رأي

روسيا في شرق المتوسط بعد الأسد… تراجع القوة أم إعادة التموضع؟

السيد شبل – الميادين:

إعادة تشكيل الوجود الروسي في سوريا بين الانحسار العسكري وإعادة التموضع الاستراتيجي، في ظل تصاعد النفوذ الأميركي والتركي وتغير موازين القوى بعد سقوط نظام الأسد.

​لم تكن القواعد العسكرية الروسية في سوريا مجرد نقاط تمركز ميدانية أو مراكز دعم لوجستي، بل شكلت على مدى عقود حجر الزاوية الذي استندت إليه موسكو لتثبيت قدميها في المياه الدافئة لشرق البحر الأبيض المتوسط. وتعود الجذور التاريخية لهذا الحضور إلى سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1971 عندما تم الاتفاق على إنشاء نقطة الدعم الفني والبحري في ميناء طرطوس لتخدم الأسطول السوفياتي.

ومع التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015، تحوّل هذا الوجود إلى نقطة ارتكاز استراتيجية عبر توقيع اتفاقيات إيجار طويلة الأمد في عام 2017 تمتد لـ 49 عاماً قابلة للتمديد تلقائياً. وحصلت موسكو بموجب تلك الاتفاقيات على حقوق استخدام وحصانات قانونية وعسكرية في قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، ما منحها القدرة على استعراض القوة ومراقبة تحركات حلف شمال الأطلسي في المنطقة.

​غير أن التطورات الدراماتيكية الكبرى التي شهدتها البلاد ما بعد عام 2011، والتي انتهت بسقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024، أحدثت زلزالاً جيوسياسياً، جعل من مسألة مراجعة تلك العقود أمراً لازماً.

ووجدت الإدارة الانتقالية الجديدة في دمشق نفسها أمام واقع جديد يستوجب إعادة ترتيب العلاقات الدولية، بينما وجدت موسكو نفسها مهددة بفقدان كامل نفوذها في المنطقة. هذا الواقع فرض على الطرفين الدخول في مفاوضات شاقة ومعقدة امتدت لنحو ثمانية عشر شهراً، وهو ما أسفر مؤخراً عن توقيع مذكرة تفاهم تنص على استعادة الإدارة المدنية السورية للمنشآت ذات الاستخدام المدني في مطار حميميم والمربط التجاري في ميناء طرطوس، مع تحويل الصفة العسكرية للقواعد إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة خلال مهلة انتقالية لا تتجاوز ثلاثة أشهر.

خسارة استراتيجية أم إعادة تموضع؟

​تتنوع القراءات التحليلية حول هذا الاتفاق والتأثيرات المترتبة عليه بين من يرى فيه خسارة استراتيجية وانحساراً للنفوذ الروسي، ومن يراه مناورة تكتيكية ذكيّة لإعادة إدارة الموارد وترتيب الأولويات. وبين هذين الاتجاهين، يبرز احتمال ثالث أكثر تعقيداً، يتمثل في أن موسكو لا تتخلى بالضرورة عن نفوذها، وإنما تعيد صياغة أدواته بما يتناسب مع موازين القوى الجديدة في سوريا.

فمن زاوية الجيوبوليتيك التقليدي، يُعدّ التنازل عن الامتيازات وتراجع السيطرة المباشرة على الموانئ والمطارات ضربة لقدرة الردع البحرية والجوية الروسية في مواجهة حلف الناتو، إذ يحدّ الاتفاق الجديد من حرية حركة السفن والطائرات الحربية التابعة لموسكو، ويقلّل من القيمة العملياتية التي وفرتها لها طرطوس وحميميم على مدى سنوات. كما أن فقدان القدرة على استخدام هذه المنشآت بوصفها قواعد عسكرية مستقلة قد يضعف قدرة روسيا على التحرك السريع في شرق المتوسط، ويجعل أي عمليات إمداد أو انتشار مستقبلي أكثر ارتباطاً بموافقة دمشق وترتيباتها السيادية.

لكن في المقابل، تُطرح سيناريوهات أخرى تتعلق بنوع من المكسب التكتيكي، إذ يتيح هذا التحول لروسيا تخفيف الفاتورة المالية واللوجستية الباهظة اللازمة لصيانة وإدارة قواعد عسكرية مستقلة في الخارج، وتوجيه تلك الطاقات نحو جبهات أكثر حرجاً وأولوية في سياق صراعاتها الدولية الأخرى. كما قد يمنحها نموذج التعاون الجديد قدرة أكبر على الحفاظ على قنوات اتصال مباشرة مع المؤسسات السورية، بما يسمح لها بإدارة مصالحها بصورة أكثر مرونة وأقل تكلفة سياسية.

وفي سياق ثالث، يمكن النظر إلى الاتفاق باعتبار أنه لا يتعدى كونه عملية “إعادة تغليف” أو إعادة صياغة للمسمّيات بغرض التسويق السياسي والدبلوماسي. ويستند هذا الطرح إلى أن تحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة قد يوفر غطاءً قانونياً وسياسياً جديداً للحضور الروسي، ويخفف الضغوط على السلطة الانتقالية في دمشق، من دون أن يعني بالضرورة انتهاء كل أشكال التعاون العسكري والأمني بين الطرفين.

وهنا تبرز نقطة تحتاج إلى مراقبة دقيقة، وهي طبيعة الصلاحيات التي سيحصل عليها الجانب الروسي داخل هذه المراكز، ومدى احتفاظه بإمكانية الوصول إلى البنية التحتية الفنية واللوجستية التي كانت تخدم وجوده العسكري. فإذا حافظت موسكو على جزء معتبر من هذه القدرات، فقد يكون التحول أقرب إلى إعادة تموضع منه إلى انسحاب فعلي.

ومن المفترض أن تتيح هذه المرونة لموسكو تجنب الصدام المباشر مع التحولات الجديدة في سوريا، وضمان سلامة أفرادها، والإبقاء على هامش للتأثير في الترتيبات الأمنية والعسكرية المقبلة، من دون الحاجة إلى الدخول في مواجهات مفتوحة. وفي المقابل، ستبقى قدرة روسيا على تحويل هذا الهامش إلى نفوذ حقيقي مرتبطة بموقف دمشق، وبمدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لقبول استمرار دور روسي، ولو بصيغة مختلفة، داخل المشهد السوري.

سوريا الجديدة في الحسابات الأميركية… واشنطن تعيد ترتيب النفوذ

على الجانب الآخر، تقف العواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن في موقع المراقبة الدقيقة لهذه الترتيبات. فمن الأساس تنظر الإدارة الأميركية إلى المشهد المُترتب على سقوط نظام الأسد بعين الرضا التكتيكي، إذ حققت واشنطن مكاسب عملية عبر إضعاف المحور الممتد من طهران إلى بيروت عبر دمشق، وهو ما أدى إلى قطع نسبي لشريان الإمداد البري واللوجستي عن حزب الله في لبنان، وهو هدف إسرائيلي قديم.

كما تراهن واشنطن في هذه المرحلة على الدور المحوري لتركيا، العضو في حلف الناتو والفاعل الإقليمي الأقرب للإدارة الجديدة في سوريا، لملء الفراغ الناتج عن انكماش النفوذ الإيراني والروسي، ولضمان توجيه دمشق نحو سياسات أكثر اتساقاً مع مصالح المعسكر الغربي والأمن الإقليمي.

​ورغم هذه الرهانات الغربية، تجد القيادة السورية الجديدة نفسها تحاول السير فوق حبل مشدود وسط توازنات إقليمية ودولية بالغة الحساسية والتعقيد.

فمن ناحية، تدرك السلطة الانتقالية أن عملية إعادة الإعمار وانعاش الاقتصاد المتداعي تتطلبان فتح قنوات التواصل مع القوى الغربية (على الأقل، بهدف رفع العقوبات الاقتصادية)، وهو ما قد يتطلب تجاهل التمدد العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا والتجاوب مع الطروحات الأميركية المتعلقة بالمنطقة. ومن ناحية أخرى، تتعامل دمشق بحذر شديد مع أي طروحات تقترب من ملفات شائكة كالتطبيع أو إقامة تفاهمات معلنة مع “إسرائيل”، نظراً للرفض الشعبي والأيديولوجي المحتمل داخل قواعدها المحلية، كما تُبدي دمشق حذراً -حتى الآن- إزاء الضغوط الأميركية والإسرائيلية المرتبطة بدورها المحتمل تجاه حزب الله ولبنان، إدراكاً منها للكلفة الأمنية والعسكرية التي قد تترتب على الانخراط المباشر في هذا الملف.

أما فيما يتعلق بالاتفاق السوري-الروسي الأخير بحد ذاته، فعلى الأغلب تنظر واشنطن إلى الترتيبات الجديدة بعين الرضا والارتياح؛ إذ تُعد أي خطوة تؤدي إلى انكماش الحضور العسكري الروسي أو تقليص امتيازاته السيادية في شرق المتوسط، مكسباً استراتيجياً صافياً للولايات المتحدة وحلفائها. وسواء كان هذا التراجع اتفاقاً حقيقياً يُقلّص القدرات الروسية الميدانية، أم مجرد إعادة تغليف دبلوماسي وتسويق إعلامي، فإن واشنطن تعتبر مجرد إرغام موسكو على إعادة النظر في شكل وجودها وتسميته تنازلاً يُضعف هيبة الردع الروسي إقليمياً ودولياً.

وقد يُستغل هذا التحول من قِبل الرئيس دونالد ترامب في سجالاته السياسية والدعائية بوصفه استمراراً لنهج “أميركا أولاً” وتحقيقاً لانتصارات جيوسياسية من دون الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة، عبر إظهار أن الضغوط وتبدل موازين القوى أدّيا بالتبعية إلى تقليم أظافر الخصوم في المنطقة.

ثلاثة أشهر لتحديد مستقبل الوجود الروسي

في المحصّلة، لا تبدو مذكرة التفاهم السورية-الروسية مجرد اتفاق فني لإعادة توزيع استخدام القواعد والمنشآت، بل تعكس تحوّلاً أوسع في طبيعة الحضور الروسي داخل سوريا. فبينما تستعيد دمشق جانباً من “سيادتها” على المنشآت ذات الطابع المدني، تحاول موسكو الحفاظ على مساحة تسمح لها بمواصلة التأثير، ولكن بأدوات أقل كلفة وأقل إثارة للجدل السياسي.

ومن هنا، فإن المعيار الحقيقي للحكم على الاتفاق لن يكون في مسمّيات المنشآت الجديدة، وإنما في طبيعة الوجود الروسي الفعلي والصلاحيات التي سيحصل عليها خلال المرحلة المقبلة. وستشكل الأشهر الثلاثة المحددة لتنفيذ الترتيبات اختباراً حاسماً: فإما أن تؤسس لانسحاب روسي تدريجي من سوريا، وإما أن تفتح الباب أمام نموذج جديد من النفوذ، تنتقل فيه موسكو من الانتشار العسكري المباشر إلى الشراكة والتدريب والتعاون الأمني. وبين الاحتمالين، تبدو سوريا أمام واحدة من أهم عمليات إعادة تشكيل النفوذ في الشرق الأوسط.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى