حرب الرقائق الصامتة: كيف تتحدى الصين احتكار هولندا لمفاتيح العالم الرقمي؟

كتب م. عبدالله عودة الغبين, في العربية:
لم يعد ميزان القوة بين الدول يُقاس بما تملكه من الجيوش وحدها، ولا بما تختزنه من الموارد الطبيعية فحسب، بل بما تسيطر عليه من مفاصل الصناعة المتقدمة ومفاتيح التكنولوجيا العميقة. في عالم تُدار فيه السياسة من داخل المصانع، وتُرسم فيه خرائط النفوذ في مختبرات البحث والتطوير، أصبح التفوق الصناعي والتقني هو الكفّة الراجحة في معادلة الهيمنة العالمية. ومن هنا، تتحول بعض الآلات إلى رموز استراتيجية تعيد تعريف موازين العالم، لا بوصفها أدوات إنتاج فحسب، بل بوصفها أدوات نفوذ وسيادة.
في معامل البحث الصينية المعزولة عن أعين العالم، تجري عملية صامتة في ظاهرها، جسورة في جوهرها، قد تعيد تشكيل معالم سباق التكنولوجيا العالمي. يتعلق الأمر بمساعي الصين لتطوير منظومة طباعة حجرية فائقة التعقيد لصناعة المعالجات الإلكترونية، في محاولة لخلخلة الاحتكار العالمي الذي تفرضه الشركة الهولندية العملاقة “إيه إس إم إل”. وليست هذه الشركة مجرد فاعل صناعي تقليدي، بل هي حصن تكنولوجي محكم ظل لعقود الحارس الأوحد لبوابة تصنيع الرقائق الإلكترونية الأكثر تقدماً في العالم.
تعود جذور هذه الهيمنة إلى ثمانينيات القرن الماضي في هولندا، حين شرعت “إيه إس إم إل” في مسار استثنائي من البحث والتطوير، ضخت خلاله مليارات اليورو على مدى سبعة عشر عاماً، قبل أن تكلل جهودها بإدخال تقنية الطباعة الحجرية باستخدام الأشعة فوق البنفسجية المتطرفة إلى الأسواق. اليوم، تنتج الشركة آلات بالغة التعقيد، تُشبه منظومات تقنية متكاملة، تتألف من أكثر من مئة ألف مكوّن، وتشكل الدعامة المركزية لصناعة أشباه الموصلات المتقدمة. تواصل هذه الآلات دفع حدود قانون مور، ذلك المبدأ الذي صاغه المهندس الأمريكي غوردون مور عام 1965، والذي ينص على أن عدد الترانزستورات في الرقائق الإلكترونية يتضاعف كل عامين تقريباً، مما يؤدي إلى مضاعفة القدرة الحاسوبية مع خفض التكلفة. وقد ظل هذا القانون بمثابة البوصلة التي توجه تطور صناعة أشباه الموصلات منذ ستة عقود، ويعتمد استمراره على قدرة الآلات على نقش دوائر أصغر فأصغر بدقة متناهية. تتولى آلات “إيه إس إم إل” نقش الدوائر المتناهية الصغر داخل الرقائق التي تقوم عليها بنية العالم الرقمي، من الهواتف الذكية إلى خوادم الذكاء الاصطناعي العملاقة. ولم تعد أهمية هذه الآلات محصورة في بعدها الصناعي، بل تحولت تدريجياً إلى رافعة جيوسياسية حساسة، تضبط إيقاع التقدم التكنولوجي وتعيد توزيع القوة بين الدول.
في مواجهة هذا الواقع، وضمن سياق حرب تكنولوجية محتدمة وقيود غربية متصاعدة، أطلقت الصين مشروعاً يضاهي من حيث الطموح التاريخي “مشروع مانهاتن” الأمريكي الذي نتج عنه التفوق النووي في الحرب العالمية الثانية ، وإن اختلف عنه بنيةً وسياقاً. في منشآت مغلقة بمدينة شنتشن، ينهمك العلماء والمهندسون في بناء نموذج أولي لآلة تقوم على المبدأ الفيزيائي ذاته الذي تعتمد عليه آلات “إيه إس إم إل”. ويكمن جوهر هذا المسعى في استراتيجية مزدوجة: بحث علمي عميق من ناحية، وتفكيك منهجي للآلات المتاحة في السوق من ناحية أخرى، بغية استكشاف أسرارها الهندسية. وفي موازاة ذلك، تستقطب الصين الخبرات العالمية بحوافز مالية سخية، في مسعى واعٍ لاختصار عقود من التراكم المعرفي.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى هذا الهدف الاستراتيجي لا يزال مليئاً بالعقبات الشاقة. فبناء آلة قادرة على إنتاج الرقائق على نطاق صناعي واسع لا يتوقف عند استيعاب المبدأ النظري، بل هو صراع مع حدود الدقة القصوى، حيث لا مجال للخطأ أو التساهل. من بين أعقد هذه التحديات تطوير نظام بصريات فائق الدقة يعتمد على مرايا مصقولة بمهارة نادرة، وهي خبرة تنفرد بها شركات ألمانية مثل “كارل زايس” الشريك الاستراتيجي لـ”إيه إس إم إل”. يضاف إلى ذلك تعقيد تطوير مصدر ضوء بالغ القوة والاستقرار يلبي متطلبات الإنتاج الكثيف. وحتى إذا جرى تجاوز هذه الحواجز، تظل مسألة ضمان موثوقية الآلة واستدامة إنتاجيتها على مدى زمني طويل تحدياً قائماً، وهو رصيد خبرة تراكمية تمتلكه الشركة الهولندية ولا يمكن استنساخه بسرعة.
يمثل هذا السعي الصيني منعطفاً محتملاً في تاريخ صناعة أشباه الموصلات، إذ يشير المشهد العالمي إلى تشكل انقسام تكنولوجي ثنائي. يقف المعسكر التقليدي بقيادة “إيه إس إم إل” وحلفائها في الولايات المتحدة وأوروبا وتايوان وكوريا الجنوبية، الساعي إلى دفع حدود الأداء إلى ما دون عتبة النانومترين. وفي المقابل، يتبلور معسكر صيني يتحرك بوتيرة متسارعة نحو هدف استراتيجي جوهري: تحقيق الاكتفاء الذاتي، حتى وإن جاء ذلك على حساب التفوق التكنولوجي المطلق في المراحل الأولى. وقد يقود هذا الانقسام إلى تحولات عميقة، من بينها اشتعال حرب أسعار في سوق الرقائق الناضجة، وتآكل مفهوم “ الدرع السيليكوني” الذي وفّر لتايوان مظلة ردع غير مباشر، وتسريع إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية بعيداً عن التمركز الجغرافي المحفوف بالمخاطر.
في المحصلة، تبدو المنافسة القادمة أشبه بسباق بين متنافسين يسلكان مسارين مختلفين نحو خط نهاية واحد. بينما تستعد “إيه إس إم إل” لإطلاق جيل خارق من آلاتها القادرة على تمهيد الطريق لرقائق المستقبل، تمضي الصين في مسار موازٍ لتشييد بنيتها التكنولوجية الأساسية من الجذور. قد لا تبلغ الآلة الصينية الأولى مستوى النضج والكفاءة الذي بلغته نظيرتها الهولندية، غير أن مجرد ظهور بديل عملي كفيل بإعادة رسم خريطة الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي العالمي. إنه سباق تتشابك فيه عبقرية المهندسين مع حسابات الساسة، وتلتقي فيه أسرار المختبرات مع استراتيجيات الدول، ليصوغ فصلاً جديداً من فصول الصراع على قيادة العالم التكنولوجي ومن ثم الهيمنة السياسية .




