعب بناء اقتصاد سوق جاذب للاستثمار من دون قضاء مستقلّ وفاعل ومؤسّسات رقابية قادرة على مكافحة الفساد ومنع نشوء شبكات زبونية جديدة، وتوسيع المشاركة وترسيخ سيادة القانون. كما أنّ المستثمر، السوري أو الأجنبي، لا يقيس المخاطر بحجم الإعفاءات الضريبية وحدها، بل بقدرته على التنبّؤ بمسار السياسات، واللجوء إلى القضاء، وتحويل الأرباح، وضمان عدم تغيّر القواعد بفعل قرار سياسي أو إداري.
تكمن الفرصة التاريخية التي يتيحها رفع العقوبات في إمكان انتقال سورية من اقتصاد العزلة والحرب إلى اقتصاد مؤسّسي منتج ومنفتح. غير أنّ نجاح هذا الانتقال لا يُقاس بحجم الاستثمارات التي يمكن استقطابها فحسب، بل بقدرة مؤسّسات الدولة وجهازها البيروقراطي على تهيئة بيئة سياسية وقانونية واقتصادية مستقرّة، وعلى إدارة الانفتاح الخارجي بما يحدّ من تحوّل الحاجة إلى الاستثمار وإعادة الإعمار إلى مصدر للمشروطية والضغط السياسي. وتكتسب هذه المسألة أهمّيةً خاصّةً في مواجهة الخطاب الذي يسعى إلى إقامة علاقة سببية بين الاستقرار والتطبيع مع إسرائيل، وبين التطبيع والتنمية والازدهار؛ إذ تظهر تجربتا مصر والأردن أنّ السلام والترتيبات الاقتصادية المرتبطة به قد يخفّضان بعض المخاطر ويفتحان أسواقاً وفرصاً تجارية، لكنّهما لا يشكّلان، في حدّ ذاتهما، بديلاً من الإصلاح المؤسّسي وبناء اقتصاد منتج، ولا يضمنان تحقيق تنمية مستدامة أو معالجة الاختلالات الاقتصادية البنيوية.




