زيارة تاريخية بعد 48 عاماً.. خطوة جديدة نحو الارتقاء بالشراكة الاستراتيجية بين الصين وعُمان

وانغ مو يي – الميادين:
أول زيارة يقوم بها سلطان عُماني للصين منذ 48 عامًا ليست مجرد محطة مهمة في تاريخ العلاقات بين البلدين، بل تمثل أيضًا نقطة انطلاق جديدة نحو المستقبل.
في الفترة من الـ 1 إلى الـ 2 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، أجرى سلطان عُمان هيثم بن طارق زيارة دولة للصين. وتُعد هذه الزيارة الأولى له للصين منذ تولّيه الحكم، كما أنها أول زيارة يقوم بها سلطان عُماني للصين على مستوى رئيس الدولة منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل 48 عامًا. ولا تقتصر أهمية هذه الزيارة التاريخية على كونها تجسيدًا لعمق الصداقة التقليدية الراسخة بين البلدين، بل تمثل محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الصينية العُمانية، ونقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية والتعاون المشترك.
في الـ 2 من نوفمبر، التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، كل على حدة، بسلطان عُمان هيثم بن طارق. وأكد الرئيس شي أن الصداقة بين الصين وعُمان تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، وأن توسيع العلاقات بين البلدين وتعميقها يمثلان خيارًا استراتيجيًا مشتركًا بين الجانبين، من جانبه، أعرب السلطان هيثم بن طارق عن أمله في اتخاذ هذه الزيارة نقطة انطلاق جديدة لاستكشاف المزيد من فرص التعاون، وبناء شراكة تتطلع إلى المستقبل.
وعقب المباحثات، شهد قائدا البلدين التوقيع على عدد من وثائق التعاون في مجالات سلاسل الإمداد والتصنيع، والتنمية الخضراء، وتطبيقات نظام بيدو للملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، ومبادلة العملات المحلية، والمدفوعات الرقمية وغيرها. كما أصدر الجانبان «البيان المشترك بين جمهورية الصين الشعبية وسلطنة عُمان بشأن تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين». وتعكس هذه النتائج المهمة الإرادة المشتركة للجانبين لتعزيز الشراكة الاستراتيجية وتوسيع نطاق التعاون العملي.
المواءمة الاستراتيجية… قوة دفع جديدة للتعاون الثنائي
تستند الصداقة الصينية العُمانية إلى أسس تاريخية راسخة، فيما تتوافر أمام البلدين آفاق واسعة للتعاون في المرحلة الراهنة. ففي عام 2018، ارتقى البلدان بعلاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، ووقّعا مذكرة تفاهم بشأن التعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق. وخلال السنوات الأخيرة، حافظت الصين على مكانتها باعتبارها أكبر شريك تجاري لسلطنة عُمان. ووفقًا للبيانات الرسمية الصينية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 32.87 مليار دولار أميركي في عام 2025، منها 5.61 مليارات دولار من الصادرات الصينية إلى عُمان، و27.26 مليار دولار من الواردات الصينية من عُمان. كما شهد التعاون بين الجانبين تقدمًا مستمرًا في مجالات التجارة والطاقة والبنية التحتية والاستثمار والتمويل.
وتعمل سلطنة عُمان حاليًا على تنفيذ «رؤية عُمان 2040»، التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على عائدات النفط والغاز، وتنويع الاقتصاد من خلال تطوير قطاعات الطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية للموانئ والاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدمة والسياحة وغيرها. وتتلاقى هذه التوجهات مع آفاق واسعة للتعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق التي تدفع الصين نحو تنفيذها بجودة عالية. وخلال هذه الزيارة، أكد الجانبان مجددًا أهمية تعميق المواءمة الاستراتيجية بين مبادرة الحزام والطريق و«رؤية عُمان 2040»، بما يفتح المجال أمام انتقال التعاون من التبادل التجاري التقليدي إلى مزيد من التكامل الصناعي والابتكار التكنولوجي والتنمية المشتركة.
ويشكل التعاون في مجال الطاقة إحدى الركائز الأساسية لهذه المسيرة. فسلطنة عُمان تتمتع بموارد وفيرة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتعمل بوتيرة متسارعة على تطوير هيكل الطاقة لديها. ولا تقتصر مساهمة الشركات الصينية على توفير معدات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بل تمتد أيضًا إلى مجالات نقل الكهرباء وتخزين الطاقة، مستفيدة من خبراتها التقنية المتقدمة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك مشروعا تخزين الطاقة في عبري والدقم، اللذان شاركت شركات صينية في تنفيذهما، وتبلغ القدرة المركبة لكل منهما 500 ميغاواط، بسعة تخزين تصل إلى 2000 ميغاواط ساعة. ومن شأن هذه المشاريع تعزيز استقرار شبكة الكهرباء وتحسين قدرة السلطنة على استيعاب الطاقة المتجددة. وهي تعكس تحول التعاون الصيني العُماني في مجال الطاقة من التركيز على النفط والغاز التقليديين إلى بناء منظومة طاقة أكثر تنوعًا واستدامة وانخفاضًا في الانبعاثات الكربونية.
من الفضاء إلى الذكاء الاصطناعي… آفاق جديدة للتعاون التكنولوجي
أكدت هذه الزيارة أيضًا توجه البلدين نحو تعميق التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها الذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء والاتصالات والمعلومات. وأصبح التعاون التكنولوجي أحد المجالات الواعدة التي تضيف أبعادًا جديدة إلى العلاقات الصينية العُمانية.
في نوفمبر 2024، نجحت الصين في إطلاق أول قمر اصطناعي عُماني للاستشعار عن بُعد، وهو القمر OL-1. ولم يسهم هذا المشروع في تعزيز قدرات عُمان على توظيف تقنيات الاستشعار عن بُعد في مجالات مسح الأراضي والتخطيط الحضري ومراقبة الغابات والإنذار المبكر بالكوارث فحسب، بل وسّع نطاق التعاون بين البلدين ليشمل إنشاء الأنظمة الأرضية وتطبيق التكنولوجيا وتدريب الكوادر الوطنية. وقبل ذلك، تعاونت جامعة السلطان قابوس مع شركة صينية لإرسال أول نموذج ذكاء اصطناعي عُماني إلى الفضاء، في خطوة فتحت آفاقًا جديدة أمام استكشاف التطبيقات العملية لهذه التكنولوجيا.
ومن الاستشعار عن بُعد إلى مراقبة البيئة البحرية، ومن الذكاء الاصطناعي إلى الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، يعمل البلدان على استكشاف سبل توظيف تكنولوجيا الفضاء بصورة أفضل في خدمة الزراعة والخدمات اللوجستية وحماية البيئة وإدارة الموارد. كما أن وثائق التعاون المتعلقة بتطبيقات نظام بيدو للملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، التي شهد توقيعها قائدا البلدين خلال الزيارة، تفتح آفاقًا جديدة للتعاون في هذه المجالات.
ويعكس ذلك تطور التعاون التكنولوجي بين الصين وعُمان، الذي لم يعد يقتصر على تنفيذ مشاريع مشتركة، بل يتجه تدريجيًا نحو الجمع بين التطبيقات التقنية وتدريب الكوادر وبناء القدرات الابتكارية.
إرث تاريخي متواصل… وروابط إنسانية أكثر ترابطًا
ترتبط الصين وعُمان بعلاقات صداقة وتواصل تاريخية تمتد إلى أكثر من ألف عام. فوفقًا للمصادر التاريخية الصينية، تعود العلاقات والتبادلات بين الشعبين عبر طريق الحرير البحري إلى أكثر من 1200 عام. ففي القرن الثامن الميلادي، أبحر الملاح العُماني أبو عبيدة من ميناء صحار، وعبر المحيط الهندي حتى وصل إلى مدينة قوانغتشو الصينية. وبعد ذلك، زار الملاح الصيني الشهير تشنغ خه عُمان أربع مرات قبل أكثر من 600 عام. وقد شكلت هذه الطرق البحرية القديمة جسورًا للتواصل والتبادل الحضاري بين الشعبين.
واليوم، تتواصل هذه الصداقة الممتدة عبر أكثر من ألف عام بأشكال جديدة. ففي عام 2025، أدرجت سلطنة عُمان اللغة الصينية ضمن منظومتها التعليمية الوطنية، وبدأ تدريسها في ثماني مدارس ثانوية وجامعتين، ما أتاح لمزيد من الشباب العُماني فرصة تعلم اللغة الصينية والتعرف إلى الثقافة الصينية. كما أصبح التنقل بين البلدين أكثر سهولة مع إطلاق رحلات جوية مباشرة، وشهدت السياحة والتبادلات الشعبية نموًا ملحوظًا. ففي النصف الأول من عام 2026، بلغ عدد السياح الصينيين الذين زاروا عُمان نحو 48 ألف سائح، بزيادة تجاوزت 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وفي مدينة صلالة العُمانية، ينتصب النصب التذكاري للملاح الصيني تشنغ خه، فيما يقف نصب سفينة «صحار» في مدينة قوانغتشو الصينية، ليشكلا معًا شاهدين بارزين على تاريخ التواصل البحري والصداقة بين البلدين.
ومن التجارة البحرية في الماضي إلى التعاون التكنولوجي والتبادل الثقافي اليوم، تواصل العلاقات الصينية العُمانية مسيرتها من جيل إلى جيل. وقد منحت زيارة السلطان هيثم للصين، في إطار الدبلوماسية على مستوى قيادتي البلدين، دفعة جديدة لتطوير العلاقات الثنائية، ووفرت فرصًا أوسع لتعميق التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والتبادل الإنساني والثقافي.
إن أول زيارة يقوم بها سلطان عُماني للصين منذ 48 عامًا ليست مجرد محطة مهمة في تاريخ العلاقات بين البلدين، بل تمثل أيضًا نقطة انطلاق جديدة نحو المستقبل. ومع استمرار تعميق المواءمة بين مبادرة الحزام والطريق و«رؤية عُمان 2040»، يمتلك البلدان فرصًا أكبر للاستفادة من المزايا المتبادلة وتوسيع مجالات التعاون والمنفعة المشتركة، بما يمنح الصداقة التقليدية الممتدة عبر آلاف السنين زخمًا جديدًا في العصر الحديث.



