
حسين زلغوط, خاص – “رأي سياسي”:

تكتسب الزيارة التي قام بها أمس قائد قوات الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (اليونيفل)، اللواء ديوداتو أبانيارا، إلى كل من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، أهمية استثنائية في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان والمنطقة. فهذه اللقاءات تأتي في توقيت بالغ الخطورة، حيث لا تزال الحرب الدائرة بين إسرائيل و”حزب الله” تلقي بظلالها على الواقع الأمني والسياسي في الجنوب، مع تزايد الرهانات على دور القوات الدولية في حماية الاستقرار ومنع انزلاق الأوضاع أكثر نحو مواجهة جديدة.
ويعكس تأكيد الرئيس بري على أهمية استمرار وجود “اليونيفل” في الجنوب وفقًا لمندرجات القرار 1701، حتى استكمال تطبيقه الكامل ومواصلة دعم الجيش اللبناني في الانتشار بعد الانسحاب الإسرائيلي، موقفًا لبنانيًا ثابتًا يتمسك بالدور الذي تؤديه القوات الدولية منذ عام 2006، باعتبارها شريكًا أساسيًا في الحفاظ على الهدوء النسبي على طول الخط الأزرق.
فالقرار 1701، الذي أنهى حرب تموز، لم يكن مجرد اتفاق لوقف الأعمال العدائية، بل شكّل إطارًا متكاملًا لإرساء الاستقرار جنوبًا، عبر تعزيز حضور الجيش اللبناني، ودعم مهمة “اليونيفل”، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف الانتهاكات المتبادلة. إلا أن السنوات الماضية أظهرت أن التطبيق بقي منقوصًا، مع استمرار الخروقات والاعتداءات وتكرار التوترات الأمنية.
وفي ضوء الحرب التي لم تنتهِ بعد، تبرز “اليونيفل” كعامل توازن ضروري في معادلة الجنوب. فوجودها لا يقتصر على الدور العسكري والأمني، بل يتجاوز ذلك إلى أداء مهمات الوساطة والتنسيق الميداني بين الأطراف المعنية، بما يسهم في احتواء الحوادث ومنع تحولها إلى مواجهات واسعة النطاق.
كما أن انتشار الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية، ولا سيما بعد الانسحاب الإسرائيلي من عدد من المواقع، يحتاج إلى دعم لوجستي وتقني وميداني مستمر، وهو ما توفره القوات الدولية من خلال التعاون الوثيق مع المؤسسة العسكرية اللبنانية. ويكتسب هذا التعاون أهمية مضاعفة في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان، والتي تنعكس بشكل مباشر على قدرات الدولة ومؤسساتها.
في المقابل، تزداد المخاوف من محاولات إسرائيل الدفع نحو تعديل قواعد عمل “اليونيفل” أو توسيع صلاحياتها بما يتجاوز التنسيق مع الدولة اللبنانية، الأمر الذي يثير حساسية سياسية داخلية، خصوصًا أن لبنان يتمسك بضرورة احترام السيادة الوطنية والالتزام الحرفي بنص القرار الدولي.
ومن هنا، فإن الرسالة الأساسية التي حملتها لقاءات اللواء أبانيارا مع المسؤولين اللبنانيين تتمثل في ضرورة الحفاظ على الشراكة القائمة بين الجيش اللبناني و”اليونيفل”، باعتبارها الضمانة الأهم للاستقرار في الجنوب خلال المرحلة المقبلة. فلبنان يدرك أن أي فراغ أمني قد تستفيد منه إسرائيل لتبرير تصعيد جديد، كما يدرك أن المجتمع الدولي يربط استمرار دعمه بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها وتعزيز حضور مؤسساتها الشرعية.
ما من شك أن مهمة “اليونيفل” اليوم تبدو أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالقوات الدولية لم تعد مجرد عنصر مراقبة، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في معادلة الأمن والاستقرار، بانتظار الوصول إلى التطبيق الكامل للقرار الدولي، بما يضمن حماية الجنوب وترسيخ الهدوء الدائم على جانبي الحدود.




