روسيا والغرب: هل يقود الخلاف الأميركي الأوروبي إلى إضعاف الناتو وتفكك الاتحاد الأوروبي؟

خاص بموقع ؛” رأي سياسي “:
توسّع الناتو وجذور المواجهة
لم يعد الخلاف بين روسيا الاتحادية والدول الأوروبية محصوراً بالحرب في أوكرانيا، بل بات يعكس صراعاً على مستقبل الأمن الأوروبي وموازين النفوذ في القارة. وفي قلب هذه الأزمة، يبرز توسّع حلف شمال الأطلسي شرقاً، الذي تعتبره موسكو تهديداً لمصالحها الأمنية، فيما تراه الدول المنضمة إليه ضمانة لحماية سيادتها واستقلال قرارها.
منذ نهاية الحرب الباردة، اختارت دول عديدة في أوروبا الشرقية الانضمام إلى الحلف، مدفوعة بمخاوف تاريخية ورغبة في تعزيز أمنها. لكن روسيا اعتبرت هذا التوسع تقليصاً لنفوذها واقتراباً للمنظومة العسكرية الغربية من حدودها. ومع اندلاع الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا عام 2022، دخلت العلاقات بين الطرفين مرحلة غير مسبوقة من التوتر.
ومع أن توسّع الناتو أسهم في تعميق الأزمة، فإنه لا يفسر وحده أسبابها، كما لا يلغي حق الدول الأوروبية في اختيار تحالفاتها. فقد أدت الحرب إلى زيادة المخاوف الأمنية، ودفعت دولاً أوروبية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، في حلقة متواصلة من انعدام الثقة والتصعيد.
ترامب وأوروبا: خلاف على الالتزامات
تثير سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه الحلفاء الأوروبيين تساؤلات حول مستقبل الشراكة عبر الأطلسي. فواشنطن تطالب أوروبا بتحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها وزيادة إنفاقها العسكري، في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة إلى مراجعة أولوياتها الاستراتيجية والتزاماتها الخارجية.
وتخشى عواصم أوروبية أن يؤدي تراجع الالتزام الأميركي إلى إضعاف الضمانات الأمنية التي اعتمدت عليها لعقود. في المقابل، ترى الإدارة الأميركية أن استمرار اعتماد أوروبا على القدرات الأميركية من دون تقاسم أكبر للأعباء لم يعد مقبولاً.
ولا يعني هذا الخلاف بالضرورة أن واشنطن قررت التخلي عن الناتو، لكنه يكشف عن تحول في طبيعة العلاقة بين الطرفين، قد يفرض على الأوروبيين إعادة النظر في سياساتهم الدفاعية.
هل تتعاون واشنطن وموسكو لإضعاف الغرب؟
يطرح التباعد الأميركي الأوروبي سؤالاً أساسياً حول احتمال وجود تفاهم بين إدارة ترامب والكرملين يستهدف إضعاف الناتو وتفكيك الاتحاد الأوروبي.
من الواضح أن روسيا تستفيد من الانقسامات الغربية، لأنها تمنحها مجالاً أوسع للمناورة في ملفات أوكرانيا والعقوبات والأمن الأوروبي. لكن الاستفادة من خلافات الخصم لا تعني بالضرورة وجود اتفاق مشترك لصناعتها.
وحتى الآن، لا تتوافر أدلة علنية موثوقة تثبت وجود خطة أميركية روسية متفق عليها لتفكيك الحلف والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن السياسات الأميركية التي تزيد الشكوك بين الحلفاء قد تؤدي، بصورة غير مباشرة، إلى إضعاف وحدة الموقف الغربي، وهو ما يخدم بعض المصالح الروسية من دون الحاجة إلى تنسيق مسبق.
الاتحاد الأوروبي أمام اختبار صعب
يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات متزامنة تتعلق بالدفاع والاقتصاد والعلاقة مع واشنطن وموسكو. وتختلف الدول الأعضاء في تقدير حجم التهديد الروسي، وفي كيفية التعامل معه، وفي مستوى الإنفاق العسكري المطلوب.
وقد تستفيد موسكو من هذه الخلافات، لكن الحديث عن تفكك وشيك للاتحاد يبقى مبالغاً فيه، نظراً إلى المصالح الاقتصادية والمؤسسات المشتركة التي تربط دوله.
وفي المقابل، قد تدفع الضغوط الأميركية الأوروبيين إلى تعزيز صناعاتهم الدفاعية وتقليل اعتمادهم على واشنطن. ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرتهم على تجاوز خلافاتهم وتحويل الدعوات إلى استقلال دفاعي إلى خطوات عملية.
أوكرانيا تحدد مستقبل العلاقة
تظل الحرب في أوكرانيا الاختبار الأهم للعلاقات بين روسيا والغرب. فموسكو تسعى إلى تسوية تراعي مطالبها الأمنية، فيما تخشى العواصم الأوروبية أن يؤدي اتفاق لا يوفر ضمانات كافية لكييف إلى تهديد أمن القارة مستقبلاً.
أما واشنطن، فتسعى إلى إدارة الأزمة وفق حساباتها الخاصة، التي قد لا تتطابق دائماً مع الأولويات الأوروبية. ولذلك، فإن أي تفاهم أميركي روسي لا يراعي مخاوف الأوروبيين قد يزيد الانقسام داخل المعسكر الغربي، حتى من دون وجود مشروع مشترك لتفكيكه.
الخطر في تراجع الثقة
لا يمكن الجزم بأن الناتو يتجه إلى التفكك، كما لا تثبت المعلومات العلنية وجود اتفاق أميركي روسي لإسقاط الاتحاد الأوروبي. لكن التوتر بين واشنطن وحلفائها يمنح موسكو فرصة لتعزيز موقعها، ويضعف قدرة الغرب على اتخاذ قرارات موحدة.
في المحصلة، لا يتوقف مستقبل الناتو والاتحاد الأوروبي على السياسة الروسية أو الأميركية وحدها، بل على قدرة الأوروبيين على حماية مصالحهم وتنسيق مواقفهم. فالتحدي الحقيقي أمام القارة هو التعامل مع عالم تتغير فيه الأولويات والتحالفات، من دون أن تتحول الخلافات بين الحلفاء إلى ثغرة تهدد أمنهم ومكانتهم الدولية.




