حملة الفجر… ودق أبواب الجحيم!

محمد حسن الساعدي – العرب:
نجاح الزيدي يتوقف على قدرته في مواجهة شبكات النفوذ المرتبطة بالأحزاب والفصائل المسلحة، والتي تمتلك أدوات ضغط قوية داخل مؤسسات الدولة وخارجها.
ربما يتفق الجميع على أن الفساد لا دين له ولا مذهب، وأن منظومة الفساد في العراق كانت موجودة حتى قبل عام 2003، ما يعني أن الملف ليس جديدًا. وبعد احتلال العراق اتسعت رقعة الفساد لتشمل جميع المؤسسات، لتصبح آفة وظاهرة تهدد الاستقرار السياسي في البلاد، وتجعلها عرضة للتحديات والمخاطر الأمنية، كما تضعها تحت ضغط خارجي، وتفقدها ثقة العالم الغربي والوضع الإقليمي بها. وقد انعكس ذلك على الشركات العالمية التي لا تثق كثيرًا بالوضع الأمني والسياسي العراقي.
الحملة التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي لمكافحة الفساد في العراق تمثل واحدة من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل في المشهد السياسي العراقي المعاصر. فمنذ توليه رئاسة الوزراء في مايو 2026، جعل الزيدي من مواجهة الفساد شعارًا مركزيًا لحكومته، مؤكدًا أنه لا حصانة لأحد، وأن الدولة لن تتسامح مع من استنزف المال العام أو استغل النفوذ السياسي لتحقيق مكاسب شخصية. هذه الحملة جاءت في وقت يعاني فيه العراق من أزمة اقتصادية خانقة، وتراجع في الخدمات، وتآكل ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، ما جعلها تحظى باهتمام شعبي واسع.
حملة علي الزيدي ضد الفساد تفتح نافذة أمل للعراقيين إذ تكشف إرادة سياسية جادة لإعادة بناء الدولة على أسس القانون والشفافية
المرحلة الأولى من الحملة شهدت اعتقالات واسعة شملت نوابًا ومسؤولين سابقين ورجال أعمال بارزين، استنادًا إلى اعترافات مسؤولين كبار في وزارة النفط. كما صادرت السلطات ملايين الدولارات نقدًا وأصولًا عقارية ومصوغات ذهبية، وأصدرت قرارات بمنع السفر بحق عشرات المسؤولين. هذه الإجراءات عكست جدية الحكومة في مواجهة الفساد، لكنها في الوقت نفسه أثارت تساؤلات حول مدى شمولها للرؤوس الكبيرة التي يُنظر إليها باعتبارها المستفيد الأكبر من منظومة الفساد المتجذرة منذ عام 2003.
سياسيًا، أكد الزيدي أن الحملة ليست موجهة ضد خصومه ولا تهدف إلى تصفية حسابات، بل هي مشروع وطني لإعادة بناء الدولة على أسس القانون والشفافية. غير أن مراقبين أشاروا إلى أن نجاحه يتوقف على قدرته في مواجهة شبكات النفوذ المرتبطة بالأحزاب والفصائل المسلحة، والتي تمتلك أدوات ضغط قوية داخل مؤسسات الدولة وخارجها. كما أن التوقيت، المتزامن مع زيارته المرتقبة إلى واشنطن، فُسّر على أنه محاولة لإظهار جدية حكومته أمام المجتمع الدولي، خصوصًا في ظل الضغوط الأميركية لحصر السلاح بيد الدولة وملاحقة شبكات الفساد التي تموّل الفصائل.
رغم تعقيدات المشهد وشبكات النفوذ فإن الدعم الشعبي يمنح الحملة زخمًا ويجعلها اختبارًا حاسمًا لقدرة العراق على مواجهة أخطر التحديات وصون استقراره
التحديات أمام هذه الحملة ليست قليلة. فشبكات الفساد في العراق متشابكة ومعقدة، ترتبط بمصالح اقتصادية وسياسية وأمنية، ما يجعل المواجهة معها معركة طويلة الأمد. وهناك مخاوف من أن تتحول الحملة إلى مجرد استعراض سياسي إذا لم تصل إلى كبار المتورطين ولم تُسترد الأموال المنهوبة بشكل فعلي. كما أن أي انتقائية أو غياب للشفافية في عرض نتائج التحقيقات قد يقوض الثقة الشعبية بها، ويعيد إنتاج حالة الإحباط التي عاشها العراقيون في تجارب سابقة لمكافحة الفساد.
رغم ذلك، فإن الدعم الشعبي والسياسي للحملة يمنحها زخمًا كبيرًا. قوى سياسية بارزة أعلنت تأييدها الكامل للخطوات التي اتخذها الزيدي، فيما يرى المواطنون فيها فرصة لاستعادة الثقة بالدولة بعد سنوات من الفشل الإداري والمالي. وإذا ما نجحت الحكومة في المضي قدمًا دون تراجع، فإن هذه الحملة قد تشكل بداية فعلية لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، وتفتح الباب أمام إصلاحات أوسع تشمل الاقتصاد والأمن والخدمات.
في المحصلة، حملة علي الزيدي ضد الفساد ليست مجرد إجراءات قضائية، بل مشروع سياسي يختبر قدرة الدولة العراقية على مواجهة أخطر التحديات التي تهدد وجودها واستقرارها. نجاحها أو فشلها سيحدد ملامح المرحلة المقبلة، وسيكون له أثر مباشر على مستقبل النظام السياسي العراقي وثقة المواطن بمؤسساته.




